الدرس في آداب المساجد 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن المخالفات التي تقع في المساجد مثل البيع والشراء وإنشاد الضالة والتسول. يُشدد على ضرورة تنزيه المساجد من هذه المخالفات والمحرمات.
يتناول هذا الفصل مخالفات المصلين مثل التعامل مع الجوال أثناء الصلاة وإحضار الروائح الكريهة والصلاة بين السواري. يُوضح الأحكام الشرعية ويقدم نصائح لتجنب هذه المخالفات.
يُركز هذا الفصل على مخالفات مثل التصوير داخل المسجد وعدم الحفاظ على نظافته وترتيب الكراسي والمصاحف. يُشدد على أهمية تجنب هذه المخالفات للحفاظ على قدسية المساجد.
يختتم هذا الفصل بالدعاء للتوفيق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبراً عن الرغبة في النجاح والتوفيق في القول والفعل.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذا المبحث، وهو المبحث الأخير في ذكر آداب المساجد، ونحن بصدد ذكر المخالفات التي ينبغي أن تفعل في بيوت الله جل في علاه. وكان البدء بأعظم المخالفات، وما كان من مظاهر الشرك والوثنية التي ينبغي ويجب أن تنزه عنها بيوت الله جل في علاه، إذ أن المساجد معلمًا تعتبر معلمًا من معالم التوحيد. ثم كان العروج على المخالفة الثانية، وهي ما كانت من جنس البدع والمحدثات والضلالات، وأن ينبغي أن تكون المساجد منارًا للسنة، فالمساجد تعتبر معلمًا من معالم السنة. وأوضحنا في درس أمس ما يتعلق ببعض المظاهر البدعية التي ينبغي أن تنزه وتطهر بها بيوت الله جل وعلا. كذلك من المخالفات، وهو ما يتعلق بدرس اليوم بإذن الله، أن المساجد ينبغي أن تنزه من المخالفات التي هي من جنس الآثام، ومن جنس الذنوب والمعاصي والمحرمات والمكروهات. فينبغي أن تبقى المساجد معلمًا من معالم العبادة والتدين لله سبحانه وتعالى، فهي محل استقطاب للعابدين والتائبين. وكم كانت المساجد تشغل حيزًا عظيمًا في مجتمعات المسلمين في مسألة الصفاء والنقاء والراحة والاطمئنان والتبري من كل دنس. فلا يعقل أن تجعل المساجد محلاً للدنس بمعنى الدنس المعنوي بفعل المعاصي والمخالفات. وقد مر معنا في دروس ماضية، عندما تحدثنا عن آداب المساجد، ذكرنا بعض المخالفات. وفي هذا المقام سنعرج على ذكرها سردًا من باب التذكير، ومن باب بيان أن هذه المخالفات لا يجوز أن تكون في بيوت الله. فمما مر معنا ما يتعلق بمسألة النهي عن البيع والشراء، فلا يجوز ويحرم أن تعقد الاتفاقيات أو الصفقات من بيع وشراء، سواء كانت السلعة موجودة أو كانت السلعة غائبة. لا يجوز أن يبرم عقد في المسجد، فإن هذا مما نهي عنه. كذلك من المخالفات ما مر معنا من النهي عن إنشاد الضالة، وأوضحنا ما المقصود بإنشاد الضالة، بمعنى إنشاد الضائع من الأغراض والأشياء. لا يجوز أن ينشد بأن يرفع الصوت بالبحث والنداء عنها. ومما يذكر من النهي عن إنشاد الضالة، وألحقه الفقهاء في هذا الباب، ما يتعلق بقضية التسول، وهي ظاهرة منكرة فشت وطمت وعمت في بيوت الله سبحانه وتعالى. فظاهرة التسول، وهو أن يقوم قائم في المساجد ويسأل ويلح على الناس بالمسألة، هذا لا يجوز لعموم النهي عن المسألة، وحاصة في بيوت الله سبحانه وتعالى. