المحاضرة بعنوان رمضان بين الغنم و الغرم، والتي كانت ضمن دورة زاد الصائم الثانية بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة يوم الأربعاء 13 شعبان 1446هـ الموافق 12 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبرز المحور عظمة شهر رمضان كموسم للطاعات وغنيمة للمؤمنين، مؤكداً أن حقيقة الصيام تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى صيام الجوارح عن المحرمات وقول الزور لتحقيق التقوى. ويوضح أن الصوم الحقيقي يهدف لبلوغ التقوى بترك المحرمات، مستشهداً بقدرة الصائم على ترك المفطرات نهاراً كدليل على إمكان التوبة النصوح التي تمحو السيئات وتبدلها حسنات.
يستعرض المحور سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة التراويح جماعة خشية الفرض، ثم إحياء عمر لها، مبيناً أن الأفضل إحدى عشرة ركعة مع جواز الزيادة. ويبرز فضل قيام رمضان وليلة القدر، وحث النبي على اجتهاد العشر الأواخر وإحيائها بالعبادة اقتداءً بهديه صلى الله عليه وسلم.
يحث المحور على إحياء ليالي العشر الأواخر بالقيام وإيقاظ الأهل، والإقبال على قراءة القرآن اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم والسلف، والرغبة في تفطير الصائمين لنيل مثل أجرهم. وينبه إلى أن رمضان شهر بركة ومغفرة تفتح فيه أبواب الجنة، محذراً من إضاعة الأوقات في الأكل المفرط واللهو والتخزين، داعياً لتنظيم الوقت لاستغلال الموسم في الطاعات.
يحذر المحور من السهر حتى الفجر ثم النوم وإضاعة صلاة الفجر، بل والنوم حتى العصر أو المغرب، مما يؤدي لتفويت الفرائض وخروج أوقاتها. ويبين أن من يفعل ذلك لا ينتفع بموسم العبادة بل يقع في منكرات عظيمة ويكون من الغارمين الخاسرين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله جل وعلا الذي يسر هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذا الجامع، جامع ابن عباس، في بلدة زغفة، مديرية الشحر، محافظة حضرموت، مشاركة في هذه الدورة العلمية النافعة المسماة بزاد الصائم. وهذا المجلس كما سمعتم بعنوان: رمضان بين الغنم والغرم. الغنم يعني الربح والفوز، والغرم بمعنى الخسارة، وكذلك ذهاب الخير وعدم إدراكه. ولا شك أن شهر رمضان موسم عظيم من مواسم الخير والبر، وغنيمة عظيمة يغتنمها المسلم ويتزود منها لآخرته، وهو -أي هذا الشهر- قد أشرف على القدوم، فليس بيننا وبينه إلا أيام قلائل. فلذلك المسلم ينبغي أن يكون حريصًا على إدراك هذا الشهر المبارك وبلوغه، بلوغ هذا الموسم العظيم. ولا شك أن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى، لكنك تسأل الله عز وجل أن يطيل في عمرك، وأن يمد في حياتك، وأن يعافيك من الأمراض والأسقام التي قد تحول بينك وبين صيام هذا الشهر واستغلاله. فالمسلم يفرح بقدوم مثل هذه المواسم المباركة، يفرح بذلك فرحًا عظيمًا، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. فالإنسان يفرح بمواسم الخير ومواسم البر التي جعلها الله سبحانه وتعالى لعباده محطة يتزودون منها لآخرتهم في رفع الدرجات وحط الخطايا والسيئات. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح قال: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». يفرح عند فطره أن الله عز وجل وفقه وأعانه وسدده لصيام ذلك اليوم وإكماله وإتمامه، ويفرح إذا لقي ربه فيجد أجر الصيام، الأجر العظيم والأجر الكبير، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. الصابرون لهم أجر بغير حساب، جميع الأعمال لها أجر محدود، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصبر وأهل الصبر فأجرهم بغير حساب، كما قال بعض السلف: يغرف لهم غرفًا من الأجر والثواب. فكيف لا يفرح المسلم بمثل هذا الموسم العظيم؟ فأنت تسأل الله عز وجل أن يبلغك إياه، لماذا؟ لأنه قد كان أناس معنا في العام الماضي ممن أدرك شهر رمضان، وهاهم اليوم تحت التراب، قد حيل بينهم وبين إدراك هذا الشهر المبارك. فالإنسان لا يدري متى ينقضي عمره ومتى تنتهي حياته، هل سيدرك هذا الشهر أو لا يدركه؟ الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، ولكن نحن نسأل الله عز وجل أن يطيل أعمارنا في طاعته، وأن يبلغنا هذا الموسم العظيم. فإذا أدرك وبلغك الله عز وجل إياه حمدت الله عز وجل، تحمد الله وتشكره على هذه النعمة العظيمة، هذه نعمة عظيمة امتنّ الله سبحانه وتعالى بها عليك، فينبغي أن تعرف قدر هذه النعمة. والنعم كما نعلم: إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت. وإذا شكرها الإنسان انتفع بها، وإذا كفرها فإنها تمحق بركتها. فلذلك المسلم العاقل الفطن الذي هو حريص على اغتنام هذا الموسم وأن يكون له غنيمة عظيمة ينبغي أن يحسن استقبال هذا الشهر، أن يحسن استقبال هذا الشهر بعقد النية الصالحة الصادقة على صيامه وقيامه واستغلال أوقاته في طاعة الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. من صام رمضان إيمانًا بفرضيته وبوجوبه، واحتسابًا للأجر والثواب، تحقق له ما رتب عليه من الأجر، وهو: غفر له ما تقدم من ذنبه. إذا لا بد من أن تصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا. لا تصومه عادة، الناس يصومون فأصوم معهم، أو تصومه حياءً، أنت في نيتك تريد أن تفطر لكن تقول: أستحي من الناس، إيش يقولون علي؟ ما يصوم، يفطر في رمضان، ونحو ذلك، فتصوم حياءً، ما ستنال هذا الأجر. أو إظهارًا ورياءً أنك صائم، ثم تفطر في السر، وفي الحقيقة أنك لست بصائم. فالمقصود أنه لا بد من تصحيح النية إذا أردت أن تكون ممن يغتنم هذا الموسم، أن تصوم إيمانًا واحتسابًا، تحتسب الأجر والثواب، تريد الأجر والثواب من الله، فهنا تنال هذه الفضيلة، فيغفر الله عز وجل لك ما تقدم من ذنبك. ولذلك أنت تحرص أن تصوم كما صام النبي صلى الله عليه وسلم. الصيام ليس هو مجرد ترك المفطرات من أكل وشرب وجماع وغيرها من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وإن كان هذا هو تعريف الصيام، لكن حقيقة الصيام: أنك تصوم عما حرم الله جل وعلا، تصوم عن المنكرات والمحرمات. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مبينًا هذا المعنى: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ». حظه من صيامه الجوع والعطش، معنى: ما له أجر، فقط حرم نفسه من المباحات، فكان حظه من الصيام أن يجوع ويعطش. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» اتفاق. معنى هذا الحديث: أنه ليس المقصود من الصيام ترك الطعام والشراب، وإنما المقصود أن تصوم عما حرم الله سبحانه وتعالى، أن تصوم هذه الجوارح عن المنكرات. فكيف تترك الطعام والشراب وهما في الأصل من الأمور المباحة، ثم ترتكب في حال صيامك الأمور المحرمة من قول الزور والعمل به؟ والمراد بقول الزور: أي الباطل، سواء كان من غيبة أو نميمة أو كذب أو غش أو خداع أو خيانة أو غير ذلك من المحرمات. إذن ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، والمعنى: ليس هذا هو معنى الصيام، ليس هذا هو معنى الصيام المراد، المراد تحصيله والمراد تحقيقه. فأنت لا بد إذا أردت أن تنال هذه الأجور أن تحقق المقصود من حقيقة الصيام، وهي تحقيق التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. إذن المقصود من الصيام هو تحقيق تقوى الله، أن تكون من المتقين، أن يسوقك هذا الصيام إلى تقوى الله جل وعلا. وتقوى الله عز وجل: أن تفعل ما أمر الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما حرم الله على نور من الله تخاف عقاب الله، كما قال طلحة بن حبيب رحمه الله. هذه هي التقوى. فالصوم الذي لا يبلغ بك إلى درجة المتقين هذا لا تنتفع به، هذا لم تستفد منه، هذا الصوم لم تغتنمه إذا لم يبلغ بك درجات المتقين. إذا لا بد أن تحقق هذا المقصود، أن تكون من أهل التقوى بهذا الصيام، أن تصوم هذه الجوارح عن المحرمات والمنكرات والمنهيات. وهذا أمر سهل على الصائم: أنت الآن تصوم في رمضان، تترك الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنت صابر ما شاء الله، صابر على ترك هذه المباحات: الأكل، الشرب، الجماع، ثم تحل لك بعد غروب الشمس. فإذا صبرت على هذه المباحات في مثل هذا الوقت الطويل، فكيف لا تصبر على ترك المحرمات؟ كيف لا تصبر على ترك المحرمات تتركها لله سبحانه وتعالى؟ إذا استطعت أن تصبر عن المباحات لله جل وعلا فإنك تستطيع أن تصبر على المحرمات لله سبحانه وتعالى. وهذا في حق من يريد أن يبلغ هذه الدرجة من درجات المتقين. وعلى سبيل المثال: مثلا من ابتلي بشرب الدخان، من ابتلي بشرب الدخان تجده يصبر، يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وهو صابر في ترك الدخان. لكن المصيبة أنه إذا أفطر ربما أول ما يفطر بعد تمرة على الدخان. أنت صبرت هذا الوقت كله، ألا تستطيع أن تصبر على تركه بالكلية؟ الجواب: ممكن، يستطيع لو أنه عزم، عنده عزيمة قوية ورغبة في ترك هذا المنكر، يستطيع أن يستفيد من هذا الموسم ويغتنمه في ترك هذا المحرم. قد صبرت على تركه من الفجر إلى المغرب، فما بقي عليك إلا القليل، تتركه لله سبحانه وتعالى وتستمر على تركه. لكن الموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. كذلك أيضًا نستقبل هذا الشهر حتى نغتنمه بالتوبة إلى الله جل وعلا، توبة صادقة، أن نتوب إلى الله سبحانه وتعالى. إذا كان عندنا تقصير في بعض الواجبات أو كذلك تفريط في ارتكاب بعض المحرمات، فهذه فرصة عظيمة أن تتوب إلى الله جل وعلا توبة صادقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. توبة صادقة: تقلع عن هذا الذنب، وتندم على فعله، وتعزم أنك لا تعود إليه، أنك ما تعود إليه. ما تتوب توبة كاذبة كحال بعض المسلمين هداهم الله، يقول: إذا جاء رمضان سأترك هذه المحرمات، شرب الدخان أو شرب الخمر أو كذا إلى آخره من المنكرات، وفي نيته إذا انقضى رمضان سيعود إلى ما كان عليه. هذه التوبة ما تنفع، هذه توبة مؤقتة، توبة كاذبة. إذا تريد أن تتوب توبة صادقة فإنك تعزم أنك لا تعود إلى هذا الذنب، تتركه لله. إذا لم تتوب في رمضان فمتى تتوب؟ إذا لم تستطع أن تجاهد نفسك على ترك المحرمات في مثل هذا الموسم العظيم الذي قد جعل الله عز وجل فيه من الأسباب التي هيأها الله عز وجل لمثل ذلك ما ليس في غيره من الشهور والمواسم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ». انظروا ما جعل الله عز وجل من الأسباب المعينة على التوبة وإحسان العمل: الشياطين التي توسوس للإنسان وتزين له الباطل وهي عدو بني آدم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [فاطر: ٦]. إن الشيطان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». من أعداء الإنسان الشيطان وأقرب العداء إليه. تصفد مردة الشياطين: أي تغل بالأغلال والسلاسل حتى لا تصد الناس عن طاعة الله سبحانه وتعالى. وهذا من الأسباب التي تعين الإنسان على الإقبال على طاعة الله جل وعلا وعلى الابتعاد عن المنكرات. تفتح أبواب الجنان، أبواب الجنة برحمة الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنَّةِ: إِنَّهَا رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِهَا مَنْ أَشَاءُ، وَقَالَ فِي النَّارِ: إِنَّهَا عَذَابِي أُعَذِّبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلٍّ وَعَلَيَّ مَلْؤُهَا». الجنة دار الرحماء، يرحم الله عز وجل بها عباده، والنار دار الشقاء والعذاب، يعذب الله عز وجل من شاء من عباده. فتفتح أبواب الجنان، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، يا من تريد الخير أقبل، أقبل على الخير، هذا موسم عظيم من مواسم الخير، أقبل، أقبل على الصيام، أقبل على القيام، أقبل على تلاوة القرآن، أقبل على ذكر الله، أقبل على الصدقة والإنفاق، وغير ذلك من أبواب الخير. ويا باغي الشر أقصر، أقصر، كف، أترك، انتهي. إذا لم تنتهي في مثل هذا الموسم متى تنتهي؟ إذا لم تتوب إلى الله عز وجل في مثل هذا الموسم فمتى تتوب؟ إذا جعل الله عز وجل في هذا الشهر من الأسباب المعينة على التوبة ما ليس في غيره، فيبغي أن تستغل هذه الفرصة، وأن تفتح صفحة جديدة في حياتك. والتوبة تجب ما قبلها، تمحو ما قبلها من الذنوب، الخطايا والسيئات. والله عز وجل يبدل سيئات التائب حسنات من عظيم فضله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠]. انظر إلى عظيم فضل الله: إذا تبت توبة صادقة بدل سيئاتك حسنات، جعلها حسنات. فما عليك إلا أن تعزم العزيمة الصادقة على التوبة. كذلك أيضًا تغتنم هذا الموسم العظيم بأن تهيئ نفسك وترتب أوقاتك وتنوي استغلاله حق الاستغلال، تنوي استغلاله حق الاستغلال فيما يتعلق بصيامه، وفيما يتعلق بقيامه. التحريص على قيام رمضان، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». ومن قام رمضان إيمانًا: إيمانًا بمشروعيته واستحبابه، واحتسابًا للأجر والثواب. ما تصلي القيام صلاة التراويح كذلك حياءً، ولا عادة، الناس يصلون وتصلي معهم، لا، تصلي احتسابًا للأجر، تريد الأجر والثواب من الله، هنا يتحقق لك مغفرة الذنوب: غفر له ما تقدم من ذنبه. إذن تحرص على قيام رمضان. وقيام رمضان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي، حتى عِثَ عَبَادُ بْنُ الصَّامِتِ -أو عِثَ نِعْمَةُ بْنُ بَشِيرٍ- أنه صلى بأصحابه في ليلة ثلاث وعشرين، ثم في ليلة خمس وعشرين، وزاد الناس، ثم في ليلة سبع وعشرين، قال: «حَتَّى خَشِينَا أَلَّا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ» يعني السحور. ثم لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وأخبرهم أنه لم يخفَ عليَّ مقامكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم. فترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بالناس صلاة القيام والتراويح جماعة خشية أن تفرض عليهم، كما عند البيهقي وغيره. فلما زالت هذه العلة في زمن عمر، في زمن أبي بكر شغل المسلمون بقتال أهل الردة، وفي خلافة عمر أحيى عمر رضي الله عنه هذه السنة، وجعل الناس يصلون جماعة واحدة خلف أبي بن كعب وتميم الداري، ثم قال: «نِعْمَةُ السُّنَّةِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ». وصلاة القيام والتراويح ليس ببدعة، ليس مراده البدعة الشرعية ولا البدعة اللغوية، ولكن من باب المشاكلة، كأن قال: هذه بدعة، فيقول: نعمت البدعة، وهي سنة ثابتة من قول النبي عليه الصلاة والسلام، من فعله في هذا الحديث، ومن قوله: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هذا فيه استحباب قيام رمضان، ومن فعله كما مر ذكره. والنبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أنه يصلي إحدى عشرة ركعة. تقول عائشة رضي الله عنها: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» متفق عليه. كان يصلي عليه الصلاة والسلام إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غير رمضان، ما يزيد عليها. اختلف العلماء في الزيادة هل يجوز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، فمنهم من قال: يجوز، وهو قول جمهور العلماء، ومنهم من قال: لا، بل يقتصر على إحدى عشرة ركعة. والصحيح أنه يجوز الزيادة لحديث ابن عمر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى». لكن الأفضل والأكمل والأحسن الاقتصار على إحدى عشرة ركعة لفعله ومواظبته عليه الصلاة والسلام. فإذا قمت رمضان نلت هذا الأجر العظيم: غفر له ما تقدم من ذنبه. تكون عندك نية أنك تقوم ليالي رمضان. ما تفعل مثل ما يفعل بعض المسلمين هداهم الله، تجد في أول الشهر ما شاء الله يقبل، يحافظ على صلاة الجماعة، على صلاة التراويح، ثم بعد أيام يبدأ التكاسل ويبدأ النقص ويبدأ القهقرة والرجوع، فلا تأتي العشر الأواخر إلا وقد ترك المسجد وترك الصلاة. هذا خطأ عظيم. كيف تريد أن تغتنم هذا الموسم وأنت تترك استغلاله؟ وأنت تعلم أو لا تعلم أن آخره أفضل من أوله. ينبغي أن تعلم أن آخر رمضان أفضل من أوله. فكيف تجتهد في أوله ثم تتكاسل في آخره؟ وفي آخر هذا الشهر العشر الأواخر التي فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. خير من ألف شهر يعني: عبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، نحو من ثلاث وثمانين عامًا، عبادة ثلاث وثمانين عامًا في ليلة واحدة. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١-٥]. انظر إلى عظم هذه الليلة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ». من حرم هذه الليلة فهو محروم. ليلة ما تستطيع أن تجاهد نفسك على إدراكها وعلى الصبر على بلوغها، ليلة واحدة هي خير ليالي السنة. هذه الليلة في العشر الأواخر من رمضان، في العشر الأواخر من رمضان. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم هنا يرغبنا في قيامها: «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». إيمانًا بوجودها وفضلها، واحتسابًا للأجر والثواب، يحتسب الأجر والثواب في إدراك هذه الليلة، غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن أخفى الله عز وجل تحديد هذه الليلة، أي هي بالضبط؟ الله أعلم. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر الصحابة بليلة القدر كما في حديث عبادة في الصحيح، فتلاحى رجلان، أي تجادلا، قال: «فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا». رُفِعَ تعيينها، لا رُفِعَتْ عينها كما يقول الرافضة: رُفِعَتْ، خلاص ما في ليلة قدر، لا، المراد رُفِعَتْ: أي رفع تعيين هذه الليلة، تحديد هذه الليلة. وأما فهي موجودة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على إدراك هذه الليلة المباركة، ومن ذلك أنه كان يعتكف عليه الصلاة والسلام، اعتكف في العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف في العشر الأوسط، ثم اعتكف في العشر الأواخر، واستمر اعتكف في العشر الأواخر، كل ذلك لأجل أن يدرك ليلة القدر، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين: اعتكف العشر الأواخر واستمر على ذلك. وفي حديث عائشة وأبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، مات عليه الصلاة والسلام وهو مواظب على الاعتكاف ولزوم المسجد والتفرغ لعبادة الله حتى يغتنم هذا الموسم ويغتنم هذه الليلة المباركة. فالنبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الله عز وجل قد غفر للنبي عليه الصلاة والسلام ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا انظروا إلى اجتهاده، إلى اجتهاده: يعتكف عليه الصلاة والسلام وينقطع عن الدنيا ويقبل على طاعة ربه، ويقوم الليل يصلي، وربما صلى حتى تتشق قدمه. تقول له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» ألا أشكر الله عز وجل وأقوم بعبادته وطاعته؟ فإذا كان هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام وهو خير خلق الله وخير الرسل، وأول من تشفع عنه الأرض، وأول من يقرع باب الجنة، وأول من يدخل الجنة، فكيف بنا نحن وعندنا ما عندنا من التقصير والتفريط؟ نسأل الله عز وجل أن يعافينا وأن لا يؤاخذنا بذنوبنا وقطائنا وسيئاتنا. فنحن أولى أن نجتهد، أن نجاهد أنفسنا على طاعة الله سبحانه وتعالى. فقلنا: ليلة القدر في العشر الأواخر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»، ثم قال: «الْتَمِسُوهَا فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ»، في أوتار العشر، فأحرى ما تكون في أوتار العشر: ليلة الحادي والعشرين، وليلة الثلاث والعشرين، والخامس والعشرين، والسابع والعشرين، والتاسع والعشرين. نعم، فهذه أحرى ما تكون فيها ليلة القدر. لكن المسلم الحريص يحرص على استغلال الليالي كلها، تستغل الليالي كلها، وبذلك تدرك ليلة القدر بلا محالة. إذا كنت في العشر الأواخر كلها مواظبًا على قيامها وإحيائها بطاعة الله وبذكر الله سبحانه وتعالى، فلا شك أنك ستدرك هذه الليلة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر، كما تقول عائشة رضي الله عنها: «أَوَّلُ رَمَضَانَ يَخْلِطُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ قِيَامٍ وَنَوْمٍ، وَفِي آخِرِهِ يُحْيِي اللَّيْلَ». يحتمل أنه يحييه كله أو يحيي معظمه وأكثره، حتى يوقظ أهله حتى يصيبوا من هذا الخير. هذا في أن المسلم يحرص على أن يحث أهله على إحياء ليالي العشر، يقوموا يصلون القيام حتى يدركوا فضيلة هذه الليلة المباركة. ويزيد اجتهاده، جد، وشد المئزر: قيل كناية عن اعتزال النساء، وقيل كناية عن اجتهاد العبادة. انظروا كيف حال نبينا عليه الصلاة والسلام في آخر شهر رمضان: أشد اجتهادًا من أوله، أشد اجتهادًا من أوله. إذا أنت تغتنم هذا الموسم العظيم بهذه النية الصادقة وإحسان استغلال هذا الشهر بهذه العبادة والطاعة. كذلك أيضًا تقبل في شهر رمضان على قراءة القرآن والاعتناء بكتاب الله جل وعلا، فإن له خاصية عظيمة، كيف لا وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال ابن عباس كما في البخاري: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ». فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، مسارع، مسابق عليه الصلاة والسلام، يدارس جبريل القرآن، يعرض عليه القرآن وجبريل يستمع له. فمدارسة القرآن سنة نبوية. ولهذا كان السلف رحمهم الله إذا أقبل رمضان أقفلوا كتب العلم وأقبلوا على كتاب الله، كما روي عن إمام مالك رحمه الله وغيره. هذه غنيمة عظيمة ينبغي أن تحرص على الإقبال على قراءة القرآن. من السلف من كان يختم القرآن في رمضان في كل يوم، كل ليلة، ومنهم من يختم في ثلاث، ومنهم من يختم في سبع، ومنهم من يختم في عشر، مسابقة، منافسة. ومن المسلمين هداهم الله بل ربما يمر عليه رمضان ولا يقرأ إلا آيات أو صفحات، والبعض ربما ما يقرأ شيئًا. هذا محروم، لا شك حرمان عظيم، خسارة عظيمة. فلذلك لا بد أن تجعل لك وقتًا لقراءة القرآن، تجعل لك وردًا تقرأه، ولو كنت مشغولا، العمل ما يمنعك، ولا كذلك يحول بينك وبين قراءة القرآن. اجعل لك وردًا تحدده لقراءة القرآن: بعد الفجر ما يتيسر، ربع ساعة، نصف ساعة، بعد الظهر، بعد العصر، وهكذا، تحرص على أن يكون لك نصيب من قراءة كتاب الله جل وعلا. كذلك أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم حث على تفطير الصائمين، قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ». من فطر صائما كان له مثل أجره، أي مثل أجر هذا الصائم في صومه، في صيامه، في قيامه، في قراءة القرآن، في ذكره، في عبادته، لك مثل أجره. هذا حث، ترغيب على تفطير الصائمين، أنك تنال مثل أجر هذا الصائم. هذا من النفقة والصدقة التي يعني ينال أجرها المسلم في مثل هذا الموسم العظيم. ولتجدون بعض أهل الخير يقبلون وينافسون في تفطير الصائمين، رزاهم الله خيرا، هذا عمل مبارك، عمل خير، وتنافس في فعل الخير في مثل هذا الموسم العظيم. إذا لم تستطع أن تفطر يعني أحدا من الناس، فلا أقل أن تحتسب الأجر في تفطير أهلك، في تفطير أهلك، في تفطير زوجتك وأولادك، تحتسب الأجر في تفطيرهم، وتنال هذا الأجر، أجر صيام أهلك من زوجة وأولاد، فتنال هذا الأجر العظيم. هذا الشهر المبارك النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بالبركة، النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، يقول: «أَتَاكُمْ شَهْرٌ مُبَارَكٌ»، يصف بالبركة، البركة: كثرة الخير، كثرة الخير. إذن هذا الشهر شهر كثير خيره، خيره كثير. كيف لا والله عز وجل اختصه لهذه الفريضة أن تصاب، جعل أداء هذه الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام في هذا الشهر، في شهر رمضان، هذا يدل على فضيلة هذا الشهر وهذا الزمان، وأن فيه خيرا وبركة. وهكذا أيضًا ما جعل الله عز وجل كما سمعتم من أبواب المعينة على الإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى، من فتح أبواب الجنان وإغلاق أبواب النيران وتصفيد الشياطين، كل هذا من خيرية هذا الشهر ومن بركة هذا الشهر. هذه الأشياء لا توجد في غير شهر رمضان. في غير شهر رمضان الشياطين مطلقة، أبواب النار مفتوحة، وأبواب الجنة ربما مغلقة، لكن في رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، هذا من بركة هذا الشهر. فكيف يعني يحرم الإنسان نفسه من هذا الخير وهذه البركة، فلا يحسن استغلالها ولا يحسن اغتنامها؟ فلذلك ينبغي أن نحرص على إعمار أوقات هذا الشهر المبارك بطاعة الله سبحانه وتعالى. كما سمعت: المسلم الحريص اللبيب العاقل يرتب وقته، يرتب وقته في استقبال هذا الشهر، في الصيام، في الصلاة، في القيام، في قراءة القرآن، في الصدقة والإنفاق، في إعانة المساكين والمحتاجين، في كذلك عمل، إذا كان عنده عمل يرتب وقته مع العمل، فيجعل له برنامجًا يعني يملأه بطاعة الله سبحانه وتعالى، فيكون ممن يغتنم هذا الموسم العظيم العظيم، وينال هذه الأجور العظيمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم. فقلنا: المسلم يحرص على أن يكون من الغانمين لهذا الشهر المبارك، إذا أحسن استقباله وأحسن استغلاله وإعمار أوقاته في طاعة ربه سبحانه وتعالى. ويحذر أن يكون من الغارمين الخاسرين الذين يدخل عليهم رمضان ويخرج ولم يستفيدوا منه شيئًا، ولم تغفر ذنوبهم، ولم تزدد حسناتهم. هؤلاء لا شك أنهم قد خسروا هذا الموسم العظيم. ومن ذلك ما يقع من بعض المسلمين هداهم الله، تجد أنه يستقبل هذا الشهر، أول ما يستقبله بجمع أصناف الطعام والشراب والمأكولات، وربما يبالغ في شراء الأطعمة والمأكولات وأصنافها وأشكالها حتى يكون فوق الحاجة، وربما يعني ترتفع أو يزيد شراء هذه الأصناف وتزيد التجارة في هذه المأكولات، كأن رمضان شهر أكل وشرب، كأنه شهر أكل وشرب، همه أنه يأكل هذه الأصناف وهذه الأنواع، إذا أفطر يريد كذا وكذا وكذا، ما يفكر في أجر الصيام، أجر القيام، إلى آخره. هذا لا شك أنه خطأ. لا نحرم على الناس أمرًا مباحًا لهم، لكن يكون هذا تبعًا لا أصلًا، ويكون بقدر الحاجة، لا إفراط ولا تفريط. أو كذلك آخرون تجدهم يستقبل هذا الشهر بإعداد مواضع اللعب واللهو، مواضع اللعب واللهو، عنده شهر رمضان موسم من مواسم اللعب واللهو، فيجعل أوقاتًا ومواضع يلعب فيها الظمنة أو الورق أو نحو ذلك، ويسهر عليها طوال الليل إلى الفجر، وهو على لعب ولهو، ما يتخلل ذلك من سب أو شتم أو غيبة أو غير ذلك من المنكرات. وآخرون ربما كذلك يهيئون ملعبهم للعب الكرة أو كرة القدم أو كرة السلة، ويذهب الوقت والسهر فيها. وآخرون ربما يهيئون مجلس التخزين، عنده رمضان موسم للتخزين وأكل القات والصمر على ذلك، مع ما يتخلل ذلك من منكرات أخرى. هل هؤلاء غنموا هذا الموسم؟ الجواب: لا. ثم ما يترتب على ذلك ربما يسهرون إلى قرب الفجر، فيتسحر وينام، وضيع الفجر، والمحسن منهم من يصلي الفجر ثم ينام إلى ربما بعد العصر، ما يستيقظ إلا قريب المغرب. ماذا انتفعت من هذا الموسم؟ بل أوقعت نفسك بمنكرات عظيمة، تضيع للفرائض حتى يخرج وقتها، منكر عظيم. كيف تكون من الغانمين وأنت على هذا الحال؟ لا شك أن هذا غرم وخسارة.