كتاب الحج 5

الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في محظورات الإحرام

ذكر العلامة السعدي رحمه الله بعض محظورات الإحرام مثل حلق الشعر وتقليم الأظفار ولبس المخيط. يجب على المحرم اجتنابها حتى يتحلل من إحرامه.

تحريم الصيد للمحرم وتفاصيل أحكامه

يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول كما يحرم الدلالة عليه والإعانة على قتله. يستثنى من ذلك صيد البحر والحيوانات غير المأكولة.

تحريم الجماع ومقدماته في الإحرام وعواقبه

الجماع محرم في الإحرام ومقدماته كذلك، ويفسد الحج إذا حدث قبل الوقوف بعرفة أو التحلل الأول. يترتب عليه فدية ووجوب قضاء الحج.

فدية الصيام وموقف أهل العلم منها

جمهور أهل العلم يفتون بموجب لفدية بدنه، ونسب هذا الرأي إلى عدد من الصحابة مثل ابن عباس وعبد الله بن عمر. تم التأكيد على هذا الرأي في الفتوى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين»: «ويجتنب المحرم وقت إحرامه حلق الشعر، وتقليم الأظفار، ولبس المخيط إن كان رجلا، وتغطية رأسه إن كان رجلا، والطيب رجلا وامرأة». قال: «وكذا يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول، والدلالة عليه، والإعانة على قتله». وأعظم محظورات الإحرام الجماع، لأنه مغلظ تحريمه، مفسد للنسك، موجب لفدية بدنه. ذكر رحمه الله هنا ما يجتنبه المحرم وقت إحرامه، فالمحرم عليه أن يجتنب بعض الأشياء التي لا يجوز له أن يفعلها إذا أحرم. فذكر منها حلق الشعر. حلق الشعر في أثناء الإحرام وبعد الإحرام، فعامة أهل العلم منهم من نقل الإجماع على أنه لا يجوز للمحرم أن يحلق شيئا من شعره، سواء كان شعر الرأس أو شعر الإبط أو شعر العانة أو شعر الشارب. واستدلوا بقول الله عز وجل: «ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله». جمهور أهل العلم استدلوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ شيء من الشعر حال الإحرام. والآية وإن نصت على تحريم حلق شعر الرأس، فإنهم استفادوا منها أيضا المنع من حلق بقية الشعور، من باب أن الشريعة لا تفرق بين متشابه ولا تجمع بين مفترق. ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يمنع هو حلق شعر الرأس فقط، وأما بقية الشعور فإنه لا يمنع من أخذها. هذا قول الظاهرية وطائفة من أهل العلم، لأنهم أخذوا بظاهر الآية دون النظر إلى المعاني. قول جمهور أهل العلم هو الأقرب، وهو الأحوط للمحرم، أنه لا يأخذ شيئا من شعر جسده حتى يتحلل. قال: «وتقليم الأظفار». تقليم الأظفار يعني قص الأظافر، هذا أيضا مما يجتنبه المحرم. أصدر الأهل العلم بقول الله جل وعلا: «ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق». قوله جل وعلا: «ثم ليقضوا تفثهم»، قالوا: التفث هو إزالة الأوساخ التي تحصل للإنسان في أثناء إحرامه، كالشعر والأظافر ونحو ذلك. فالله عز وجل أجاز أخذها عند التحلل، يعني بعد رمي جمرة العقبة يتحلل الإنسان التحلل الأول، فيقص شعر رأسه، يحلق رأسه، ويزيل بقية الشعور، ويقص أظفاره. هذا معنى قوله: «ثم ليقضوا تفثهم». وقد ذكر أهل اللغة كأبي عبيد القاسم بن سلام أن هذا هو معنى التفث. وذكر الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره شيئا من ذلك في تفسير التفث بأنه بهذا المعنى. وهذا قول جمهور أهل العلم. قالوا: إن أخذ الأظفار هو من باب الترفه الذي يمنع منه المحرم. وهناك قول آخر بأن التفث هو المناسك، كما جاء عن ابن عباس أنه قال: «التفث المناسك». لكن ذكر أهل اللغة أن التفث هو إزالة الوسخ. وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره دلالات من أقوال أهل اللغة وأشعار تدل على هذا المعنى. قال: «ولبس المخيط إن كان رجلا». لبس المخيط، المخيط يعني لفظا استعمله الفقهاء، وفيه شيء من التوسع. قد يظن السامع أن المراد بالمخيط ما فيه خيوط، وليس هذا المراد. وإنما المراد بالمخيط هو الثياب التي تفصل على أعضاء البدن، أي تفصل على أعضاء البدن، سواء كان ما يوضع على الرأس أو ما يلبس على البدن كالقميص أو الفنيلة أو الشميز أو المعوز الذي يكون متصلا، ليس الإزار المنفصل. السراويل هذه كلها تدخل في لفظ المخيط. كذلك ما يوضع على الرأس كالقلنسية والعمامة إلى آخره. فلبس المخيط، أجمع أهل العلم على المنع من ذلك بحديث ابن عمر في الصحيحين، لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا السراويلات، ولا يلبس ثوبا مسه زعفران أو ورس». قال: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين». النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ فذكر ما يمتنع لبسه، لأن الأصل هو أن يلبس ما شاء، لكن الأشياء الممنوعة محدودة، فلهذا ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. لا يلبس القمص، القميص ما خيط على البدن كاملا، هذا يسمى قميصا. ولا البرانس، هي القمص التي تكون فيها ما يغطي الرأس متصلا بالقميص، كلباس أهل المغرب، هذا يسمى برنسا. كذلك أيضا السراويلات، السراويل مفصل على البدن، على الأقدام. وهكذا أيضا يلحق بها ما كان بمعناها، كالفنائل الداخلية ونحوها. فهذا اللبس المخيط يمتنع منه المحرم. أما لبس شيء فيه خيوط، وهو ليس مما يفصل على البدن، فهذا جائز. يعني حتى لبس الإزار والرداء، هو لا يخلو من خيوط، ليس هذا المراد كما ذكرنا. إنما المراد ما يفصل على البدن. فلبس مثلا الساعة ليس فيه حرج، لبس السبتة التي تلبس على الإزار أيضا ما فيه حرج في لبسها. المحفظة مثلا، وضع المحفظة في السبتة ليس في ذلك حرج، أو التي توضع على الكتف أيضا لا حرج في ذلك. لبس النظارة ليس في ذلك حرج. قوله هنا: «إن كان رجلا»، إلى الذي يمتنع من لبس المخيط، وهو ما فصل على البدن، هو الرجل. أما المرأة فليس عليها في ذلك حرج، تلبس ما شاءت من الثياب مما يباح لها لبسه ومما لا يخالف الشرع. وإنما الذي يمتنع عن ذلك هو الرجل، إلا أنها تجتنب لبس القفازين والنقاب، لا تغطي يديها بالقفازات أو قدميها كذلك، ولا تلبس النقاب، النقاب الذي يشد على الرأس. وهل معنى هذا أنها تكشف وجهها؟ الجواب: لا تغطي وجهها بما لا يربط على الرأس، كالخمار، تضع الخمار على رأسها وتسدل الغطاء الذي يغطي الوجه. وقد كان نساء النبي عليه الصلاة والسلام إذا مر عليهن الأجانب سدلن الخمر على وجوههن، والنبي صلى الله عليه وسلم يراهن ولا ينكر عليهن. وإذا لم يكن عندهن أحد من الأجانب كشفن وجوههن. قال: «وتغطية رأسه إن كان رجلا». تغطية الرأس إن كان رجلا، يعني هذا محظور من محظورات الإحرام. تغطية الرأس، فالمحرم الذكر لا يغطي رأسه، يجب أن يجعل رأسه مكشوفا. