التبيان في آداب حملة القرآن 20

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 20، ألقاها

آداب المعلم وفضائل طلب العلم

يتناول هذا الفصل آداب المعلم مع الطلاب كما ذكرها الإمام النووي، ويشدد على أهمية التعامل بالخلق الحسن معهم وتوجيههم لإخلاص النية في طلب العلم.

إخلاص النية في طلب العلم وأهميته

يؤكد هذا الفصل على أهمية إخلاص النية في طلب العلم ودور المعلم في توجيه الطلاب لذلك، حيث أن إخلاص النية هو أساس قبول العمل عند الله تعالى.

مجاهدة النفس والخشية من عدم القبول

يتحدث هذا الفصل عن أهمية مجاهدة النفس على إخلاص العمل لله تعالى والخشية من عدم قبول الأعمال، مستشهداً بأقوال الأئمة والعلماء في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في الاعتناء بالطلاب وترتيب تقديمهم. في الاعتناء بالطلاب وترتيب تقديمهم قال رحمه الله: «ويقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول، فإن رضي الأول بتقديم غيره قدمهم، وينبغي أن يظهر لهم البشرى وطلاقة الوجه، ويتفقد أحوالهم ويسأل عما غاب منهم». هذه كذلك من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها المعلم مع تلاميذه. كما ذكر رحمه الله أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا الأول فالأول، أي عند الإقراء، عند الإقراء إذا كانوا جماعة وازدحموا وكل واحد يريد أن يبدأ، فيبدأ بالأول فالأول من حضر أولًا يبدأ به أولًا وهكذا، إلا أن يأذن الأول لمن بعده بأن يتقدمه فلا بأس. ومع هذا كله، كما ذكر رحمه الله تعالى، يكون المعلم فيه معاني الاستقبال لأولئك المتعلمين والبشاشة وطلاقة الوجه وما شابه ذلك ترغيبًا في التعليم. إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: «ولأن تلقى أخاك بوجه طلق، وفي رواية طليق، صدقة»، فكيف بالمعلم مع المتعلم عنده؟ فهذا أولى وأولى. فلذا كما ذكر رحمه الله تعالى: ينبغي للمعلم أن يتعامل مع تلاميذه، مع تلامذته، بهذا الخلق الحسن، بطلاقة الوجه وحسن الاستقبال والبشاشة في وجوههم، لكن مع مراعاة الوقار وكذلك الاحترام والإجلال، لا بد أن يراعى هذا الأمر. قال رحمه الله: «ويتفقد أحوالهم»، أي يسأل: كيف حالكم؟ كيف مضى يومكم؟ كيف أخبار فلان ممن كان غائبًا من تلاميذه؟ يسأل ويتفقد وينظر في أحوال الطلبة، هذا يدل كذلك على حرص المعلم على أولئك الطلبة، يدل على حرص المعلم على أولئك الطلبة وعلى حرص على إيصال الخير إليهم ومواصلة النفع في طلب العلم والاستمرار فيه. ولا سيما من عُرف عنه الحرص، وعُرف عنه النباغة أو قل النبوغ، وكذلك عُرف عنه حُب العلم، فمثل هذا يُعتنى به عناية أعظم ويتفقد أكثر؛ لأجل أنه ربما نفع الله جل وعلا به في المستقبل نفعًا عظيمًا. قال رحمه الله تعالى: فصل في نية طالب العلم. الآن انتقل إلى طالب العلم، قال: قال العلماء: «وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ تَعْلِيمِ أَحَدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحِ النِّيَّةِ». فقد قال سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ: «طَلَبُهُمْ لِلْعِلْمِ نِيَّةٌ»، أي أن المعلم لا يحاول أن يفتش عن نيات الطلبة، فيقول: أنت نيتك غير صالحة لطلب العلم؛ إذن لا تتعلم العلم، وينظر إلى آخر فيقول: نعم، أنت نيتك صالحة؛ فإذن أقبل على العلم. ينبغي للمعلم أن يعلم الجميع ويهذب الجميع ويربي الجميع على حسن النية والسريرة؛ لأن الناس في الغالب الأكثر عند أول بدئهم، عند أول أمرهم وبدئهم في طلب العلم، ربما دخل عليهم هذه المعاني، معاني ضعف النية، معاني طلب العلم لا لأجل الله، ولكن لأجل إما المكانة أو الجاه أو المنصب أو ما شابه ذلك أو الوظيفة. فالمعلم يكون مرشدًا ويرقّى الطالب من هذه أو من تلك النية الدنيئة إلى نية عالية، وهي نية القرب من الله جل وعلا والتقرب إليه بذلك العلم؛ لأنه عبادة جليلة، لأنه عبادة جليلة لمن وفقه الله جل وعلا لسلوك درب أهل العلم وأخلص لله جل وعلا في ذلك. لذا قال: «وقالوا -يعني قبل ذلك في أثر سفيان- في قوله: وقال سفيان فقط، قال سفيان وغيره: طلبوهم للعلم نية»، ومعنى طلبهم للعلم نية: أي كفى بذلك نية، أي نية في الخير. فإذا كانوا كذلك، فقوم أنت النية وتممها وكملها وصححها. وهذه من مهمات المعلم: أن يحرص على أن يكون عمل الطالب