الدرس في آداب القرآن 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يعتبر القرآن الكريم كلام الله المتين وصراطه المستقيم، ويتمسك به المسلمون لتحقيق العزة والنصرة، وقد حفظه الله من التحريف والتصحيف. يتحدث المقطع الأول عن هذه الأهمية وآداب التعامل مع القرآن.
يذكر الكاتب قصة يهودي حاول اختبار قدرة المسلمين وغيرهم على تمييز التحريف في الكتب السماوية، حيث فشل في خداع المسلمين عند محاولته تغيير القرآن بينما نجح مع أصحاب الكتب الأخرى. هذا يبرز تميز المسلمين في حفظ القرآن.
يعدد الكاتب فضائل قراءة القرآن الكريم وأجر القارئين له، مستشهدًا بأحاديث نبوية تظهر عظم ثواب قراءة القرآن، حيث أن كل حرف يُقرأ يُكتب به حسنة تُضاعف بعشر أمثالها. قراءة القرآن باجتهاد تُكسب القارئ أجرًا أكبر.
يتحدث المقطع الأخير عن أهمية التأدب مع كتاب الله، ويشير إلى نية التطرق لأهم المباحث المتعلقة بآداب التعامل مع القرآن الكريم، ويختم بالدعاء للنفس والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس ماضية انتهينا إخواني في الله من ذكر أهم مباحث آداب الدعاء، ومما يناسب ذكره كذلك في مثل هذه الأوقات من الآداب التي ينبغي العناية بها ما يتعلق بآداب القرآن، القرآن وهو كلام الله جل في علاه، وهو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، من تمسك به هدي، ومن اعتصم به فاز. القرآن والذي يعتبر من أعظم منة الله على خلقه، إذ جعل كلامه سبحانه وتعالى بين أيدينا، فما هناك كتاب أجمع للخير كله وأهدى للتي هي أقوم، ولم يشتمل لكل ما تحتاجه البشرية لما فيه سعادة الدنيا والآخرة بمثل هذا الكتاب الذي بعثه الله وأرسله الله إلينا، ففتح الله جل وعلا به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًا. القرآن هو كلام الله منه بدأ وإليه يعود، نزل به الروح الأمين على قلبي الصادق الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وذلك بأفضل لسان ألا وهو لسان العربي المبين، كما قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين﴾. فالقرآن إخواني في الله هو الكتاب الذي تحدى الله جل وعلا به العرب، القرآن الذي تحدى الله جل وعلا به العرب جميعًا على أن يأتوا بمثله أو يأتوا بعشر سور من مثله أو يأتوا بسورة، فما استطاعوا مع أنهم من الشعراء ومن الفصحاء ومن البلغاء، وقد قال سبحانه: ﴿قل إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾. هذا القرآن إخواني في الله الذي هو يعتبر من أعظم العوامل التي تؤثر على النفوس، وكيف لا فإن القرآن هو كلام الله، متى ما خالط النفس البشرية أثر فيها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وانظر يا عبد الله إلى حال الجن الذين وفقوا في جلسة واحدة إلى الاستماع لكتاب الله، فكيف أثر ذلك فيهم؟ ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾، رجعوا بالنذارة إلى أقوامهم تأثروا بما سمعوه في بقعة واحدة. بل هذا جبير بن مطعم وهو يحكي عن نفسه كيف لما كان مشركًا فسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾، قال جبير: كاد قلبي أن يطير، مع أنه مشرك، لكن لقوة بلاغته وتأثير القرآن وصل ذلك إلى سويداء قلبه، قال: كاد قلبي أن يطير. وكم سمعنا عن بعض من يحب أن يتطفل على المسلمين فيستمع لبعض آي القرآن، فإذا به يبكي، وذلك لعظيم تأثير القرآن على النفوس. القرآن إخواني في الله هو سبب من أسباب السؤدد والعزة والغلبة والنصرة، متى ما قام المسلمون بالتمسك به وبالعمل به، فإن الله سبحانه وتعالى يغير حالهم من حال الضعف والوهن إلى حال القوة والعزة. ولنا عبرة بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف كانوا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام كانوا رعاة