الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 1

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 1

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية السيرة النبوية ومكانتها

المحور يبدأ بتمهيد عن قراءة أرجوزة ابن أبي العز الحنفي في السيرة النبوية، ويؤكد على أهمية علم السيرة وضرورة فهمه بشكل صحيح. يشير إلى أن السيرة النبوية منهج حياة ونبراس للأمة المحمدية.

اهتمام السلف الصالح بدراسة السيرة النبوية وتدوينها

كان السلف الصالح يهتمون بالسيرة النبوية اهتمامًا بالغًا ويعلمونها لأبنائهم، وقد دونوا وألفوا فيها كتبًا كثيرة منذ عهد مبكر. هذا الاهتمام يبرز مكانة السيرة النبوية في الإسلام.

التأكيد على أهمية دراسة السيرة النبوية والتحذير من إهمالها

يؤكد على أهمية دراسة السيرة النبوية ويعتبر إهمالها جفاء برسول الله، ويشير إلى أن قراءة سيرة النبي تؤجر عليها وتفتح نواحٍ عدة من الفهم والعلوم. دراسة السيرة النبوية علم شرعي يؤجر عليه المسلم.

ختام وتأكيد على عظمة شأن السيرة النبوية

هذا المحور الأخير يبرز أهمية السيرة النبوية ويبين أن شأنها أعظم مما يعتقده الكثير من الناس، ويشير إلى أن هذا التوضيح يأتي تمهيدًا لمنظومة سيتم شرحها. يختم بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فكما قرر وذكر إخواني في الله، فإننا مثل هذه الأوقات بإذن الله، بعد صلاة العصر، وتحديدًا في يوم السبت والأحد والإثنين، سنقرأ ونتدارس وإياكم هذه الأرجوزة، وهي عبارة عن منظومة سهلة الأبيات، سلسة ألفها الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى، وقد أسماها بالأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية صلى الله عليه وسلم. وهذه الأرجوزة مكونة من مئة بيت، حرص فيها المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر أهم الأحداث التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي منظومة متعلقة بالسيرة النبوية، خصها المؤلف رحمه الله تعالى عما يتعلق برسول الله، إما ما يتعلق بشخصه الكريم في ذكر حياته ونشأته وفضله ونسبه وأزواجه وأبنائه، أو ما يتعلق بدعوته وبعثته وبجهاده، وما كان في تعامله عليه الصلاة والسلام. وقبل الخوض، إخواني في الله، في شرح هذه المنظومة، وفي شرح هذه الأرجوزة، نذكر أهم المباحث، والتي هي كمقدمة لهذا الفن، فن السيرة، مما لا ينبغي جهله، وهي من الأهمية بمكان أن تطرق في مثل هذا المقام. من ذلكم، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر السيرة النبوية، أن نتعلم ونتعرف على أهمية هذا الفن، إذ أننا للأسف نجد أن الكثير من الناس تعامل مع السيرة النبوية بمعاملة لا تليق بحجمها ولا بقدرها، إذ أننا مثلًا نجد من بعض الناس من يعتبر السيرة النبوية هي من ملح العلم، فأجده يتهاون مثلًا في تدريسها، في دراستها، في مراجعتها، في قراءتها، في التأمل فيها. بل لا أقول هذا في عوام الناس، بل حتى ممن ينتسب للعلم من طلبته وحملته، من لربما يجهل الشيء الكثير عن سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنه نشأ تحت هذه المظلة بأن السيرة من ملح العلم. وطائفة من الناس من تجعل السيرة إنما هي وضعت للتسلية والترفيه، يقول هذا هو حد السيرة: تسلية، ترفيه، إذا أردنا أن نقضي الأوقات نقضيها بقراءة في سيرته عليه الصلاة والسلام، حتى أن منهم من جعلها قصصًا تتلى للأطفال قبل المنام، باعتبارها جعلت للتسلية والمراح والترفيه. وطائفة من الناس من جعل السيرة هي عبارة عن تراث قديم، تراث قديم، متى ما أحببنا أن نحن للماضي جددنا هذه الذكريات، وذلك بقراءة ما كان على عهد