الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 6

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 6

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وعام الفيل

ولد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل، وهناك خلاف في تحديد يوم مولده. يتناول المقطع قصة عام الفيل وهجوم الحبشة على مكة بقيادة أبرهة.

بناء أبرهة الكنيسة وخططه ضد الكعبة

بنى أبرهة كنيسة ضخمة في اليمن بهدف صرف العرب عن الحج إلى الكعبة، مما أثار غضب العرب وقريش. قام رجل من بني كنانة بتلطيخ قبلة الكنيسة، فأقسم أبرهة على تدمير الكعبة.

فشل أصحاب الفيل في هدم الكعبة

حاول أصحاب الفيل هدم الكعبة بقيادة أبرهة، لكن الله رد عن بيته بإرسال طير أبابيل ترميهم بالحجارة، مما أدى إلى هلاكهم. يذكر المقطع تفاصيل حول الأحداث والنتائج التي تلت محاولة الهدم.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في أوائل هذه المنظومة، وهي الأرجوزة المئية في ذكر حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، فنحن في المبحث الأول، والذي يذكر لنا المؤلف -رحمه الله تعالى- ما يتعلق بتاريخ ميلاده عليه الصلاة والسلام. حيث قال: مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكنّ المشهور ثاني عشره، في يوم اثنين، طلوع فجره. ومر معنى ما يتعلق بأفراد هذا التاريخ، عن يوم الاثنين، وعن شهر ربيع الأول، ثم الخلاف الحاصل: هل هو في العاشر أم في ثاني عشر أم في غيرهما، كمن قال بأنه في التاسع أو في الثامن؟ ومر الخلاف في ذلك. ثم كان العروج على العام، وبأنه عليه الصلاة والسلام ولد في عام الفيل، وذكرنا أن هذا هو مذهب جماهير العلماء، وهو الراجح لدلالة بعض الآثار عليه. وقلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في نفس العام، في عام الفيل، لكن بالتحديد متى؟ قيل: بعد الحادثة بخمسين يومًا، قيل: بأربعين يومًا، بحدود هذه الأيام. وعلمنا أن حادثة الفيل -إخواني في الله- من الحوادث العظيمة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، وبإجماع الأمة. فمن القرآن: أنزل ربنا جل وعلا سورة تتلى إلى يوم الدين، أسميت بسورة الفيل. ومن السنة: ما جاء في البخاري ومسلم من الأحاديث التي ذكر فيها نبينا، وذكر بهذه الحادثة: «حبسها حابس الفيل»، كما قال عليه الصلاة والسلام. وتواترت كلمة العلماء على وقوع هذه الحادثة، وخلاصتها: ما كان من هجوم الحبشة على مكة لهدم بيت الله، إلا أن الله جل وعلا جعل كيدهم في تضليل. ومن باب ذكر أهم أحداث هذه القصة؛ حيث أنه لربما لن يتيسر لنا مقام آخر في ذكر هذه الحادثة، نشير إلى أهم أحداث هذه القصة التي سطرها ربنا جل وعلا في كتابه، وخلاصتها ما ذكره المؤرخون في كتبهم، سواء كان ذلك في كتب التاريخ والسير أو في كتب التفاسير. بأن ذا نواس، ذا نواس، وقد كان ملكًا مشركًا من أهل اليمن، وهو الذي خد الأخاديد، خد