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس العمائم. فلا يغطي رأسه بعمامة. المراد تغطية الرأس يعني بلباس، تغطية الرأس بلباس يلبس على الرأس، لا يغطي رأسه بعمامة ولا يغطيه بقلنسوة ونحو ذلك مما يلبس على الرأس. أما إذا غطى رأسه مثلا باستظلال بشجرة، تحت شجرة، لا بأس، هذا ما لا يدخل في النهي. كذلك أيضا لو احتمى من الشمس بسقف السيارة، هذا لا عليه حرج، أو بسقف الخيمة، هذا ما يضره. النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة بنمرة يرتاح فيها. كذلك مثلا لو حمل متاعه على رأسه، ليس عليه بذلك حرج، حمل شنطته أو حمل الكرتون فوق رأسه، هو محرم، ليس بذلك شيء. المحيط هو أن يغطي الرأس بلباس يلبس على رأسه. قال: «إن كان رجلا»، يعني هذا الحكم مختص بالرجال دون النساء. أما المرأة فيجب عليها أن تغطي رأسها. ولم يذكر هنا الوجه، لأن الصحيح أن الوجه لا يجب على المحرم أو لا يمتنع المحرم من تغطية وجهه. ولهذا ذكر الرأس فقط. وأما رواية: «لا تخمر رأسها، ووجهها» في حديث الرجل الذي قطعت ناقته فمات وهو محرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه، ولا تخمرا رأسه»، جاء في رواية: «ولا تخمرا رأسه، ووجهه». ذكر الوجه شاذ، لا يصح. الصحيح في الحديث ذكر الرأس فقط: «ولا تخمرا رأسه»، يعني لا تغطي رأسها. أما الوجه فيجوز للمحرم أن يغطي وجهه، يعني لو أنه نام مثلا، لا بأس أن يضع الفراش والغطاء على وجهه، ليس عليه في ذلك حرج. أنه لم يرد نهي عن تغطية الوجه. وبالنسبة للمرأة كما ذكرنا، أن المرأة تغطي وجهها إن كان عندها أحد من الأجانب، وإن لم يكن عندها أحد فتكشف وجهها، كما كان يفعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام. وأما اعتقاد كثير من النساء أنه لا يجوز لها أن تغطي وجهها، ليس بالصحيح. وإنما الممنوع هو تغطية الوجه بالنقاب والبرقع وما كان بمعنى ذلك مما يشد على الرأس. قال: «والطيب رجلا أو امرأة». يعني مما يمتنع منه المحرم الطيب، لا يجوز للمحرم أن يتطيب بعد إحرامه، لا في بدنه ولا في ثوبه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يلبس ثوبا مسه زعفران أو ورس»، وهو نوع من الطيب. وفي حديث ابن عمر في البخاري، لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد لطخ ثوبه بالطيب، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله. أمره أن يغسله. لكن قبل الإحرام لا بأس، يجوز قبل الإحرام أن يتطيب المحرم في بدنه دون ثوبه، الطيب في بدنه دون ثوبه. الآن استعد للإحرام، لا بأس، تطيب، تضع الطيب على رأسك، تضع الطيب في لحيتك، تضعه في إبطك، لا بأس بذلك. لحديث عائشة: قالت: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت». قالت: «كنت أرى وبيص الطيب على مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم»، يعني أثر الطيب وهو محرم، ولم يمسحه النبي عليه الصلاة والسلام. وكذا ما ذكرت رضي الله عنها أنهن كن يتطيبن، فإذا عرقت إحداهن سال الطيب