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد سئل عن ظاهرة التسول في المساجد، قال: الأصل في سؤال الناس أنه محرم في المسجد وخارج المسجد، إلا لضرورة. قال: فإذا كانت ضرورة، هناك نعم ضرورة ملحة وحاجة ماسة في أنك تسأل الناس. ثم ذكر شروطًا وضوابط وقيودًا في حق من يمكن ومن يجوز له أن يسأل في المساجد وفي خارج المساجد. فقال: إن كانت ضرورة، وسأل في المسجد، ولم يؤذ أحدًا كتخطي الرقاب، ولم يكذب فيما يرويه، ولم يجهر جهرًا يضر بالمصلين، قال: جاز حينها. فالشرط الأول: ضرورة. الشرط الثاني: أن يكون ذلك من غير أذية. الثالث: بعدم الكذب. الرابع: عدم الجهر جهرًا يضر بالمصلين. فإذا توفرت هذه الشروط الأربع، قال: جائز أن تسأل. كذلك من المخالفات التي تقع في المساجد، ما يقع من الصوت من رفع الصوت، وقد مر ذلك معنا في درس مستقل حول قضية رفع الأصوات في المساجد أو الكلام في المساجد. وقد أطلنا النفس في هذه الظاهرة. لكن مما يذكر من مسألة رفع الصوت في المساجد، نبين ونشير إلى ظاهرة أخرى تدخل في هذا الفصل، قضية ما يتعلق بالجوالات، فهي كذلك أذية، وهذه مخالفة. مخالفة قضية الرنين، رنين الجوالات في المساجد. ووجه المخالفة تكمن في صورتين اثنتين. الصورة الأولى: أن أحدًا من الناس يدخل المسجد، ثم يجعل الجوال على ما يسمى بالنمط العام، أي يرفع صوت الرنين إذا اتصل عليه أحد، يرتفع الصوت. ولهذا كم نبتلى في بعض المساجد، تصلي تسمع رنين هنا ورنين هنا ورنين هنا، لكثرة مشاغل الناس والاتصالات. تسمع الرنين يرج في أنحاء المسجد، بل صاحبنا لربما يستأنس بهذا الصوت، يترك صوت الرنين إلى أن ينتهي. هذه أذية، وهذا من رفع الصوت المنهي عنه. قد مر معنى أن النهي عن رفع الصوت حتى لا يؤذي بعضنا بعضًا، إذا كان النهي في القرآن لا يجوز رفع الصوت بالقرآن لكي تشوش على غيرك، فما ظنك برنين الجوال؟ وإله الحمد، ما من جوال الآن إلا وله خاصية في أنك بلمسه تجعله على الصامت، تجعله على الهزاز. وألا ميسور، الحمد لله. أو صحيح، بعض الناس يعتريه النسيان، يمكن. لكن إن علم في صلاته، يحاول أن يستدرك هذا بأن يغلق الجوال أو يجعله على نمط الهزاز. فالصورة الأولى: الظاهرة الخطيرة أن يكون هذا الرنين موسيقى، أن يكون هذا الرنين موسيقى، وهذا أعظم وأشد. أغنية أو صوت قبيح، أغنية كلاسيكية أو صوت ما يجوز في بيوت الله جل وعلا. وكم والله تأذين من هذا، أنت تكون أنت خاشعًا خاضعًا مقبلاً بقلبك على صلاة الإمام، يقرأ بكتاب الله جل وعلا، وإذ بهذه الأغنية أين ترج داخل المسجد؟ صوت نشاز، صوت نشاز. وكما قلنا: بل بعضهم ربما يتركه. طيب أخي، أقفل جوالك. إما بعضهم يترك الجوال على هذه الأغنية، إما لجهله، حيث بعضهم يرى أن الحركة ما تجد، لا تفعل. اشتغل يا عبد الله، أخرج الجوال، ما في شيء. ما في شيء إذا جاء هذا الصوت القبيح من صوت الأرنين وأغنية فاحشة وأغنية كلاسيكية أو حتى صوت الرنين بشكل عام، وأنت في الصلاة، خذها رخصة، خذ الجوال، ارفعه. أنا أصلي، وأنت تصلي، خذ الجوال وافتح التطبيق العام، افتح كلمة السر، اشتغل، ما في شيء. وأغلق الجوال، وأرجع، افعل هذا، افعل هذا. ولا أنك تضيع صلاة المصلين، لأن هنا الحركة لمصلحة الصلاة، بل ليس لمصلحة صلاتك، بل لمصلحة صلاة من في المسجد جميعًا. فلا تشوش على خلق الله، لا تشوش على خلق الله. وهنا مسألة لربما فقهية، لكن أذكرها من باب الاستطراد. بعض الناس لربما يجعل الجوال في الأسفل في الأرض، وهو يصلي، فيأتي الرنين، يأتي الرنين، وهو على صوت مرتفع. ماذا يفعل؟ هل يوطيء؟ لا، انتبه، لا يجوز هذا. نرى من بعض المصلين يفعل هذا، أنه ينزل بحجة أن يريد أن يرفع الجوال، لا. انت الآن في حال قيام، ما يجوز. بل صرح جماعة من العلماء أن الصلاة تبطل، لأنك أدخلت هيئة، وهو أنك ركعت قبل ركوع الإمام، أو سجدت، أو وطأت قبل أن يسجد الإمام، ما يجوز. طب، ما هو الحل؟ الحل يا عبد الله، إما أنك بقدمك تحاول، تحاول بأصابع القدمين تمسك الجوال هكذا، أو أنك تفعل أي شيء، أو أنك ترميه، تدوسه، افعل أي شيء. لكن لا تأتي بهيئة جديدة في هيئة الصلاة، بحجة أنك تريد أن تغلق الجوال. هذه ما سننبع عليها، لأننا نرى من بعض المصلين من يغفل عنها، من يوطيء في أثناء الصلاة، بحجة أن يأخذ الجوال. والسلامة يا عبد الله، كما قلنا: السلامة ما دخلت المسجد، اجعله على الصامت أو الهزاز، فإن هذا أسلم وأولى. كذلك من المخالفات المتعلقة في المساجد، والذي ينبغي أن تنزه، ما يتعلق بالروائح الكريهة. ويدخل في ذلك السجارة، والبصل، والثوم، أي رائحة أنت قد ابتليت بها، وتخشى أنك بحضورك للمسجد تؤذي المصلين، فلا تأتي المسجد. فلا تأتي المسجد، اذهب إلى بيتك، واقتسل. فإن أدركت الصلاة فذاك، وإلا صل في بيتك. أما أنك تأتي بالرائحة الكريهة إلى بيوت الله، فإن هذا مما يؤذي خلق الله، ومن ثم يؤذي الملائكة، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم. فالملائكة تتأذى مما تتأذى منه ابن آدم. كذلك من المخالفات التي ينبغي أن لا تفعل، الإتيان إلى المساجد بالسعي والركض والجريء، وقد مر ذلك معنا في الدروس الأولى. كذلك من المخالفات في المساجد، الصلاة بين السواري، وقد جاء النهي الصريح عن ذلك. ما جاء من حديث معاوية بن قرة عن أبيه، قال: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالصلاة بين السواري لا تجوز، طبعًا هذا إذا كان هناك متسع. لكن إذا كان المسجد ضيق، نعم توجد هناك مساجد ضيقة. فهل يمكن أن نصلي بين السواري؟ نعم يجوز. ومنها: العلم من ذكر الإجماع على جواز ذلك، فلا كراهة إن كان المسجد ضيقًا. فلا بأس أن تصلي بين السواري، لأن يصلي المصلي بين السواري خير من يصلي في الخارج في العراء. لكن إذا كان المسجد مثل هذا المسجد، ولله الحمد، كبير جدًا، هل في حاجة أن نصلي بين السواري؟ لا، لا حاجة أن نصلي بين السواري. فالصلاة بين السواري من المخالفات التي تقع عند المصلين في بعض المساجد. كذلك من مخالفات المصلي الذي ينبغي أن نشتمها في بيوت الله بشكل عام، ما يتعلق بقطع الصلاة على المصلي، وذلك بأن تمر بينه وبين سترته. فهذه أذية للمصلين، أذية للمصلين. وقد جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، أي من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه. وهذه الظاهرة أحيانًا تكون متى؟ عند خروج الناس، لأن الدخول سهل، لأن الدخول سهل، تدخل الناس، يدخلون آحادًا وفرادى. لكن الخروج يكون خروجًا باستعجال وبكثرة. فأحيانًا يخرجون من هذا الباب أو من ذاك الباب، فلا ينتبهون لصلاة المصلي، فيقطعون عليه الصلاة. ومن من يتساهل في هذا الباب، لا يجوز التساهل، هذا من يجوز؟ هذا إثمه عظيم، بل عدّه العلماء كبيرًا من كبائر الذنوب. وبالمقابل، المتنفل إذا أراد أن يتنفل، يحرص على أنه لا يتنفل في مكان يعلم أنه بعد الصلاة سيكون عليه ازدحام، ابتعد من هذا المكان. يعني يعلم بعض الناس، بعض المصلين، على أن الناس سيخرجون من هذا الباب، فهو يأتي عند هذا الباب، ويتنفل. طيب، تجعل الأفواج قيامًا ينتظرون أن تتهيء من صلاتك؟ لا، تجعل الناس في حرج. صلي في أي مكان ياخي، ابتعد عن الباب، ودع الناس يمرون. فلا إفراط ولا تفريط. فكما أن الناس لا يقطعون صلاة المصلي، فكذلك المصلي لا يضيق على خلق الله. فما ضيق الله عليك في بيوت الله، صلي في أي مكان، واتعد عن مدخل ومخرج الناس. كذلك مما يتعلق من المخالفات، ما يتعلق بقضية التصوير، وهي ظاهرة حديثة، فشت وطمت وعمت في بيوت الله. التصوير العبثي، التصوير العبثي الفوضوي، الذي ما يقصد منه إلا الترفيه، وما يراد منه إلا الذكرى، كحد زعم بعضهم. كما نلاحظ ذلك في أيام العقود، العقد الذي يبرم في المساجد، عقود الزواج مثلاً. فتجد أن بعض الناس يبقى واحد، ويأتي بصورة، ويصور، إما تصويرًا فوتوغرافيًا أو تصوير فيديو، يصور هذه المشاهد ذكرى في بيوت الله. يا عبد الله، وأدهى من ذلك، بعدما ينتهي، يؤت بالعريس، وبأهله، وأعمامه، ويبقوا في زاوية، ويصور، أو بعضهم سلفي. ما هذا؟ أين نحن يا عبد الله؟ في حديقة؟ في منتزه؟ أنت في بيت من بيوت الله. ومن يعظم شعائر الله، فإنها من تقوى القلوب. بيوت الله ما جعلت منتزهًا. أنت تصور سلفي، أنت وصاحبك، أو أنت والعريس، أو العم والأب والأخ في زاوية في المسجد، أو عند القبلة. وتحت ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وتصوره؟ ما يصح يا عبد الله، هذا عبث. فهذه من المخالفات والمحرمات. فاجعل هذا يا عبد الله لا يكون أصلاً. وإن كان بعده، أخرج هذه المخالفة خارج بيوت الله سبحانه وتعالى. كذلك المخالفات، إخواني في الله: التهاون في الحفاظ على نظافة المسجد، وقد مر ذلك معنا في دروس خلت. وذكرنا في مسألة على حدة، موضوع النظافة، والتطيب، والتطهير، وإبعاد الأذى عن المساجد، هذا مطلب شرعي. وقد بيّن النبينا على أن من الخطيئات، الأذى يوضع في المسجد، ولا يرفع، هذا من الأذية. وأشرنا إلى أخطاء بعض المصلين، من يأتي بشعر، يجعله في المسجد، ضفيرة، يرمي به في المسجد. ورقة يطرح في خلف سارية، هذا كلها خطيئة، كل ذلك خطيئة. ومما يلحق بمسألة العناية بالنظافة، العناية بالترتيب، العناية بالترتيب، كذلك لا يقل أهمية عن النظافة. كيف الترتيب؟ تجد مثل هذا المسجد، مثاله هنا، كراسي، وهنا مصاحف، وهنا... وهنا... فأنت سبحان الله، لربما بعد خروج الناس، تحتاج إلى أن تأتي بالكرسي، فتقرأ، أخذه يا عبد الله، وانتفع به، لكن ارجعوا إلى محله. يرجع المسجد الكرسي إلى محله. أخذت مثل هذا المسند، مسند المصحف، وتقرأ هنا، فجئت إقرأ. لكن إذا انتهيت، ارجع هذا إلى محله. أما أنك يبقى المسجد بعد خروج الناس، المسجد مبعثر، الكراسي هنا، وكرسي هنا، وكرسي هنا... وهنا مسند، وهنا اللوح هاش، العبث، هذا من يتحمل هذا؟ هذا بيت الله عز وجل. ما عندنا هناك خدم يخدمونك. أنت الذي قمت بأمر، يد أن تنتفع به، فإذا انتفعت، ارجع الأمر إلى محله. أخذت الكرسي، انتهيت من أمرك، ارجعه إلى محله. احرص يا عبد الله على الترتيب. أو ذاك الذي يأتي بالكرتون، أو ذاك الذي يأتي باللوح، أو ذاك الذي... كل يغير على ما يريد، ثم يترك الأمر على حالته. مما يجعل المسجد على هيئة غير مرضية. لا يا عبد الله، كن خير عون في الحفاظ على النظافة، وعلى الترتيب، والتهذيب لبيوت الله جل وعلا. كذلكم أخيرًا، إخواني في الله، مما يذكر من مخالفات الناس في المساجد، موضوع الحجر أو الحجز، حجز الأماكن في المسجد. وهذه مسألة لو تستذكرون، قد تطرقنا إليها عندما تحدثنا حول قضية آداب الجلوس، وآداب المجالس. أشرنا في تلكم الدروس عن قضية الحجز في المساجد. الحجز، صورة أنك تحجز مكانًا في المسجد. وقضية الحجز في المسجد ما يجوز. وقد أشار العلماء إلى تحريمها، وإلى جرمها. وصورتها: أنك تأتي يا عبد الله، وتحجز لك بقعة، ثم تذهب، وتأتي بعد ساعتين، ثم تريد هذا المحل الذي قمت أنت بحجزه. كما يفعله بعض الناس في الجمعة مثلاً، يحجز مكانًا، ثم يذهب، ثم يرجع. وهذا لا يجوز، وخاص إذا كان هذا الحجز يا عبد الله على ما نرى من كثير من الناس، بذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الاتفاق على عدم جواز هذا. وهذا متى؟ إذا كان الحجز لمدة طويلة. كما مثل: تجد بعض الناس يصل الفجر يوم الجمعة، يصل الفجر، ثم الساعة مع الشروق، سابعة صباحًا، قبل أن ينصرف، يأتي بالعمامة، يطرح في الصف الأول، ويستودعها الله، فاستودعك الله، ثم يذهب، وين يذهب؟ يذهب إلى بيته، ينام إلى الساعة التاسعة. ثم يستيقظ، ثم يتناول الفطور، ثم يغتسل، ثم يتمشط، ثم يدهن، ثم يأتي في الساعة العاشرة، أين؟ إلى هذه العمامة، يرفعها، ويجلس. هذا لا يجوز، هذا محرم. أو رجل يعلم أن هناك محاضرة لشيخ كبير بعد صلاة المغرب، ويعرف أن سيأتي الوفود من كل مكان غريبًا، يقتنم الفرصة، فماذا يفعل؟ يصل للعصر، العصر، فقبل أن يقوم من العصر، يطرح العمامة، يطرح كتابًا، يطرح أي شيء، علامة على أن المنطقة محجوزة. يطرح، ثم يذهب، يذهب إلى السوق، يذهب إلى بيته، يذهب إلى أي مكان، يذهب إلى قبيل المغرب بخمس دقائق، يرجع، فيحجز هذا المكان. هل هذا يجوز؟ هذا لا يجوز، بالاتفاق، لا يجوز بالاتفاق يا عبد الله. لما فيه أن أخذ بقعة، وأنت لا تستحقها، والمسلم مطالب أن يبكر، لا تبكر عمامتك، العمامة غير مطالبة بالتبكير، أنت مطلوب بشحمك ولحمك، بجسدك وروحك، أنت تبكر. إلا إذا كان هناك أمر ميسور، كما يقول العلماء: كمن يضطر أحيانًا، أنت في الجمعة، أردت أن تذبح الحمام، أو تشرب ماء، فتخشى أن يأتي أحد ويأخذ المكان، لا بأس هنا، اجعل العمامة، واذهب، وارجع. أنت أحق بمكانك هذا، ما فيه شيء. أو رجل أراد أن يستند إلى سارية، وقد سئل العلماء عن هذه المسألة، يستند، وأنت تعبت من صف الأول، فلا بأس، تضع عمامة، ثم تأتي إلى سارية، وتستند، وتقرأ، ثم ترجع إلى محلك. فأنت موجود في المكان أصلاً، هذا ليس فيه شيء، ولا بأس بهذا. أما أنك تنصرف إلى الساعات الطويلة، فهذا لا يجوز. خلاص إخواني في الله، المخالفات كثيرة جدًا. وقد ألفت مؤلفات في تتبع المخالفات التي تقع في بيوت الله، وهي كثيرة. لكن أشرت في هذا المقام، تذكيرًا لبعض ما مضى معنا، وتنبيهًا لبعض المسائل. وكان الاختيار على أهم الملاحظات في هذا الباب. وبهذه المسألة نكون قد انتهينا من تناول وذكر آداب المساجد. فأسأل المولى جل وعلا أن يوفقنا فيما قلنا ونسمع، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.