الأخاديد، فقتل الموحدين من النصارى، وكان مقدارهم وتعدادهم عشرين ألفًا، قتلهم وأحرقهم في هذه الأخاديد. وفلت منهم -أي نجى منهم- دوس ذو ثعلبان، دوس ذو ثعلبان، نجى، فاستغاث بقيصر ملك الشام، وكان نصرانيًا، فكتب قيصر إلى النجاشي، وكان أيضًا نصرانيًا، فكاتبه؛ لأنه يرى أن الحبش أقرب من اليمن من بلاد الشام، فالنصر منهم قريب. فكتب قيصر إلى النجاشي في أمر هؤلاء ممن تضعفوا من أهل اليمن على يد ذي نواس الذي قام بإحراقهم. فقام النجاشي، ورسل مع دوس، وبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة، في جيش كثيف، جيش كبير، فدخلوا بلاد اليمن، فجاسوا خلال الديار، وسلبوا الملك من حمير؛ لأن ذا نواس كان من آخر ملوك حمير، أهلك، قيل: إنه مات غرقًا في البحر. فهذا الجيش سلب الملك من آل حمير، وآلة الأمور إليهم -أي تحت إدارة الحبشة-. ثم اختلف الأميران أرياط وأبرهة، وقع الذي يقع كثيرًا بين الشركاء من التزاحم على الملك، فوصل بهم الأمر إلى أن تقاتلا، ثم اتفقا على المبارزة: من ينتصر له الملك وله الحكم. فاتفقا على المبارزة، وفي الأخير قتل أرياط ونجا أبرهة، لكن بإصابة شديدة أصيب من إثر هذه المبارزة، ثم شفي وعوفي من إصابته. إلا أن النجاشي علم بعد ذلك بما وقع للأميرين من التنازع، وما قام به أبرهة من قتل أرياط، فغضب النجاشي من هذا المسلك، ثم تهدد أبرهة بأنه سيسير إليه، وسيطأ أرضه، وسيجز ناصيته احتقارًا له، امتهانًا لأمثاله. فقام أبرهة وأرسل إلى النجاشي يرققه ويلاطفه حتى لا ينتقم منه. فكان من فعل أبرهة أنه أرسل بوفد برفقة إلى النجاشي، حملهم بالتحف والهدايا، وحملهم أيضًا جرابًا فيه تراب من بلاد اليمن، ثم جز ناصيته -قصها- ووضعها مع الهدايا، وأرسلها مع الوفد، وذهبوا إلى الحبشة عند ملكهم النجاشي. وأرسل كتابًا، وقال فيه: أرسلت إليك بهذا الجراب من تراب اليمن؛ لكي تدوس عليه، فيبر قسمك؛ لأن النجاشي أقسم -والله- لأغزون أرضك، حلف، والملوك لا تحنث في أيمانها. فعلم أن أبرهة أنه لا محالة، لابد أنه يطأ، فماذا فعل؟ ففكر في هذه الحيلة: بدل أن يأتي النجاشي إلى أرض اليمن، هو يرسل أرض اليمن إليه. فأرسل بتراب من اليمن إلى النجاشي، قال: بر بقسمك، وطأ بقدمك هذه التربة؛ لكي يبر قسمك. قال: وهذه ناصيتي الذي أقسمت بأن تقص، أنا قصصتها لك، وهي عندك بين يديك. فحينها، لما رأى النجاشي هذه الطريقة، وهذا الأسلوب، أعجب منه، وأعجب بطريقته، وما كان من حيلته، قال: ورضي عنه، وأقره على فعله، وتركه على حكمه في بلاد اليمن. ثم إن أبرهة أرسل إلى النجاشي يقول في رسالته: بأني سأبني كنيسة، وليست أي كنيسة؛ لأنه كما قلنا: القوم نصارى، بل سيبني كنيسة عظيمة في أرض اليمن، لم يبنى قبلها بنيانًا يشبه بنيانها. فشرع أبرهة في بناء كنيسة هائلة في صنعاء، ضخمة، عظيمة، رفيعة البناء، عالية الفناء، حتى أن العرب سموا هذه الكنيسة بالقليس. قيل: إن من أسباب تسميتهم لهذه الكنيسة بهذا