نبينا من الأحداث والحوادث، فهي تراث ماضي لا غير. وطائفة من الناس كذلك يرى أن السيرة النبوية إنما تجعل وتذكر في المناسبات فقط، التماسًا لبركتها، مجمع من الرجال احتفال ديني كما يسمى ويقال، فيستهل هذا المجمع بقراءة شيء من سيرته العطرة، لما في هذه القراءة من بركة، نلتمس البركة من قراءة سيرته عليه الصلاة والسلام. وكل ذلك، إخواني في الله، خروج عن الفهم الصحيح الذي من أجله جاءت السيرة النبوية، السيرة النبوية، إخواني في الله، هي في الحقيقة منهج حياة، هو نبراس لهذه الأمة المحمدية، السيرة النبوية لها أهمية عظيمة في ديننا وفي حياتنا. مما يدلك يا عبد الله على أهمية السيرة ما كان عليه حال سلفنا الصالح في اهتمامهم الاهتمام البالغ في قراءتها وفي تدريسها وفي تدوينها، يقول إمام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن هذا الفن: «هذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له». وقال علي بن الحسين: «كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السور من القرآن»، كما في الكتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، هكذا كان حال سلفنا الصالح، لأحد منا يجهل كيف الاهتمام البالغ بأولادنا وأطفالنا في تعليمهم سور القرآن، فكذلك كان سلفنا الصالح يهتمون بالناشئة بتعليمهم السيرة النبوية. قال: «كنا نعلم مغازي رسول الله كما نعلم السور من القرآن»، وقال محمد بن عبد الله: «سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا»، ويقول إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: «كان أبي يعلمون المغازي، ويقول: هذه مآثر آباءكم، لا تضيعوا ذكرها». والنقولات كثيرة جدًا تدل على أن السلف الصالح ما اعتبر هذا الفن كما نعتبره نحن في هذه الأوقات وهذه الأزمان أنه من ملح العلم أو من الهوامش، لا بل كانوا يعتنون به، ومن شدة اعتنائهم أيضًا بهذا الفن أنهم اشتغلوا، بل من العلم تخصص بتأليف الكتب الخاصة بالسير والتاريخ. وقد كانت هناك سلسلة قديمة في ذكر أهم الكتب التي أُلفت، ومن هم الذين قد اشتغلوا بالكتابة في المغازي، وكانت أمم كثيرة من العلماء انبروا لهذا الجانب، وقضوا الكثير من أعمارهم في التأليف والتدوين في مغازي وأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام. حتى ذكر العلماء أن قراءة السيرة والتدريس فيها كان في أيام الصحابة، وأما ما يتعلق بتدوين السيرة، وجد التدوين والكتابة في عهد مبكر جدًا، حتى أن ذكر أن من أول من ألف ودون في السيرة في أيام أبناء الصحابة، كما أثر هذا عن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ورحمه الله، ابن الخليفة الراشد، فقد قام أبان كما ذكر العلماء أنه أول من ألف في السيرة النبوية، وكانت وفاته في عام مئة وخمس للهجرة. وقد أخذ أبان عن كثير من الصحابة، وعنه أخذ كثير من التابعين، وهكذا مما يلقى من الصدر الأول ممن ألف في السيرة عروة بن الزبير، من العوام، وله مغازي مشهورة، وقد طبعت في هذه الأزمان باسم سيرة أو مغازي عروة. وهكذا الكثير من السلف، ومن التابعين، ومن أبناء أتباع التابعين، من تفرغ في تأليف السيرة، كل ذلك من باب العناية بهذا الباب، بل حتى وجد من علمائنا، إخواني في الله، وهذه إشارة مهمة جدًا على العناية بأمر السيرة النبوية، أن من أهل العلم من كتب شيئًا في السيرة، وجعله في خضم كتب العقيدة والتوحيد، دلالة على أن العقيدة والتوحيد كما أنها ينبغي أن تؤخذ، وأن من الفروض الذي ينبغي أن تعلم، كذلك شيئًا من سيرته، شيئًا من هديه. كما فعل ذلك الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في الأصول الثلاثة، إذ أنه