غنم، لكن بفضل ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام من الوحي المنزل أصبحوا قادة أمم، وذلك بفضل ما كان من تمسكهم بما جاء عن الله سبحانه وتعالى. القرآن إخواني في الله هو الكتاب الذي تكفل الله جل وعلا بحفظه، فمنع من التصحيف وسلم من التحريف، مع أن أيدي الأوغاد من الكفار قديمًا وحديثًا حاولت أن تمتد إليه بأيديهم لكي يغيروا في ألفاظه وفي كلماته، لكن ذلك باء بالفشل. وهذا مصداق قول ربنا عز وجل: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. ومن طريف ما يذكر في هذا الباب ما ذكره البيهقي رحمه الله تعالى أن يحيى بن أكثم رحمه الله دعا يهوديًا للإسلام فلم يسلم إلا بعد سنة، فسأله يحيى عن سبب تأخر إسلامه، فأخبره بأنه في هذه الفترة قام بنسخ نسخًا من التوراة إلا أنه غير فيها وبدل، ثم ذهب بها إلى سوق الوراقين، فعرضت هذه النسخ المزورة والمحرفة من التوراة على أصحابها فخطفوها منه. قال: ثم عمدت إلى الإنجيل فغيرت وحرفت وصحفت فيه، ثم أخذت بهذه النسخ المحرفة والمزيدة إلى سوق الوراقين عند النصارى، فعرضت هذه النسخ عليهم فتخطفوها مني وأخذوها وقرأوها وعملوا بما فيها، وما استطاع أحد أن يميز الزيادات والتصحيفات التي فيها. قال: ثم عمدت إلى القرآن فغيرت فيه شيئًا يسيرًا، ثم ذهبت به إلى سوق الوراقين عند المسلمين، فعرضت هذه النسخ فأخذوها وفرموها في وجهي، فكان ذلك من عناية الله جل وعلا بحفظ كتابه أن جعل أهل الإسلام يميزون حتى العامي الذي اعتاد على قراءة القرآن لو قرأ القرآن وجد حرفًا واحدًا مختلفًا سرعان ما يتردد. هذا القرآن إخواني في الله الذي من مناقبه وفضائله ما جعله الله جل وعلا من الأجر الكثير لكل من أقبل عليه قراءةً وحفظًا وتدبرًا وعملًا بما فيه، هذا الكتاب إخواني في الله ليس كأي كتاب عادي. أنت تقرأ في يومك وليلتك ما شئت أن تقرأ من صحف ومن جرائد ومن مجلات ومن مناهج تعليمية في المدرسة في الوظيفة، تقرأ الإعلانات تقرأ ما شئت، لكن إذا جئت وقرأت شيئًا من القرآن هل يستوي هذا مع ذاك؟ لا فرق. فالله سبحانه وتعالى جعل لمن أقبل على كتابه فقرأ ولو الشيء اليسير كما سيأتي فيه من الأجر والثواب ومن علو الدرجات ومن كثرة الحسنات ما لا تخطر على بال. وكيف لا فهذا الذي بين أيدينا هو كلام الله سبحانه جعله الله بين أيدينا ليرى كيف نتعامل معه، وفضائل قراءة القرآن إخواني في الله كثيرة وكثيرة جدًا. وحسب الإشارة إلى بعض ما جاء في صحيح السنة من الفضائل المعدة لكل مسلم ومسلمة متى ما أقبل على قراءة القرآن، فمن ذلك ما جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي شفيعًا لأصحابه يوم القيامة»، يأتي شفيعًا يشفع لك. تعلمون ما سيعانيه الإنسان ويقاسيه في أهوال القيامة، وأنت يا عبد الله في هذا المعترك وفي هذه الشدة والكربة إن كنت من أهل القرآن فالقرآن يأتيك يشفع لك عند ربك ويطلب من الله جل وعلا أن يخرجك من هذه المضائق ومن هذه المآزق. هذا متى؟ إذا كنت من أهله كما قال نبينا: «اقرأوا القرآن إن كنت من أهل قراءته فإنه يأتي شفيعًا لأصحابه». وقال عليه الصلاة والسلام كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة وهي فاكهة طيبة ريحها طيب وطعمها حلو»، ريحها طيب وطعمها حلو. «ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو»، لا ريح لها وطعمها حلو. «ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر»، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر. فتأمل يا عبد الله في هذا التمثيل البديع من رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف مثل أحوال الناس وذلك على حسب ما يكون من إقبالهم على كتاب الله، فذكر لنا هذه الصور الأربع. ويكفينا ويهمنا الصورة الأولى منها وهو إن كنت يا عبد الله ممن