التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 29

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أبواب الخير ودخول الجنة

شرح حديث معاذ بن جبل الذي يبين الأعمال التي تدخل الجنة وتباعد عن النار، مع التركيز على العبادات الأساسية والنوافل. الحديث يشير إلى أهمية الصلاة والصوم والحج وأبواب الخير الأخرى.

فضائل الأعمال وأهمية الإسلام والصلاة والجهاد

شرح حديث نبويا يبين فضائل الأعمال مثل الصدقة وقيام الليل والجهاد، ويوضح أهمية الإسلام والصلاة والجهاد في الدين. الإسلام هو رأس الأمر والصلاة عموده والجهاد ذروة سنامه.

خطورة الكلام في أعراض الناس وأهل العلم

يُبين خطورة الكلام في أعراض الناس دون بينة، ويشدد على أهمية التورع ومراقبة الله. الطعن في أهل العلم له خطورة أكبر بسبب عظم حرمتهم، ولا يجوز الطعن في الناس بغير حجة ولا بينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه الأربعين نووية: الحديث التاسع والعشرون، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه أيضا، وإسناده ضعيف؛ لأنه من رواية أبي وائل عن معاذ، ولم يسمع منه، فهو منقطع. قال: وروي من وجوه متعددة عن معاذ رضي الله عنه، كلها منقطعة. والإمام الدارقطني رحمه الله يرجح أن الحديث من رواية شهر بن حوشب عن معاذ مرسلا، وشهر بن حوشب ضعيف. قال: ومن أهل العلم من يقويها بمجموعها -يعني مجموع الطرق- لهذا الحديث. قال: واللفظ المذكور هنا قريب من لفظ الترمذي، ولكن فيه -أي عند الترمذي-: لقد سألتني، وفيه: برأس الأمر كله، وفيه: بلى يا نبي الله، في الموضعين، وفيه: ثكلتك أمك يا معاذ. قال: وأوله عنده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فسألته، فذكر الحديث. وهو من الأحاديث العظيمة الجامعة بين الفرائض والنوافل. فأما الفرائض، فهي المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة» إلى آخر الجملة المذكورة، وهي متضمنة أركان الإسلام التي تقدم بيانها في حديث عبد الله بن عمر، وهو الحديث الثالث -أي حديث: بنية الإسلام على خمس-، فذكر أركان الإسلام، وهي الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار المحافظة على هذه الفرائض وهذه الواجبات. قال: وقوله في الحديث: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا» هو بمنزلة الشهادتين في حديث ابن عمر؛ لأن عبادة الله المذكورة فيه لا تتحقق إلا باجتماع الشهادتين: الشهادة لله بالتوحيد، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. يعني: لا يكون العبد محققا لعبادة الله وموحدا لله حتى يشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة. فمن شهد أنه لا إله إلا الله وأبى أن يشهد أن محمدا رسول الله، فهو كافر حينئذ، لا تنفعه شهادة أن لا إله إلا الله مع إنكاره لشهادة النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة. فلابد -يعني- من إثبات الشهادتين. فقوله: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا» هذا متضمن لتحقيق الشهادتين: الشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قالوا: أما النوافل، فهي المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلك على أبواب الخير؟» ثم عدها. قالوا: أبواب الخير الممدوحة نوافلها في الحديث ثلاثة: أولا، الأول الصوم المذكور في قوله: «الصوم جنة». والجنة اسم لما يتقى ويستتر به، كالدرع للصدر والخوذة للرأس، جنة بمعنى وقاية. فالصوم وقاية لصاحبه، يقيه من الوقوع في الآثام والوقوع في شهوات النفس وملذاتها، الوقوع في المعاصي في الدنيا، ووقاية له يوم القيامة من النار والعذاب فيها. كما أن المقاتل يتقي بلبس الدرع الذي يلبس في الصدر، يقيه من الضربات. وهكذا أيضا الخوذة -البيضة- التي تلبس في الرأس تحمي الرأس من الضربات. كذلك الصوم جنة -وقاية- لصاحبه. قال: والثاني الصدقة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». الصدقة تطفئ الخطيئة -يعني- تذهب الخطايا والذنوب وتكفر