الدرس في آداب المساجد 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن منع الكلام المحرم ورفع الصوت في المساجد، مستندًا إلى أحاديث نبوية. يشدد على السكينة والوقار في بيوت الله.
يبين أن البيع والشراء داخل المسجد لا يجوز، بينما يجوز الأكل والشرب مع مراعاة النظافة. يفصل في مسألة النوم في المسجد.
يناقش حكم النوم في المسجد أثناء انتظار الصلاة، ويبين أنه لا يجوز لما قد يسببه من مشاكل. أما في غير أوقات الصلاة فجائز مع مراعاة الآداب.
يشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى وعلى الطاعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، ولا يزال حديثنا عن آداب المساجد، ما يتعلق بمسألة الكلام في بيوت الله جل وعلا. وأشرنا إلى بعض الصور التي ما ينبغي أن تكون في بيوت الله جل وعلا، من ذلكم الكلام المحرم، ومن ذلكم رفع الصوت، وأعظم من ذلك إذا أدى إلى التشويش بين المصلين. كذلكم من الآداب، أو من الكلام الذي ما ينبغي في بيوت الله جل وعلا، إن كان الكلام في أمر من أمور الدنيا، أو في الأوقات التي نهى عنها الشرح، كالكلام أثناء خطبة الخطيب. وأشرنا إلى ظاهرة رزية تقام في بعض المساجد، وهي من أعظم صور الضجيج في بيوت الله، ما يكون من الضرب بالطبول والدفوف في بيوت الله، والتي محلها الاطمئنان ومحلها السكينة والوقار، لكن أبى القوم إلا أن يجعلوها محلا للضوضاء والإزعاج، وهذا من السفه في عقول بعض الخلق. ومما يذكر كذلك من آداب المساجد، وهو أيضًا مما له تعلق بما مضى من رفع الصوت، ما يكون من إنشاد الضالة. فهذه من الآداب المخلة التي ما ينبغي أن يتلبس بها مسلم وهو متواجد في بيت من بيوت الله. الإنشاد بمعنى رفع الصوت، والضالة هو الشيء الضائع. فلا يجوز، يا عبد الله، أنت في المسجد أن ترفع صوتك بأمر ضاع، بأمر قد ضاع. بل قد جاء الوعيد الشديد في هذا الباب. من ذلك ما حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك». «من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك». فإن المساجد لم تبن لذلك. وقد أشرنا أن المساجد إنما بنيت لذكر الله، لإقامة الصلاة، ولتسبيحه وتكبيره واستغفاره والإنابة إليه، ما عدا ذلك لا يجوز، فهو ليس محل المفقودات ومحل الضائعات. فهذا ينادي، وذاك ينادي، هذا ليس محل. ولهذا أمر نبينا بأن يرد على الأمثال هؤلاء بقولنا: «لا رد الله عليك». وهذا الأمر قد حققه نبينا ونفذه، صلوات ربي وسلامه عليه. فقد ثبت أيضًا في مسلم، من أن رجلًا قال: «من دعا إلى الجمل الأحمر؟ من الذي وجد الجمل الأحمر؟» وهو ينادي في المسجد، فقال: «لا وجدت». دعا عليه، أنك لا تجد هذا الجمل الضائع، «لا وجدت»، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له. فهذه الأحاديث تدلك، يا عبد الله، على أنه ما ينبغي أن تنشد الضالة، وهذه الضالة بأي صورة قد تكون، حيوان ضائع، كمن عنده خروف، عنده كبش، أو تكون أشياء مادية، كمن تضيع عليه المفاتيح، تضيع عليه المحفظة. وهذا النداء والإنشاد حكمها عام، يدخل في ذلك الإمام ويدخل في ذلك المأموم. تجد بعض المساجد يأتي الإمام بالميكروفون وينادي: «من وجد المفاتيح؟ من وجد محفظة حمراء؟» لا، ما يجوز هذا، هذا إنشاد ضالة، هذا إنشاد ضالة، فما يجوز لا الإمام ولا المأموم أن يرفع صوته في بيوت الله يبحث عن شيء ضائع. والحمد لله قد تعارف الناس، وخاصة أهل المسجد، على وجود أماكن تطرح فيها الأمانات، إن كانت مبالغ مالية، إن كانت مفاتيح، إن كانت محافظ، إن كانت أكياس، توجد أماكن، أو يؤتى لصاحب الشأن، ويكون بينك وبينه لا إنشاد، يكون فيه التشويش وشغب على الناس، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. كذلك من الآداب المتعلقة بالمساجد أن نهى عن البيع والشراء في المساجد. فالمسجد مسجد، والسوق سوق، فلا يكون الخلق بينهما. السوق هو محل البيع والشراء والخسارة والربح، وأما المساجد فهي محل العبادة والتعبد لله جل وعلا. ولهذا نهى نبينا صلى الله عليه وسلم عن عقد البيعات في بيوت الله، لا يجوز. فمن ذلك ما ثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأيتموه يبيع أو يبتاع في المساجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك». «لا أربح الله تجارتك»، فإن المساجد بنيت لما بنيت له. فما يجوز، عبد الله، مثاله يتصل عليك أحد من أصحابك يقول: «أخي الجوال الجديد معي، كيف؟» يقول: «هات المسجد، سأصلي العشاء هنا في المسجد، هات الجوال معك». فيأتي بالجوال ويأخذ في زاوية من زوايا المسجد، ويقلبون البضاعة: «إيش من جوال؟ إيش من موديل؟ كم سعة الذاكرة؟ كم سعة الميموري؟ وكم آخر سعر؟» والله قال: «عشر، سبعين ألف»، «ولا خمس، سبعين». والجماعة ما شاء الله مزايدة، مناقصة، والمبلغ موجود، والبضاعة... إيش هذا؟ أين نحن؟ هذا، يا عبد الله، جعله في الخارج، في الخارج بيع وشراء داخل المسجد. اعلم أنه ممحوق البركة، لا تتصور ولا تظن -وبئس هذا الظن- أن البيع والشراء في المسجد يعطيك بركة، لا البركة ممحوقة، البركة ممحوقة. «لا أربح الله تجارتك»، «لا أربح الله تجارتك»، فلا تأتي أفهام معكوسة وآراء منكوسة تظن أن إبرام العقد في البيت من بيوت الله في بيع وشراء أنه يزيده نماء وبركة. لا، تقلب البضاعة أو تكون بضاعة، حتى في الخارج تجرب سيارة، تجربها أنت وصاحبك، فتجعلها في الخارج، ثم تأتي للصلاة، يقول: «ها كشفت السيارة طيبة، سريعة، وما أدري مريحة، لكن مكيف كم تعطيني فيها؟» والله في عشرين ألف سعودي، «أخي خلق هذا ما يجوز». الاسترسال في أمور البيع والشراء في المساجد لا يجوز. وأدخل العلماء في البيع والشراء ما يتعلق بقضية الرهن، ما يتعلق بقضية الإيجار، حتى الإيجارة: «شرايك يا أخي؟ عندي الشقة استأجرها مني»، لا، ما يجوز الاستئجار، لأن الاستئجار والإيجارة نوع من أنواع البيع والشراء. وقد مر معنى، إخواني في الله، الذم للحديث الدنيوي في بيت من بيوت الله، وخاصة في قضايا البيع والشراء. عندك بيع وشراء ينتهي مجالك إلى سور المسجد، إلى سور المسجد، وبعد ذلك تدخل وأنت مقبل على ربك، مقبل على آخرتك. فإذا انتهيت من إقبالك على الله وعلى الدار الآخرة، إن صرفت أخذ الدنيا بما حوت وبما حملك بعد ذلك، فهذا من الآداب الذي نرى فيها الإخلال عند كثير من المصلين. حتى الإعلانات تكلم عليها العلماء، يسأل جماعة من العلماء عن الإعلانات التي تلصق في المساجد. فبعض العلماء على هذا الباب قال: «إن كان الإعلان تجاري لا يجوز، إعلان تجاري لا يجوز أن يعلق أو يلصق في بيوت الله، وإنما مجاله في الخارج، مجاله في الخارج». كل ذلك احترازًا وتعظيمًا لبيوت الله أن تكون هي الدور التي تعلق الناس بربها لا بدنياها، بربها لا بدنياها. كذلك مما يذكر من آداب المساجد، وهو من باب الإيضاح والتوضيح، ما يتعلق بمسألة الأكل والشرب، هل هي تدخل فيما مضى من الممنوعات؟ الجواب: لا، من حيث الأكل والشرب بحد ذاته، لا بأس أن يفعل في بيت من بيوت الله. فقد ثبت ذلك في السنن، من حديث عبد الله بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: «كنا نأكل في المسجد على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام». فلا بأس إذا احتاج الإنسان أن يأكل في المسجد، فلا بأس له بذلك. مثل ما نراهم في أيام رمضان من إفطار الصائمين، يكونوا في المسجد، أو يكونوا مع المعتكفين في تناول السحور، هذا لا بأس به، وهذا لا بأس به. وهكذا لربما يأتي يأتي ضيوف، فاحتاجوا إلى مساحة تأويهم، فكانت مساحة المسجد تأوي، ويمكن أن يأكل منها الطالب، فلا بأس. أو في مراكز العلم، مراكز دور الحديث، الطلبة يقطنون المسجد، فهل يأكلون ويشربون؟ الجواب: نعم، يجوز هذا كله يجوز، لكن مع الحفاظ مع الحفاظ على بيوت الله من التلوث، ومن رمي القمامة، ومن جعل الفتات يبقى في المسجد فيؤذي المصلين في سجودهم في مرورهم، أو بجمع الحشرات على هذا الفتات، هذا ما ينبغي. إذا وجد الإخلال لموضوع النظافة والتنزيه لبيوت الله، فلا يمكن من الأكل والشرب. وهذا سيأتي معنا بإذن الله في درسي غد، حول ما يتعلق بمسألة التنزيه، النظافة والنزاهة لبيوت الله جل وعلا. أخيرًا، مما أختم به هذا المقام، فيما يتعلق بآداب المساجد، مسألة النوم في المسجد، ما حكم النوم في المسجد؟ المسألة فيها تفصيل، يجوز ولا يجوز النوم في المسجد، يجوز ولا يجوز. متى يجوز؟ ومتى لا يجوز؟ لا يجوز إذا كان في أوقات الصلاة، ويجوز في غير أوقات الصلاة. مثاله: لا يجوز النوم في المسجد إذا كنت، يا عبد الله، في وقت الصلاة، أنت الآن مقبل على أداء صلاة الظهر، ستصلي العصر، ستصلي العشاء، ستصلي الفجر، فأنا ربما أنت تأتي وأنت مليء بالنعاس، فهل تسول لنفسك أنك إن جئت مبكرًا للمسجد أن تنام؟ لا، لا تنام، أنت مقبل على صلاة، كيف تنام هنا؟ النوم لا يجوز، وأتمك من النوم، لأن نومك الآن في هذا سيكون عرضة لنقض الوضوء، كما قال عليه الصلاة: «من نام فليتوضأ». «من نام فليتوضأ»، لأن النوم على القول الصحيح ناقض من نواقض، أو مظنة من مظن الحدث. أو يكون هذا النوم، يا عبد الله، سببًا لانكشاف عورتك، وهنا يوجد مصلون، وهنا مصلون، فتنكشف عورتك وأنت نائم، وأنت مقبل على الصلاة. ناهيك عن أنك لو صليت وأنت بهذا النوم الثقيل، لو ربما ما تشعر ما الذي تقرأه في صلاتك، أو الذي يقرأه لك الإمام، ما تستطيع، لا تستحضر، لا خشوع ولا خضوع. ولهذا من أتى إلى المسجد وهو يريد أن يصلي، لا يمكن للنوم، حتى الهيئات، قال العلماء: حتى الهيئة التي توذي وتعلم أنها في الأخير ستأتي لك بالنوم، لا تفعل هذه الهيئة. ومن هنا جاءت الأحاديث