حاباك الله بالإيمان ثم زينته بالقرآن فحالك كحال هذه الفاكهة التي جمعت بين حلو الطعم ومع طيب الريح، وإن لم تكن من أهل القرآن فأنت يا عبد الله دون ذلك، فأنت كالتمر نعم لها طعم الحلو لكن لا ريح لها. وقال عليه الصلاة والسلام: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كومًا وين في غير إثم ولا قطيعة رحم»، انظر لهذا الإخبار من رسول الله عليه الصلاة والسلام وهي مسألة فرضية. ما لو أن أحدكم طلب منه أن يذهب إلى مكان قريب إلى بطحان أو إلى العقيق، وما إن يذهب حتى يأتي معه بناقتين ليس كذلك بل كومًا وين فيها من المتاع وفيها من الزاد وفيها من الطعام ما تقر به الأعين، وحتى لا يكون أحد تختالجه الشكوك قال نبينا: وذهابك وإتيانك من غير إثم ولا قطيعة رحم، ما هناك أدنى شبهة في أن هذا سيكون حلالًا من وإلى. فقال الصحابة كلنا نبغي ذلك، ومن هذا الذي ينأى بمثل هذه الصفقة الرابحة تذهب ثم تأتي بهذا الخير الذي تقر به الأعين، فقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين»، وثلاث آيات خير له من ثلاث نوق محملة. قال: «وأربع خير له من أربع»، ومن أعدادهن من الإبل والباقي عندك كما تحب يا عبد الله تريد أن تزداد من هذا الخير من النوق زد أنت يا عبد الله قراءة وتعلمًا لآي القرآن، فالله لا يضيع أجر المحسنين. وهذا يدلك يا عبد الله على عظيم الأجر مع يسر العمل، ما عليك إلا أن تقرأ والقراءة ما تحتاج إلى شيء، لكن تحتاج إلى أمر واحد إلى المجاهدة، لأن هناك ما يحول بينك وبين كتاب الله سبحانه وتعالى، هناك ما يصرفك هناك ما يصدك هناك ما يعرضك عن كتاب الله جل وعلا. ولهذا جاهد فمتى ما أقبلت على كتاب الله تجد هذا الخير الذي أعده الله لعباده الصالحين. وأيضًا قال عليه الصلاة والسلام مبينًا فضل قراءة القرآن قال: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف»، رواه أبو داود والترمذي وحسنه شيخ الألباني من حديث عبد الله بن مسعود. فهذا الحديث فيه بيان لبركة القرآن العظيم أن ما من حرف تقرأه إلا كتبت لك به حسنة، والحسنة تضاعف هذا الأصل الحسنة تضاعف بعشر أمثالها، وأحيانًا المضاعفة بأعظم من ذلك على حسب حال العامل وعلى حسب الزمان والمكان كما قال بذلك المحققون من أهل العلم. لكن كونك تكتسب حسنة فالحسنة بعشر أمثالها، ومن مكان وجود الحسنة بكثرة في القرآن فالحرف الواحد حسنة والذي بعده حسنة، كم يترى في الصفحة الواحدة من الأحرف؟ احسبها إن كنت من أهل الحساب. وقد قام بذلك جماعة من أهل العلم قاموا بذكر الأرقام الحسابية في حساب الصفحة الواحدة والورقة الواحدة، ثم خرجوا بأنك إن قرأت الختمة كاملة فلك كذا وكذا من الملايين من الحسنات، وهل هذا أمر إخواني في الله يعني يستصعب؟ لا، هذا من فضل الله علينا. وأيضًا مما ثبت من فضائل القرآن ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة»، هذه الرتبة العلية من مكنه الله من المجاهدة على أن يتعلم القرآن بالنطق الصحيح واللفظ الصحيح ثم يسترسل في قراءته لا يستثقل ولا يستصعب فهذا مع السفرة الكرام البررة في الملأ الأعلى. قال: «والذي يقرأه وهو عليه شاق له أجران»، لكن بالمقابل الذي يضعف عن ذلك هل معنى ذلك أنه يحرم من الأجر؟ لا، بل يضاعف له الأجر مرتين. فهذا الكتاب إخواني في الله الذي جمع كما قلنا وأسلفنا على خير الدنيا والآخرة، وهذا في حق من أقبل عليه، ولا أشك إخواني في الله أن الإقبال على القرآن قراءة وحفظًا تحفه الكثير من الآداب. وقد ألف العلماء وصنف المصنفون الكتب الكثيرة المتعلقة بآداب القرآن، وإن شاء الله ونحن في مثل هذا المقام في مثل هذه الأوقات سنعرج كالعادة على أهم المباحث التي فيها التأدب العظيم مع كتاب الله حين الإقبال عليه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.