الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح حديثين نبويين مهمين عن البر والإثم، حيث يشير الحديثان إلى أن البر هو ما يجلب الطمأنينة للنفس، والإثم هو ما يسبب الحرج والتردد.
يتم تعريف البر على أنه حسن الخلق، ويتم التطرق إلى معانيه المختلفة، كما يتم توضيح مفهوم الإثم ومراتبه المختلفة باعتبار أثره وحقيقته.
يتم شرح حديث وابصة بن معبد الذي يشير إلى أهمية استفتاء القلب في الأمور المشتبة، مع التأكيد على شروط صحة هذا الاستفتاء.
يتم توضيح أن الإثم هو العمل الذي يسبب الحرج وعدم الاطمئنان في النفس، مع التأكيد على ضرورة اجتنابه لتحقيق السلامة الروحية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين نووية، الحديث السابع والعشرون. قال عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس». رواه مسلم. وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «جئت تسأل عن البر؟» قلت: نعم، قال: «استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك». قال: حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن. قال الشارح: فقه الله هذه ترجمة الحديث السابع والعشرون تجتمل على حديثين لا على حديث واحد؛ لأن فيها حديث النواس وحديث وابصة. والحديث إذا تغير الصحابي ولو كان المتن واحدا فإنه يعتبر حديثين، يعتبر حديثين لو كان المتن واحد، لكن روى هذا الحديث أكثر من صحابي، مثلا رواه أبو هريرة ورواه ابن عمر والمتن واحد، هذا يعتبر حديثان ليس حديث واحد. طيب أو إذا كان الصحابي واحدا والمتن مختلف فيعتبروا حديثان، فهنا الآن عندنا حديث النواس وحديث وابصة فهما حديثان. والترجمة هنا الحديث السابع والعشرون، ما قال السابع والثامن والعشرون، فهو اجتمل على حديثين. قال: وإدراجهما في ترجمة واحدة صير أحاديث الكتاب باعتبار تراجمه اثنين وأربعين حديثا، وباعتبار تفصيلها ثلاثة وأربعين حديثا؛ يعني التراجم والعناوين هي عبارة عن اثنين وأربعين ترجمة، لكن في التفصيل فتكون الأحاديث عبارة عن ثلاثة وأربعين حديثا؛ لأن حديث النواس حديث، وحديث وابصة حديث آخر، وهما في ترجمة واحدة. قال: فأما حديث النواس فرواه مسلم بهذا اللفظ، ووقع في رواية له: «الإثم ما حاك في صدرك». وأما حديث وابصة رضي الله عنه فرواه أحمد في المسند والدارمي بإسناد ضعيف، واللفظ المذكور برواية الدارمي أشبه. ورواه الطبراني في المعجم الكبير، والبزار في مسنده من وجه آخر لا يثبت أيضا. وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه رواه الطبراني في الكبير، وجوّد أبو الفرج بن رجب في جامع العلوم والحكم إسناده. وقد ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتاب جامع علوم الحكم روايات هذا الحديث وطرقه، وأن الحديث يحسن في الشواهد. قال: فيحسن حديث وابصة بشاهده من حديث أبي ثعلبة. قال: وقوله «البر حسن الخلق» فيه بيان حقيقة البر وأنه حسن الخلق، هذا بيان لحقيقة البر؛ البر حسن الخلق؛ يعني أعظم أعمال البر هو حسن الخلق، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»؛ يعني أعظم أركان الحج ليس هو الركن الوحيد، لكن أفضل الأركان وأعظمها هو الوقوف بعرفة. كذلك البر حسن الخلق؛ يعني أعظم أعمال البر وأفضلها هو حسن الخلق. قال: والبر يطلق على معنيين: أحدهما عام وهو الدين كله؛ فإن البر يقع إسما لجميع شرائعه، ومنه قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ إلى آخر الآية في ذكر أركان الإيمان الباطنة، وكذلك أركان الإسلام الظاهرة؛ فدل على هذا المعنى العام أن البر يطلق ويراد به الدين كله مما أمر الله سبحانه وتعالى به، سواء كان يتعلق بأمور الباطن أو كان يتعلق بالأمور الظاهرة. قال: والآخر خاص؛ يعني معنى خاص هو الإحسان إلى الخلق في المعاملة. قال: والخلق كما تقدم يشمل هذين المعنيين؛ فيطلق على الدين كله، ويطلق على معاملة الخلق وحدها؛ يعني لفظ الخلق يشمل معنى الدين كله، ويطلق