الاسم، قالوا: إن الناظر إلى هذه الكنيسة من علو، أن القلنسوة -الذي يوضع على الرأس- لربما كانت أن تسقط من الرأس؛ من شدة أن الناظر يرجع رأسه إلى الخلف لكي ينظر إلى العلو الشاهق لهذه الكنيسة. فسميت بالقليس. وهذه الكنيسة التي بناها أبرهة في صنعاء، في البلاد اليمن، كان من مراميه ومن مساعيه أنه أراد أن يصرف العرب عن الحج لبيت الله الحرام الذي في مكة. علم بما كان عليه العرب في الجزيرة؛ أنهم كانوا يتوجهون إلى الكعبة، فأراد أن يزاحمهم على ذلك، فبنى هذه الكنيسة. وكان من مراميه أن يجذب وجوه العرب والقبائل والبطون والعشائر إلى هذه الكنيسة، ويهجروا الكعبة. هذا كان من مراميه ومن مساعيه لبناء الكنيسة. فكرهت العرب -من العدنانية والقحطانية- كرهوا ذلك. وأما قريش فقد غضبت غضبًا شديدًا لهذا المسعى والمبتغى الذي أراده أبرهة من كنيسته. إلا أن رجلًا من بني كنانة قام ودخل إلى الكنيسة على حين غرة، فأتى بعذرة -أي بقذر، ببراز- وقام ولطخ قبلة الكنيسة بهذا النتن، لطخ قبلة الكنيسة بهذا النجس والنتن. فلما استيقظ السدنة على هذا المنظر المهول، والذي وقع في الاحتقار، وقمة الإذلال لكنيستهم؛ أن تصبغ الكنيسة بعذرة، بأذى وقذر، وفي قبلتها. فأرسلوا إلى أبرهة، وأخبروه بما وقع، وحللوا له بتحليل: بأن هذا من فعل قريش، وأنها إنما فعلت ذلك غضبًا لبيتهم. فحينها أقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا، من باب الانتقام. فسار بجيش كثير، بلغت أعداده في كتب التاريخ إلى ستين ألف جندي، بستين ألف جندي، واستصحب معه تسعة فيلة وأفيال، وقيل: اثني عشر فيلًا، قيل: هذا، وقيل: ذاك. واختار أكبرها لنفسه، أكبرها اختاره لنفسه. وكان قصده بذلك باستصحاب الفيلة: بأن تجعل السلاسل في أركان الكعبة، ثم توضع هذه السلاسل في عنق الفيلة، ثم تزجر، فإن فعلت ذلك سقطت الكعبة جملة واحدة، ليسهل أن يأتي بعمال ويكسرونها حجرًا حجرًا. لا الأمر مضيعة، ولا يستعظم هذا العناء؛ في لحظة يزمجر، فإن تحرك سقط البيت بكل أحجاره في ومضة عين. هذا الذي أراد، وهذا كان تفكيره. فلما علمت العرب بمسير أبرهة بجيشه العرم، رم أعظم ذلك جدًا، ورأوا حقًا أن يدافعوا عن البيت، مع كفرهم، مع شركهم، لا زالت عندهم بقايا من دين إبراهيم، ومن ذلك الكعبة، وأنها هي بيت الله المعظم المقدس. فلما علموا بذلك سارعوا إلى الدفاع عن بيت الله. والأحاديث والأخبار في ذلك كثيرة جدًا، لا يمكن سردها في هذا المقام. ومن أراد يرجع إلى المطولات. فتذكر السرايا، واتباع التي كانت تأتي من قبل العرب من آل فلان، ومن آل فلان، كان يرسلون بكتائب، ويرسلون بقطيع من الشجعان؛ للمدافع عن بيت الله الحرام، ولإيقاف أبرهة، لكن ما استطاعوا. فمنهم من قاوم وانهزم، ومنهم من استسلم، ما استطاعوا على هذه الأعداد الضخمة من الجيش الذي أتى إلى الجزيرة. وعندما قرب هذا الجيش من دخول مكة، قام أبرهة وهيئ جيشه لدخول مكة. وكانت قريش قد تحصنت في رؤوس