ذكر شيئًا نبذة عن سيرته، وعن عمره، وعن دعوته، وعن هجرته عليه الصلاة والسلام، جعلها في أثناء كلام على مسائل التوحيد والعقيدة، لبيان على أن من سيرته ما ينبغي أن نعتني به جميعًا. كل ذلك، إخواني، إلى إشارة إلى بيان ضرورة الاهتمام بالسيرة النبوية، ومما يؤكد هذا الجانب أيضًا، إخواني في الله، ما ذكروا جماعة من العلماء على أنه من الجفاء برسول الله عليه الصلاة والسلام أنك تعرض عن سيرته، تنأى بنفسك عن قراءة سيرته، عن معرفة حياته عليه الصلاة والسلام. كيف عاش، كيف نشأ، كيف تربى، كيف نمى، تتجاهل يا عبد الله عن حياته الاجتماعية، من أزواجه، من أولاده، تجهل يا عبد الله كيف كانت دعوته في السرية والجهرية، كيف تعامل مع القريب والبعيد، مع العدو مع الصديق، كل هذا أنت تجهله، وأنت من أبناء هذه الأمة المحمدية، وتدعي أنك من أتباع رسول الله. مع أن هذا للأسف أقولها بصراحة، الذي أصبح رأسه فارغًا عن كثير من سيرة رسول الله، أنه لربما قد ملئ رأسه بسيرة الكثير من الأدباء، ومن الرؤساء، ومن الوجهاء، لو ربما أن سئل عن رجل شخصية بارزة في المجتمع، لو ربما سارد لك هذا: عاش ويد في عام كذا، وعاش في بلاد كذا، وسافر إلى بلاد كذا، وكتب وألف ودون، وارتقى في المناصب، وحصل على كذا، وله مآثر، وله فضائل، وله اختراعات، وله مجالات، وله كتب. سبحان الله، قد أوقف، حدثني عن رسول الله، لو ربما تلعثم، هذا جفاء يا عبد الله، أنك تجعل همتك وتجعل ذاكرتك قد شحنت بأمثال هؤلاء من البشر، ولا تأخذ شيئًا من سيرته، أو تحفظها يا عبد الله، أو تشير بها، أو تدندن حولها، هذا من الجفاء العظيم. كذلك يا عبد الله، مما يدلك على ضرورة العناية بسيرته عليه الصلاة والسلام، أن من المسائل العلمية الشرعية، فهو علم شرعي تؤجر على قراءته، هذا لا تجده يا عبد الله في سيرة أحد، لربما تتصفح الكتب التي ألفت في ذكر العباقرة في هذا العصر، أو في ذكر تراجم المغنين، الممثلين، اللاعبين، في ذكر بعض الرؤساء، في ذكر بعض الوجهاء، لربما تقرأ قراءة هذًا كهذ، لا لك ولا عليك، بل ربما عليك الوزر. لكن عندما تقرأ في سيرة عليه الصلاة والسلام، فمنذ أن تقرأ وأنت في خضم القراءة، وما يتبع القراءة تؤجر عليه، قراءة في سيرته، أجر ما يكون من تمعنك في سيرته، أجر ما يكون من تأثرك من تأثير من حياته، ومن مآسيه، وما وقع فيه من مدلهمات وأزمات عليه وعلى صحبه الكرام، تؤجر على هذا، ما يكون من حفظك لبعض المعلومات عن سيرته، تؤجر على هذا. فأنت يا عبد الله أمام كنز عظيم يا للأجور، يحرص الشيطان على أننا نبتعد عن سيرته عليه الصلاة والسلام. أخيرًا، إخواني في الله، مما يدل على أهمية السيرة ما كان فيها من الفضائل العظيمة، كما قال إمام الزهري: «في علم السيرة، في علم المغازي، علم الآخرة والدنيا»، علوم تستفيد الشيء الكثير من سيرة عليه الصلاة والسلام، تستفيد من ناحية تاريخية، من الناحية المنهجية، من الناحية الدعوية، من الناحية الأخلاقية، من النواحي السياسية، نواح عدة تتفتح عليك علوم وفهم ومسائل وفوائد، ما تجد إلا من خلال القراءة في سيرته. ولهذا، إخواني في الله، لعلنا في درس غد بإذن الله نستطرد وإياكم في ذكر أهم ما يمكن أن نستفيده من خلال اطلاعنا وقراءتنا لسيرته عليه الصلاة والسلام. فهذا، إخواني في الله، المبحث الأول من المباحث التي نستفتح بها ما يتعلق بهذا الفن العظيم، في بيان أهمية السيرة النبوية، وأن شأنها أعظم مما يعتقده الكثير من الناس، وكل ذلك تمهيدًا لهذه المنظومة التي نسأل الله عز وجل أن يسر لنا القراءة فيها، وفي فك معانيها، وبشرح بعض مسائلها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.