القاضية بالنهي عن الاحتباء. ذهب جماعة من العلماء قالوا: لأن الاحتباء هيئة هي مظنة للنوم، مظنة للنوم. وعلى هذا فقس. فمن علم مثلًا أنه إن أتى للصلاة لصلاة الظهر، لصلاة العصر، لصلاة العشاء، لصلاة الفجر، لصلاة الجمعة، وعلم أنه إن جلس محتبيًا ينام، لا تحتبِ. أو علم أنه إن جلس إلى هذه السارية واتكأ عليها جاءه النوم، لا تتكئ على هذه السارية. أو علم أنه إن كان تحت مروحة أو أمام مكيف سيأتيه النوم، لا تجلس في هذه الأماكن أبدًا، لا تجلس، يا عبد الله. ولهذا ثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نعس أحدكم في المسجد، فليتحول من مكانه». «فليتحول من مكانه». قال علماء: وما هو السبب في التحويل من مكان لمكان؟ قال علماء: هذا يعود لأمرين اثنين، احتمال لأمرين اثنين. الأمر الأول: أن الحركة تجدد النشاط، لما تقوم من هنا وتمشي إلى مكان آخر، حينها ستتصحصح، يذهب عنك الخمول والكسل والنعاس، ويتحرك الدورة الدموية مع الحركة، تجد أنك أتاك شيء من النشاط، هذا وجه. والوجه الثاني: أن هذا المكان فيه غفلة، هذا المكان فيه غفلة، ما يناسبك. وقع على رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان في سفر مع أصحابه، فإذا بهم غفلوا عن صلاة الفجر، عن وقتها، وما شعروا إلا بطلوع الشمس فوق رؤوسهم، وما صلوا الفجر. فقبل أن يصلوا أمرهم نبيهم أن يتحولوا من هذا الوادي، يتحولوا من هذا الوادي، لماذا؟ قال: «إن هذا الوادي فيه شيطان، إن هذا الوادي فيه شيطان». فأحيانًا المكان الذي تجلس فيه غفلة شديدة، ابتعد من هذا المكان. ولهذا كان من السنة أنك إذا كنت في أوقات الصلاة، وزاحمك النعاس وبدأ يتغلب عليك النوم، ابتعد، يا عبد الله، عن هذا المكان، وتحول إلى غيره، لما ذكرنا من العلتين، إلى الاثنتين. هذا ما يتعلق أن حكم النوم لمن كان في أوقات الصلاة، لا يجوز، ولا يمكن لنفسه، ولا يتخذ الأسباب الداعية له. أما إن كان النوم في غير أوقات الصلاة، فهي جائزة، جائزة. مثل رجل صلى الفجر وأراد أن يستلقي في المسجد، فيه شيء؟ ما فيه شيء، ينام. أو رجل بعد ما صلى الظهر أراد أن يستلقي في المسجد، هل في ذلك شيء؟ لا شيء في ذلك. أو جاءوا ناس من بعد ضيوف أتوا إلى المسجد بعد صلاة العشاء، وأرادوا أن يناموا في المسجد، هل في ذلك شيء؟ هذا ليس فيه شيء، فقد كان أهل الصفة، وهم من فقراء المهاجرين الذين لا مسكن لهم ولا مأوى، كانوا ينامون في المسجد. بل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قبل أن يتزوج كان ينام في المسجد. وهذا نبينا سأل عن علي: «يا فاطمة، أين علي؟» قال: «هو نائم في المسجد». فكان الصحابة ينامون في المساجد في المساجد، طبعًا هذا بشروط، بشروط. أن يكون هذا النوم بالتحرز أن لا تنكشف به العورة، أن لا يقع فيه تلوث لبيت من بيوت الله. طبعًا هذه الآداب لا بد أن تكون في الحسبان، لكن كحكم المسألة العام، حكم النوم في المساجد يجوز إذا كان في غير أوقات الصلاة، أما في أوقات الصلاة فكما سمعتم أن هذا لا يجوز. هذا من الآداب، إخواني في الله، الذي تذكر في هذا المقام، مما لا تعلق بآداب بيوت الله. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.