منها، ولا ينكر عليهن النبي صلى الله عليه وسلم. فالتطيب قبل الإحرام هذا جائز، وإن استمر الطيب بعد ذلك فهذا لا يضره، لأنه من باب القاعدة الشرعية: «الاستدامة أقوى من الابتداء». وأما تطيب الثياب فلا يجوز، لا قبل الإحرام ولا بعد الإحرام. ومن فعل ذلك واجب عليه أن يغسل ثوب الإحرام ويزيل الطيب منه. وهذا الحكم عام للرجل والمرأة، كذلك المرأة أيضا لا تطيب في بدنها أو ثوبها بعد الإحرام. قال: «وكذا يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول، والدلالة عليه، والإعانة على قتله». يحرم على المحرم قتل صيد البر الوحشي المأكول، لقول الله عز وجل: «ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم». وهكذا قول الله عز وجل: «وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما». فقوله: «صيد البر»، خرج به صيد البحر، فصيد البحر حلال للمحرم ولغير المحرم. «وحل لكم صيد البحر وطعام متاعا لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما». فالممنوع هو صيد البر، أما صيد البحر فحلال. قوله: «الوحشي»، المراد الوحشي الذي يعيش في البر، الذي يعيش في البر، لم يعش بين الناس. فقتل الوحشي يخرج به الإنسي، الإنسي كالإبل والبقر والغنم والدجاج، هذا يعني حيوانات إنسية، لا تدخل في التحريم. إنما التحريم في صيد البر الوحشي الذي يعيش في البر، بعيدا عن الناس. هذا مقصود الوحشي الذي هو بعيد عن الناس، كالضبع والغزال والوعل والأرانب البرية والحمام البري ونحو ذلك. هذا هو الممنوع أن يصيده المحرم. قوله: «المأكول»، لإخراج المحرم، أي المأكول الحلال الذي يحل أكله، فخرج بذلك المحرم كالكلاب والنمور والأسود والذئاب والثعالب ونحوها من حيوانات الوحشية المحرمة. هذه لا تدخل في التحريم. يبقى قيد كذلك إذا أضافه أهل العلم، وهو «الوحشي أصلا». صيد البر الوحشي أصلا، قالوا: «أصلا»، لإخراج ما لو كان هذا الوحشي مستانسا أصبح يعيش مع الناس، فهذا كذلك لا يخرجه عن كونه وحشيا. مثلا إنسان عنده غزال، طيب صادها وأسكنها معه أو عنده، وأصبحت إنسية لا تعيش في البر، هذا هل يخرجها عن كونها من صيد البر الوحشي؟ الجواب: لا، لا يخرجها، ما دامت أن أصلها متوحش، فيبقى معها الحكم. وهكذا العكس، لو أن الصيد الإنسي توحش، لا يخرجه عن كونه إنسيا. مثل غنم أصبحت تعيش في البادية، تفر من الناس، هل هذا يجعلها في حكم صيد البر الوحشي؟ الجواب: لا، هي إنسية، يحل للمحرم أن يصيدها وأن يذبحها. إذن قالوا: «الوحشي الأصلي»، لإخراج ما لو استأنس، فلا يخرجه هذا عن حكمه. فصيد البر الوحشي الأصلي أو الوحشي أصلا المأكول، لا يجوز للمحرم قتله. ربما الإنسان يسافر، وخاصة في زمن السابق، يعني كانوا يسافرون بالرواحل، فربما يرون الصيد في أثناء سفرهم، يرون غزلانا أو حمرا وحشا أو وعولا أو نحو ذلك، فربما يحتاجون إلى أكل شيء من ذلك الصيد، فيصيدونه، فيمتنع المحرم من ذلك، لا يجوز أن يصيد وهو محرم. قال: «والدلالة عليه». يعني لا يجوز له أن يدل، لو أن معهم من هو حلال، غير محرم، ورأوا وهم محرمون الصيد، لا يجوز لهم أن يقولوا: «يا فلان، هذا الصيد». لا يجوز لهم أن يدل عليه. ولا كذلك الإعانة على قتله، لو قال: «ناولوني السلاح»، ما يجوز لهم أن يعطوه السلاح، يقولون: «لا نحن محرمون، ما نعطيك». يخرج هو بنفسه ويأخذ سلاحه. ما هو الدلالة؟ يثبت قتادة في الصحيحين، لما أحرم الصحابة، وكان أبو قتادة حلالا لم يحرم، ورأوا حمرا وحشا، حمل أبو قتادة على أحدها، فعقر منها أتانا، ثم أكل وأكلوا معه، هم محرمون. فقالوا: «نحن محرمون». فأخذوا ما بقي معهم حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أحد منكم أشار إليه أو أعانه؟» قالوا: «لا». قال: «فكلوا». وهذا فيه أنه لا يجوز للمحرم أن يعين أو يدل على الصيد، وأنه يجوز للمحرم أن يأكل من صيد البر الذي لم يصد له، الذي لم يصد له. فأبو قتادة صاده لنفسه، فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلوا من هذا الصيد. إذن يجوز للمحرم أن يأكل من صيد البر، هو لا يجوز له أن يقتله وأن يصيده، لكن لو صاده إنسان حلال، يجوز له أن يأكل منه، إذا لم يصده له. ما هو الدليل على هذا القيد؟ الدليل على هذا القيد هو ما جاء في الصحيحين، أن أحد الصحابة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو محرم، هو بالأبواء، فرده النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما في وجهه، قال: «قال: إن لم نرده عليك إلا أني حرم». رده النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي قتادة أجاز لهم أن يأكلوا منه. فجمع أهل العلم بين الحديثين، بأنه رده النبي عليه الصلاة والسلام لأنه صاده له، صاده لأجله. فقالوا: حينئذ لا يأكل المحرم ما صيد له. وفي حديث أبي قتادة دل على أنه يجوز أن يأكل من صيد البر إذا لم يصد له. واضح؟ إذن يمنع إذا صيد له، ويجوز أن يأكل منه إذا لم يصد له. قال: «أعظم محظورات الإحرام الجماع، لأنه مغلظ تحريمه، مفسد للنسك، موجب لفدية بدنه». الجماع من أعظم محظورات الإحرام. استدل أهل العلم على تحريم الجماع في الحج بقول الله عز وجل: «فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج». «فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج». الرفث فسره جماهير أهل العلم بأنه الجماع ومقدمات الجماع، الجماع ومقدمات الجماع، كالتقبيل والضم إلى آخره. فالمحرم يعني يمنع من ذلك، ممنوع من ذلك حال إحرامه. إذن الجماع محرم، وهكذا أيضا مقدمات الجماع أيضا محرمة في حال الإحرام. واتفق أهل العلم على أن من جامع أهله قبل الوقوف بعرفة، فإن حجه فاسد. من أتى أهله قبل الوقوف بعرفة، فإن حجه فاسد. وأما إذا أتى أهله بعد الوقوف بعرفة، ففيه خلاف. وجمهور أهل العلم على أنه إذا أتى أهله بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل الأول، والتحلل الأول يكون متى؟ بعد رمي جمرة العقبة في اليوم العاشر. إذا أتى أهله قبل التحلل الأول، بعد الوقوف بعرفة، كانوا مثلا يبيتون بمزدلفة، فيأتي أهله. ففي هذه الحال قال جمهور أهل العلم: يفسد حجه، يفسد حجه، وعليه فدية، وهي بدنة تذبح وتوزع لفقراء الحرم، وعليه المضي في الحج، وعليه قضاء هذا الحج، يقضيه من السنة القادمة، خاصة إذا كان الحج مزال فريضة، واجب عليه، يجب عليه أن يقضي هذا الحج. واضح؟ إذا أتى أهله قبل التحلل الأول، وبعد الوقوف بعرفة، يترتب على هذا فساد النسك، فساد الحج، ويترتب عليه وجوب الفدية، وجوب الفدية، وهي بدنة تذبح وتوزع لفقراء الحرم. وكذلك أيضا عليه التوبة من الوقوع في هذا الذنب، لأنه فعل معصية، عليه أن يتوب. وهذا القول أثر عن جماعة من الصحابة، كابن عباس، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وابن عمر. وإن لم يكن فيه حديث مرفوع، لكن فيه هذه الآثار، وبه أخذ جمهور أهل العلم. هذا الآن إذا كان قبل التحلل الأول. وأما بعد التحلل الأول، بعد أن رمى جمرة العقبة، وقبل أن يتحلل التحلل الثاني الذي يكون بعد طواف الإفاضة، طبعا إذا رمى جمرة العقبة تحلل التحلل الأول، فحل له كل شيء إلا النساء. طيب في هذه الحالة، قبل أن يتحلل التحلل الثاني، أتى أهله، ما الحكم؟ قال جمهور أهل العلم هنا: حجه صحيح، لكن يفسد إحرامه، يفسد إحرامه، عليه أن يجدد الإحرام، يذهب إلى أدنى الحل، ويجدد إحرامه. إذا كان قد لبس ثيابه، ثياب المعتاد العادية، يعني ينزعها، ويلبس ثياب الإحرام، ويجدد الإحرام، حتى يطوف طواف الإفاضة، ثم يتحلل بعد ذلك. والأمر الثاني، قالوا: عليه هدي. قالوا: عليه هدي. إذن يفسد إحرامه، ويلزمه الهدي. ويلزمه الهدي. وبعض أهل العلم يقول: يعني يفسد إحرامه، ولا يلزمه هدي، إنما عليه فقط تجديد الإحرام، عليه تجديد الإحرام فقط. هذا بالنسبة للجماع. بالنسبة للجماع، أما مقدمات الجماع، إذا قبل امرأته أو ضمها أو إلى آخره من مقدمات الجماع، ولم يجامعها حتى أنزل، فما الذي عليه؟ جمهور أهل العلم على أنه يعني آثم، لأن مقدمات الجماع كذلك محرمة في أثناء الإحرام، لكن هل يفسد حجه؟ الجواب: لا، لا يفسد حجه. جمهور أهل العلم على أن حجه صحيح، وأنه ارتكب إثما. وكذلك أيضا يلزمه بالفدية، يلزمه بالفدية. وبعض أهل العلم يقول: إنما عليه إثم، وليس عليه هدي، الإلزام بالهدي في المقدمات الجماع يحتاج إلى دليل. فنقول: هو آثم، لكن بالنسبة للهدي ليس عليه شيء، لعدم ما يدل على ذلك، بخلاف الجماع. إذن يترتب على الجماع، إن قلنا إذا كان الجماع قبل الوقوف بعرفة، باتفاق أهل العلم أن حجه قد فسد. طيب من غير تفصيل. وأما إن كان بعد الوقوف بعرفة، ففيه تفصيل. إن كان قبل التحلل الأول، فيفسد كذلك حجه، ويلزمه المضي في الحج، والهدي، والتوبة من هذا الإثم. وأيضا تجديد الإحرام، يجدد إحرامه. وأما إن كان بعد التحلل الأول، وقبل التحلل الثاني، فيفسد إحرامه فقط، وأما حجه فصحيح، يفسد إحرامه، وحجه صحيح، وعليه هدي في قول جمهور أهل العلم. وأما مقدمات الجماع، فإذا فعل ذلك، وأنزل، فهو آثم في قول جمهور أهل العلم، وكذلك عليه هدي في قول الجمهور. هذا ما يتعلق بالجماع. قال: «لأنه مغلظ تحريمه، مفسد للنسك»، مفسد للنسك كما ذكرنا، على هذا التفصيل. إن كان قبل الوقوف بعرفة فباتفاق، وإن كان بعد الوقوف بعرفة، فإن كان قبل التحلل الأول فكذلك مفسد للنسك، وإن كان بعد التحلل الأول فحجه صحيح، ولا يفسد نسكه، وإنما يجدد الإحرام. موجب لفدية بدنه، هذا يفتى به الصحابة، كابن عباس رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو. وقال به جمهور أهل العلم. نقف هنا إلى هذا. وصل الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.