ويراد به معاملة الخلق؛ يعني حسن الخلق قد يراد به العمل بما أمر الله عز وجل به وأمر به رسوله، فهذا من كمال خلق الإنسان أن يكون متدينا وقائما بما أمر الله سبحانه وتعالى به ورسوله. قال: وقد يطلق حسن الخلق لما يقال: فلان حسن الأخلاق؛ يعني في معاملة الناس، في خطابه، في كلامه، في أفعاله؛ فيكون له معنى عام ويكون له كذلك معنى خاص. قالوا: في هذه الجملة بيان حقيقة البر بالنظر إلى أصله، وسيأتي في حديث وابصة رضي الله عنه بيان حقيقة البر بالنظر إلى أثره. قالوا: يقابل البر الإثم، وله مرتبتان: الأولى ما حاك في النفس وتردد في القلب وكرهت أن يطلع عليه الناس لاستنكارهم له، وهذه المرتبة مذكورة في حديثي النواس وابن وابصة رضي الله عنهما. والثانية ما حاك في النفس وتردد في القلب وإن أفتاه غيره أنه ليس بإثم، وهي مذكورة في حديث وابصة وحده. قال: وما تقدم تعريف للإثم باعتبار أثره؛ أي بالنظر إلى ما يوجده في النفس والقلب. أما باعتبار حقيقته في أصله فهو ما بطأ بصاحبه عن الخير وأخره عن الفلاح؛ يعني الإثم تعريفه وحقيقته ما بطأ بصاحبه عن الخير وأخره عن الفلاح؛ يجعله بعيدا عن فعل الخير وفعل البر، وأيضا أخره عن الفوز والفلاح والنجاة؛ النجاة من عذاب الله والفوز بنعيم الله جل وعلا؛ كل ما كان كذلك فهو من الإثم. قال: وقول في حديث وابصة «استفت قلبك» أمر باستفتاء القلب؛ أي بالرجوع إليه عند الاشتباه في طلب جواب أو فتوى؛ يعني بالرجوع إلى القلب في طلب حكم هذا الأمر: هل يقدم عليه أو لا يقدم؟ هل هو حلال أو ليس بحلال؟ قال: والأخذ بفتوى القلب مشروط بأمرين: أحدهما كونها مسلطة على محل الاشتباه المتعلق بمناط الحكم، والآخر أن يكون المستفتي قلبه متصفا بالعدالة الدينية والاستقامة الشرعية. قال: والمقصود بقولنا كونها مسلطة على محل الاشتباه المتعلق بمناط الحكم؛ أي أنه لا يرجع إلى القلب في بيان الحكم؛ فأنت لا تعرف أن هذا حلال أو حرام بمجرد ما تجده في قلبك. قال: ثم إن هذا إنما يكون فيمن زكت نفسه فكان مستقيما عدلا في التزامه بالشرع؛ فقلبه لا يحمله هواه على ما يرضيه، وإنما يحمله قلبه على ما تبرأ به ذمته الدينية. قال: وقوله «البر مطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب» هذا بيان لحقيقة البر باعتبار أثره؛ وهو ما يحدثه في النفس والقلب من سكينة وانشراح وطمأنينة؛ يعني كون هذا العمل من البر ومن الطاعة تجد النفس مطمئنة مرتاحة منشرحة الصدر؛ عندك راحة في قلبك أن هذا الأمر حلال لا غبار عليه. قال: وقوله «وإن أفتاك الناس وأفتوك» معنى أن ما تردد في قلبك وحاك في نفسك فهو إثم وإن أفتاك الناس بأنه ليس بإثم. وهذا مشروط بأمرين: أحدهما أن يكون من وقع في قلبه الحيك والتردد ممن انشرح صدره واستنار قلبه بكمال الإيمان وصلاح الحال؛ يعني يكون هذا المتردد هو على استقامة وصلاح ولزوم للطاعات واجتناب المحرمات. قال: فإذا وجد فيه الوصف الأول ووجد في مفتيه الوصف الثاني -وهو التساهل في الفتوى- فإنه يعول على ما وجده في قلبه من كونه إثما؛ يعني لا يلتفت إلى فتوى هذا المفتي. قال: مثلا إنسان رأى إعلانا عن معاملة تجارية وتسارع إليها الناس، فاستكشف هذا العقد وبما عنده من فهم وقع عنده تردد في كون هذا العقد موافقا لحكم الشريعة، فاتصل به أحد أصحابه وقال: بشر يا أبا فلان عساك دخلت معنا -يعني في هذه المعاملة- فقال له: لا والله عندي في قلبي شيء. قال: فوجده وإن نظر إلى مفتيه وجده معهودة حاله أنه يجري مع الهوى؛ فإنما وجده في نفسه حينئذ يكون عليه التعويل من عدم الدخول في هذه المعاملة. هذا معنى الحديث: يقع في النفس شيء تتردد، لا تطمئن، لا ينشرح صدرك لهذا العمل لهذه المعاملة، يفتيك من يفتيك أنه لا بأس، ومازال الحرج في الصدر؛ هذا معنى أن هذا العمل إثم عليك أن تتركه وأن تجتنبه وأن لا تقدم عليه، وبهذا يسلم الإنسان من الوقوع في الإثم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.