السيئات كما يطفئ الماء النار، فيذهب الماء -يعني- أثر النار وإحراقها وإتلافها. كذلك الصدقة تذهب الخطايا التي يقع فيها الإنسان والذنوب فتمحوها، وهذا من فضائل الصدقة. قال: الثالث صلاة الليل المذكورة في قوله: «وصلاة الرجل في جوف الليل». قال: وجوف الليل هو وسطه -يعني جوف الشيء وسطه-، فجوف الليل -أي- وسط الليل. والمراد به الصلاة في الليل، وإن كانت الصلاة في آخر الليل أفضل -يعني- في الثلث الأخير من الليل. فالمقصود في جوف الليل -يعني- في وقت الليل. وكلما تأخر -يعني- وقت الصلاة في آخر الليل فهو أفضل وأكمل. كذلك صلاة الليل هي أيضا من النوافل العظيمة، ومن أفضل الطاعات والقربات بعد الفريضة، هي صلاة الليل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل». وأثنى الله جل وعلا على عباده المتقين الذين يحافظون على صلاة الليل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وهذا قوله جل وعلا: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وذكر الرجل تغليبا. وذكر الرجل تغليبا، وإلا فالمرأة داخل في الأجر المذكور -يعني- قوله: «وصلاة الرجل في جوف الليل»، هل هذا خاص بالذكر أو لا؟ كذلك المرأة لو فعلت هذه النوافل فإنها توجر وتثاب، لكن ذكر الرجل لأن الخطاب -يعني- كان لمعاذ، وهو رجل، أو يكون ذكر من باب التغليب. قال: وقراءة الآية عقب ذكر صلاة الليل الدلالة على جزاء أهلها -يعني- قوله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لبيان فضيلة -يعني- صلاة الليل. قال: ثم لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفاصيل الجمل، جمع في وصيته لمعاذ كلياتها، فقال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد». هكذا وقع الحديث في أصل كتاب الأربعين. قالوا: فيه أن الجهاد موصوف بتلك الأوصاف الثلاثة، فهو رأس الأمر وعموده وذروة سنامه. واتفق وقوعه كذلك عنده؛ لأن رواية جامع الترمذي التي اتصلت به سماعا هي على هذا الوجه. أفاده صاحبه من العطار، ثم العراقي. والمعروف في الروايات التامة لجامع الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» -يعني- ليس هذه الأوصاف: رأس الأمر وعموده وذروة سنامه كلها من أوصاف الجهاد، وإنما المراد بوصف الجهاد أنه من ذروة سنامه -سنام الإسلام-، إلا أن رأس الأمر هو الإسلام، وعموده الصلاة. هذه في الرواية التامة للحديث عند الترمذي. والرواية المذكورة هي التي وقعت للإمام النووي رحمه الله في سماعه لجامع الترمذي، وفيها هذا القصور. قال: فقوله: «رأس الأمر الإسلام» أراد بالأمر الدين الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد بالإسلام إسلام الوجه لله والإقبال عليه إخلاصا له بالتوحيد، واتباعا لرسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة -يعني- إذا أردت شيئا من الأعمال التي تعينك على دخول الجنة والنجاة من النار، فعليك بالتمسك بهذا الدين. فرأس الأمر -رأس هذا الدين- الذي -يعني- به تنجو من عذاب الله وتفوز بنعيم الله هو الإسلام. كن محققا للإسلام بتحقيق التوحيد لله جل وعلا، والانقياد له بالطاعة، وإخلاص العبادة له، وأيضا تحقيق المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «و عموده الصلاة» أي: هي من الإسلام بمنزلة العمود الذي يقوم عليه الفسطاط -وهو الخيمة الكبيرة-، يعني: شبه الإسلام بخيمة وبناء، عموده الذي يعتمد عليه هذا البناء ويتكى عليه هو الصلاة. إذا اختل هذا العمود اختل هذا البناء وسقط ولم يستقم. هكذا منزلة الصلاة في الدين والإسلام بمنزلة العمود الذي يعتمد عليه البناء أو الخيمة الكبيرة. فإن اختل هذا العمود اختل ما عليه وسقط -يعني- معنى ذلك حافظ على الصلاة، تمسك بالإسلام وحافظ على الصلاة. قال: ثم قال: «وذروة سنامه الجهاد» أي: أعلاه. فالذروة أعلى الشيء وأرفعه. وذروته تقسر وتضم -يعني- ذروة وذروة. قال: فيقال: ذروة، وذروة. وذكر فتحها في لغة العرب: وذروة -بفتح الذال- الأفصح، الكسر والضم. ذروة سنامه الجهاد -يعني- أعلى الإسلام