الجبال، تحصنوا في رؤوس الجبال؛ وذلك مخافة ما سيقع لهم. شيء بأن هذه الحادثة لن تمر بسلام، وإنما هناك شيء، فنجى سيقول: هناك شيء. ولهذا أمروا بأن يتحصنوا في الجبال، ويبتعدوا، سيقع شيء في هذا المكان. فابتعدوا وتحصنوا جميعًا، وتركت مكة فارغة، ما فيها أحد إلا البيت، وجيش الذي سيقتحم البيت. ولما كان الجيش عند وادي محسر، وهذا الوادي بين مزدلفة ومنى، برك الفيل، الفيل الأكبر، والذي كان يعول عليه أبرهة، برك، جلس في محله، وما تحرك. حاولوا أن يقام، فما قام. بل والعجيب أنه أينما يوجه، يتجه، إن أخذ بزمامه يمنة ذهب يسرة، ذهب أمام، صوب الكعبة، ما يتحرك، يبرك، يبرك، ما يتحرك، كما ذكر ذلك أهل التاريخ والسير. فبينما هم كذلك، أرسل الله جل وعلا طيرًا أبابيل، أي جماعات جماعات. وجاء في وصفها: ما يتعلق بصغر حجمها، ما يتعلق بلونها، بلون رجلها. وينظر في ذلك في كتب التفاسير، كما أطال النفس في ذلك أهل التاريخ. فأرسل الله جل وعلا طيرًا أبابيل، بمعنى جماعات جماعات، قيل: جماعات متفرقة، على دفعات تأتي، يرسلها ربنا جل وعلا. ومع كل طائر حجر، حجر، وقيل: ثلاثة أحجار، حجر في المنقار، وحجرين في الرجلين، أي ثلاثة أحجار، وقيل: حجر مع كل طائر. وهذه الحجارة كما جاء في كتب التاريخ: أنها صغيرة، حتى قيل: إن حجمها كحبة العدس، تعرفون العدس، ما حجمه؟ وما مقداره؟ وما وزنه؟ عدس، حبة عدس صغيرة جدًا. فكانت هذه الحجارة الصغيرة من سجيل، أي: قيل العلماء: أي من طين مصلبة، طين متينة، مع صغر حجمها. وكانت هذه الطيور ترمي بهذه الأحجار، وتحوم حول هذا الجيش. فكانت تسقط هذه الأحجار على جيش أبرهة، فما من أحد أصيب بحجر من هذه الحجارة إلا وهلك من توه. ومما يذكر من صفة هذه الأحجار: أنها تدخل من رأس أحدهم وتخرج من دبره، تدخل من رأسه وتخرج من دبره، فيموت ويهلك من ساعته، لا يتأخر. لكن هل كل الجيش كان على هذا الحال؟ لا، الأكثر. نعم، الأكثر كان يموت لتوه. ومنهم من ربما نجى من الساحة، نجى من الساحة، لكن في طريقه يموت، يموت، يموت ويهلك. ومما نجى وهلك الملك، وهو أبرهة، فإنه أصيب بأثر من هذه الحجارة، فأصيب بداء، وكان هذا الداء من أثره: أن الأعضاء تتساقط منه، يتساقط منه عضو عضو عضو، يتساقط. وهو في رجوعه، في رجوعه، يهرب، هرب من ذلك، حتى وصل إلى مقره في صنعاء، فمات وهلك هنالك. فرد الله جل وعلا عن أهل مكة كيد الكائدين من أصحاب الفيل. هذا -إخواني في الله- خلاصة ما يذكره العلماء من المؤرخين ومن المفسرين عن بداية قصة أصحاب الفيل إلى نهايتها. وكما سمعتم، إنما هذه أهم الأحداث، وإلا هناك تفاصيل طويلة، وأقوال، ومناقشات، وحوارات، لكن ليس هذا المقام في سردها، ويحتاج إلى أدلة وإثباتات حتى تذكر في هذا المقام. لكن يكفينا ما ذكر. طبعًا هذه القصة -إخواني في الله- آية وعظة وعبرة، وما خلت من فوائد. ولعلنا نرجيء الكلام عن بعض فوائدها في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.