لوجه الله جل وعلا، بأن يذكره دائمًا وأبدًا بأمر النيات وأمر الإخلاص وخطر الرياء وخطر العمل للدنيا ولغير الله جل وعلا. ومن أراد الله جل وعلا به خيرًا، وفق الله جل وعلا إلى صلاح نيته وإلى مجاهدة نفسه في ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وقالوا -أي هؤلاء الأئمة رحمهم الله- طلبنا العلم لغير الله تعالى، فأبى العلم أن يكون إلا لله، فأبى العلم إلا أن يكون، فأبى العلم أن يكون إلا لله». قال: معناه كان عاقبته أنصارًا لله تعالى. وهو كما تقدم: أن بعض الطلبة أو أن الإنسان عند بدئه في طلب العلم ربما يطلب العلم إما للمفاخرة، إما للجاه، إما للوظيفة، وإما لغير ذلك من معاني من المعاني التي لا يصدق معها وجه الله: أنه طلب العلم لوجه الله في سبيل الله، إخلاصًا لله جل وعلا. لكن العلم الصحيح، ومن تعلم العلم الصحيح، قاده العلم الصحيح بإذن الله رب العالمين جل وعلا، وبتوفيق الله جل وعلا، إلى إخلاص النية لله رب العالمين جل وعلا؛ وذلك لأن الطالب في أول أمره يكون جاهلًا، جاهلًا في أمور النيات وفي أمور الإخلاص وفي أمور الرياء وفي أمور إرادة العمل لغير الله جل وعلا، يكون جاهلًا بهذه الأحكام. فإذا تعلم العلم، رأى وسمع من القوارع والزواجر ما يكون سببًا بإذن الله جل وعلا وعونًا له بإذن الله جل وعلا على مجاهدة نفسه دائمًا وأبدًا، أمر النيات كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: لا يستطيع الإنسان أن يقول يومًا أنه عمل عملًا أراد به وجه الله، هذا حال الصادقين، لكن يرجو من الله جل وعلا أن يكون ذلك العمل عمله لوجه الله جل وعلا؛ لأن للأعمال دسائس وللقلوب كذلك خطرات، ولا يسلم منها إلا من سلمه الله. إذا كان الأئمة رحمهم الله وغفر الله لهم ورضي الله عنهم، كسفيان الثوري، يقول: ما جاهدت شيئًا مجاهدة لنفسي، يخشى عليها الرياء، وهو سفيان الثوري رضي الله عنه ورحمه الله وغفر له، إمام جليل من أئمة المسلمين، ومع هذا يقول: ما جاهدت شيئًا، ما زال يجاهدها، ما زال يجاهد نفسه على إخلاص العمل لله رب العالمين جل وعلا، وعلى إخلاص النية لله رب العالمين جل وعلا. هكذا سفيان أو هشام الدستوائي رحمه الله، هشام الدستوائي من أقران الإمام شعبة، كان شعبة يقول: هشام الدستوائي أحفظ مني لحديث قتادة، لقب بأمير المؤمنين في الحديث، ومع هذا انظروا واسمعوا ماذا يقول عن نفسه رحمه الله: يقول: «والله لا أستطيع أن أقول أني خرجت يومًا أطلب الحديث لوجه الله»، وهو منهم، هشام الدستوائي رحمه الله، يقول: ما أستطيع، ما أجرأ أن أقول أني خرجت يومًا أطلب العلم في سبيل الله، وقال: لوجه الله. فعلق الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه «السير» بعد أن ذكر هذا الأثر في ترجمة هشام الدستوائي، قال: «ولا أنا -يعني الذهبي- بعد أن نقل كلام هشام الدستوائي: لا أستطيع أن أقول أني خرجت يومًا أطلب الحديث لوجه الله». قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في «السير»، معلقًا: «والله ولا أنا»، أي ما يستطيع أن يجزم أنه خرج يومًا يطلب العلم لوجه الله جل وعلا خالصًا لوجه الله جل وعلا؛ لما يعلمون من الدسائس والخواطر التي تدخل على الأعمال والقلوب. إذا قال الذهبي بعد أن ذكر أحوال الناس الذين رآهم في زمنه، قال رحمه الله تعالى: «أولئك الأئمة، أولئك الأئمة لما نبلوا صاروا ينظرون إلى أعمالهم بهذا المنظار». وصلوا إلى درجة النبلاء، وكتابه مسمى بـ«سير أعلام النبلاء». قال: «هؤلاء لما نبلوا صاروا ينظرون إلى أعمالهم بهذا المنظار»، ثم قال: «لا والله ما أنا بعالم، ولا رأيت عالما» أي يطلب العلم لوجه الله، يطلب العلم لوجه الله. فإذا مسألة طلب العلم لوجه الله تحتاج إلى مجاهدة ومجاهدة ومجاهدة ومجاهدة. ومع هذا الصادق لا يستطيع أن يقول بأنه عمل العمل وطلب العلم لوجه الله، ولكن كما قال الله جل وعلا عن أولئك المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾، هذا حال مؤمن يعمل ما يعمل من الطاعات، يعمل ما يعمل من العبادات، ويرجو من الله جل وعلا القبول، يرجو من الله جل وعلا القبول. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يتجاوز عن سيئاتنا، إنه هو الغفور الرحيم، أن تقبل منا، إنه سميع قريب. والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على