وأرفع ما فيه، ومما يظهره ويعليه ويجعله عاليا شامخا قويا مرتفعا هو الجهاد في سبيل الله، قتال الأعداء أعداء هذا الدين حتى تكون الكلمة لله ويكون الدين لله جل وعلا. قال: ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم ملاك الأمر كله، فقال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» ثم قال: «كف عليك هذا» -أي اللسان-. والملاك -بكسر الميم وتفتح-: ملاك وملاك. قال: وهو قوام الشيء -أي- عماده ونظامه، والأمر الذي يعتمد عليه. منه وفيه أن أصل الخير وجماعه هو إمساك اللسان وحفظه. نعم، إذا أردت النجاة والفوز بالجنة والنجاة من النار، فأمسك لسانك، امسك لسانك واحذر أن تطلق هذا اللسان فيكون سببا في هلاكك. قال: قوله: «ثكلتك أمك» -أي- فقدتك. وهذه كلمة تجري على اللسان ولا يراد بها حقيقتها، فليس الدعاء عليه بأن تفقده أمه، وإنما تقال عند إرادة تعظيم الشيء. كلمة تستعملها العرب تعظيما للشيء، لا تريد ظاهرها -لا تريد ظاهرها-، يعني: ثكلتك أمك، معنى: فقدتك أمك، هو لا يريد الدعاء عليه بذلك، لكن يريد تعظيم هذا الأمر وبيان حقيقته وعظيم أمره، فتستعمل هذه الكلمة في مثل هذا الموضع. قال: وقوله: «هل يكب الناس في النار على وجوههم؟» -الحديث- أي: يطرح الناس. فالكب الطرح، فكبكبوا فيها هم والغاوون -يعني- أطرحوا وألقوا في النار. قال: والمعنى: يطرح الناس على وجوههم أو مناخرهم -وهي أنوفهم- حصائد ألسنتهم -يعني- ما يكون سببا في وقوعهم في النار ودخولهم النار هو مقترفة هذه الألسن، مقترفة هذه الألسن من الكلام والقيل والقال والطعن والسب والشتم واللعن والغيبة والنميمة إلى آخر ذلك من آفات اللسان. قال: والحصائد جمع حصيدة، وهي كل شيء قيل في الناس باللسان وقطع عليه بهم. ذكره أبو الحسين ابن فارس في مقاييس اللغة: كل شيء قيل في الناس باللسان -غيبة، نميمة، كذب، قول زور، سب، لعن، طعن، قذف- إلى آخر ذلك. قال: فالمخوف من عقوبته هنا ليس جنس الكلام، بل نوعا خاصا منه، وهو المجترئ على الجزم بحال أحد والحكم عليه إذا كان غير موافق للحقيقة الواقع شرعا، كان يتهم إنسانا بكذب وهو لم يكذب، أو يتهمه بقول أنه قاله ولم يقله، أو كذلك ما فيه طعن كشتم أو لعن، أو كذلك غيبة أو نميمة إلى آخر ذلك. قال: ولا يقال: إنه لا يحكم على الناس، بل يحكم على الناس بأن يقال: فلان مبتدع، فلان ظالم، فلان طائع، فلان مستقيم، فلان عاص، يحكم على الناس، لكن لا يحكم بالتشهي وإنما يحكم بالبينة الشرعية؛ لأن هذا كلام في الأعراض، فلابد فيه من مراقبة الله جل وعلا والتورع، فلا يتكلم إنسان في غيره إلا بعلم وبينة -إلا بعلم وبينة- أن فلان هذا واقع في بدعة أو مبتدع أو ظالم أو كذاب أو كذا من أنواع الطعون، لا تكون عن طريق الهوى. فإن كان كذلك فهو -يعني- مفتري كذاب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله عز وجل ردغة الخبال حتى ينزع مما قال». فالأمر خطير، الأمر خطير. قال: ولهذا ترتيب في الدولة الإسلامية -أي في الولاية المحكوم بأحكامها شرعا- وهو أمر عظيم إذا وقع الإنسان فيه إلى بينة، فإنه يتخوف على نفسه ما توعد به في هذا الحديث العظيم -يعني- أن يكب في النار بسبب حصائد ألسنته، إذا كان يتكلم في أعراض الناس بالهوى: فلان مبتدع، فلان حزبي، فلان كذا، فلان كذا، فلان ظالم، من غير بينة. إذا كان على بينة وحجة وعلم لا بأس، وهو أهل الجرح والتعديل، والمقصود من ذلك النصيحة. أما إذا كان المقصود للتشفي والتشهي -يعني- يجعل هذا فكاهة للمجالس كما يفعل البعض، ما يطيب المجلس إلا بالطعن في أعراض العلماء وعراض أهل الفضل والخير، فهذا لا شك أنه على خطر عظيم، أنه على خطر عظيم. وخاصة إذا كان الكلام في أهل العلم، فحرمة العلماء أعظم من حرمة عامة الناس. إذا كان لا يجوز الكلام في أفراد الناس، لا يجوز الكلام والطعن في أفراد الناس بغير حجة ولا بينة، فالطعن في أهل العلم أعظم حرمة وأعظم ذنبا وخطيئة. فلذلك يحذر المسلم من مثل ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.