آداب القرآن 3

آداب القرآن 3

الدرس في آداب القرآن 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التغني والترتيل في تلاوة القرآن

يتناول هذا الفصل آداب تلاوة القرآن، مركزًا على التغني بتحسين الصوت والترتيل بقراءة القرآن على تمهل وتأني مع الالتزام بقواعد التجويد. يُشدد على أهمية عدم الاستهزاء بالقرآن وتحويله إلى غناء.

أحكام الجهر والإسرار في القراءة

يناقش هذا الفصل آداب تلاوة القرآن، حيث يشير إلى أهمية الترتيل وعدم العجلة، ويبين أن الجهر والإسرار بالقراءة يختلفان بحسب الموضع والنية. يُوضح أن أحيانًا يكون الجهر أفضل وأحيانًا يكون الإسرار هو الأفضل.

آداب الاستمرار في القراءة والانقطاع عنها

يُناقش هذا الفصل آداب تلاوة القرآن مثل عدم قطع القراءة إلا عند الضرورة، والانتهاء من الآية قبل التحدث مع الآخرين، وتأجيل الرد على المكالمات الهاتفية أثناء القراءة. كما يشدد على عدم الاستمرار في القراءة عند الشعور بالنعاس أو التثاؤب أو خروج الريح.

أحكام الوضوء أثناء القراءة

ينصح هذا الفصل بإعادة الوضوء لتحقيق الكمال فيه، ويجوز الاستمرار في القراءة إذا لم يكن هناك ما يبطل الوضوء. يُشدد على أهمية الانتباه لحالة الوضوء أثناء القراءة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروسٍ خاطب إخواني في الله، كان الشروع في ذكر أهم مباحث وآداب تلاوة القرآن، فكان مما مضى ذكره ما يتعلق بأمر الإخلاص، ثم ما كان من مسألة الطهارة، وثم ذكر السواك، وما كان من الاستعاذة، وهكذا ما يذكر من مسألة البسملة. وأيضًا مما يذكر إخواني في الله من آداب تلاوة القرآن ما يكون من أمر التغني به، فعن أبي لبابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن»، قال إمام النووي رحمه الله تعالى: والتغني بالقرآن بتحسين صوته. فأنت عندما تقرأ القرآن لا تجعل قراءتك للقرآن كأنك تقرأ أي كتاب، لا تقرأ مثل أي كتاب الكتب العادية تقرأه بما شئت بصوتك الطبيعي، لكن في تلاوتك للقرآن فإنه ينبغي أن تحسن من صوتك وذلك بالتغني به، أي بتحسين الصوت. وليس المقصود بالتغني من أخذ بهذه الكلمة بحذافيرها وجعلها غناء كما نرى من بعض المستهترين، حيث أخذوا يقرؤون القرآن على المعازف وعلى الأنغام وعلى أوتار الموسيقى، هذا استهزاء بالقرآن، ليس هذا المقصود، وإنما المقصود بقراءة القرآن أنك تحسن الصوت. وأيضًا مما ينتقد على بعض الناس في مسألة التغني بالقرآن أنه لربما يطلق لنفسه العنان بقراءة ما شاء من الأصوات، حتى تجده أنه يميل إلى مسألة التمطيط ويبتكر بعض المقامات، وقد أشار ابن الجزري رحمه الله تعالى في رسالة باسم التجويد، وذكر في أوائل كتابه رحمه الله ما يتعلق ببعض المقامات المبتكرة التي اخترعها بعض القراء. والذي به تنضبط القراءة الصحيحة يا عبد الله أن تلتزم بقواعد التجويد، وذلك بالتقيُّد بمسألة المدود وكم تعطى لها من مقادير، وهكذا مسألة الغنن وما يلحق بها من إخفاء وإظهار وإقلاب، ناهيك عن ضبط المخارج والصفات، بهذه القواعد يا عبد الله ستلتزم بالتغني الصحيح الذي يحبه الله جل وعلا من عبده أن يقرأ به القرآن. أما ما عليه الناس بأنه فقط يمطط حتى أن بعضهم دخل في اللحن الجلي فأخلى ببعض الحروف، بل وغير الحركات، فهذا لا ينبغي، فإذا من آداب تلاوة القرآن أن تتغنى فيه، أنك تحسن الصوت. لكن أحيانًا المتكلم يذكر آية قرآنية وهو في معرض الاستدلال بها أو الاستشهاد بها، كأن يكون المتكلم في درس أو يكون الواعظ في خطبة، فهل يشرع له التغني أيضًا؟ العلماء يقولون هنا في هذا المقام لا، لك أن تقرأ القرآن من غير التغني، تقرأه عادي كما قال الله جل وعلا: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾. والذي عليه كثير من العلماء لأن هذا ما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه في وعظه وفي استدلاله بالتغني في هذا الباب، وإنما الذي أثر عنه التغني عند التلاوة تلاوة للقرآن. كذلك مما يذكر إخواني في الله من مسألة آداب تلاوة القرآن ما يتعلق بقضية الترتيل، وهو أن القارئ والتالي لكتاب الله جل وعلا ينبغي أن يقرأ القرآن على تمهل، يقرأه على تمهل بتأني وتؤدة من غير عجلة ولا استعجال، وإنما يتأنى فيه، وهذا الذي أثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. كما جاء من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها نقلت لنا قراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان يقطع الآي، أي يقف عند رؤوس الآي فيقطعها، فنقلت مثلًا: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ يقف، ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقف، وهكذا قس، أي أنه كان يقف عليه الصلاة والسلام عند رؤوس الآي. ولهذا الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أتى بفائدة ذكرها في الإرواء بعد ذكره لهذا الحديث، قال: وهذه سنة تركها أكثر قراء زماننا، أي مما ترك هذه السنة فأكثر الناس الحذر والإسراع ويربط الآي بعضها مع بعض. إن استطعت يا عبد الله أن تلتمس هذه السنة فافعل، أنك تقف عند رؤوس الآي، قد يقول قائل: طيب في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ هل لي أن أقف عند قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾؟ الجواب: نعم لك أن تقف، قف عند هذه الآية، لكن لا تركع بها، فرق بين أنك من حيث التماس السنة قف عند هذه الآية: ﴿فويل للمصلين﴾. فالحاصل إخواني في الله فإن من هدي ومن آداب تلاوة القرآن أن تكون مرتلة، وهذا الذي أمر الله به وأرشد إليه، فقال سبحانه: ﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «بينه تبيينًا»، أي بأن تكون هذه الأحرف والآي والكلمات القرآنية واضحة بينة. قال أبو إسحاق رحمه الله تعالى: «والتبيين لا يتم بأن يعجل في القراءة»، أي مما يخرج عن نطاق الترتيل العجلة، لأن المستعجل في القراءة لن تتبين يا عبد الله أن تسمع من قراءته شيئًا، لكن عند الترتيل والقراءة بتمهل حين تستوضح هذه الكلمات التي ينطق بها التالي والقارئ لكتاب الله. وقد كره كثير من السلف العجل المفرطة في تلاوة القرآن، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلًا قال: «لقد قرأت المفصل في ركعة»، والمفصل هي السور القرآنية التي يكثر الفصل فيما بينها ببسم الله الرحمن الرحيم. فالحاصل أن هذا الرجل قرأ من قاف أو من الحجرات إلى آخر السورة، أي عدة أجزاء كيف قرأها في ركعة؟ قرأها في ركعة، تنبه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى هذه الفعلة، وأن هذا الرجل ما استطاع لذلك إلا عن سرعة، فقال ابن مسعود: «هذًا كهذ الشعر»، إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. كره هذه الفعل من هذا الرجل، ولهذا كره الكثير من السلف القراءة أن تكون بعجلة، وإنما عليك يا عبد الله أن ترتل القرآن ترتيلًا، تأتي مسألة هنا لو أن إنسانًا يريد أن يقرأ بسرعة بسرعة، لكن مع تطبيقه لأحكام التجويد بالمخارج والصفات إلى آخره لن يخل بالأحكام، هل له أن يسرع؟ هل له في ذلك وجه؟ الجواب: نعم. إذا كان استطاع من هذا الباب أن يضبط القواعد في النطق فلا شيء في ذلك، وعلى هذا ذكر ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، قال: والتحقيق أي في هذه المسألة أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، أي مزية، الإسراع له مزية في بعض الأمور والترتيل له مزية. كذلك مما يذكر إخواني في الله من آداب تلاوة القرآن ما يكون أن تكون القراءة بجهر وإسرار، أحيانًا تجد أن قارئًا يقرأ القرآن وقد رفع صوته، تدخل المسجد تسمع أنين وصوت رجل في هذه الزاوية أو في تلك الزاوية يقرأ القرآن بصوت مرتفع. وبالمقابل ربما تأتي إلى جوار أحد القراء وهو يقرأ بسر لا تسمع منه همسًا، يقرأ سرًا، إذن القراءة كيف تكون؟ تكون بالجهر أم تكون بالإسرار؟ الناظر إلى الأدلة الشرعية في هذا الباب يجد أن هناك أدلة تدل على الجهر وهناك أدلة تدل على الإسرار في القراءة. فمن أدلة الجهر ما جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به»، الشاهد: «يجهر به»، وهذا الحديث خرج مخرج المدح والثناء، وأن الإنسان يتأسى إن أعطاه الله حسن الصوت ويجهر به. وبالمقابل هناك ما يدل على أفضلية الإسرار كما جاء عند أبي داود بإسناد صحيح من حديث عقبة بن عامر قال عليه الصلاة والسلام: «الجاهر بالقرآن كالمجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، وأنتم تعلمون إخواني في الله في باب الصدقات أن الإنسان لو خير بين الجهر بالصدقة والإسرار بها فلا شك أن الإسرار أفضل. فأخبر نبينا أنه السر أفضل، إذن الحديث الأول فيه إشارة إلى أن الأفضلية الجهر بالقرآن، والحديث الثاني فيه بيان على أن الأفضلية الإسرار بالقرآن، فماذا قال العلماء؟ لا بد من الجمع، فجمع العلماء بين الدليلين وبين الأدلة بشكل عام في هذا الباب على أن الإسرار أحيانًا يكون الأفضل وهو المقدم، وأحيانًا يكون الجهر هو المقدم. وممن قام بعملية الجمع الإمام النووي رحمه الله تعالى، فذكر أن الإسرار في قراءة القرآن تكون في مواضع، منها خوف الرياء، والثاني أن يخشى الضرر على غيره، أي التشويش على غيره، فهذه الحالات مثلًا أشار إليها النووي، حينها سر بالقراءة. إن كنت تخشى على نفسك الرياء والسمعة أو أن الناس أصبحوا يستمعون إليك وأصبحت النية تختلف بدل من أنك تبتغي وجه الله أصبحت تطلب آذان المستمعين، هنا سر بالقرآن، أو كان في قراءتك تشويش على غيرك، وسيأتي هذا المعنى في باب المحاذير، كأنك تشوش على طارئ بجنبك أو على مصلي عندك، فلا تشويش سر بالقرآن. وما عدا هذه الحالات لك أن تجهر فترفع صوتك بالقرآن، هذا لا شيء فيه، بل هذا مما يمدح عليه صاحبه إن تخلت وإن خلت هذه المحاذير، فهذا إخواني لا التفصيل في هذا الأمر، أحيانًا ما تدخل الجمعة المساجد الجامعة وتجد المسجد ولله الحمد يضج بأصوات القراء. كذلك مما يذكر من آداب تلاوة القرآن وأختم به هذا المقام عدم قطع القراءة، أي عند قراءتك للقرآن لا تقطعها يا عبد الله، يعني أحيانًا يأتي التالي لكتاب الله جل وعلا فيقرأ فلربما يأتيه أحد الناس بكلام أو بأمر من الأمور فإذا به يغلق الختمة والمصحف ثم يلتفت إلى صاحبه ويتكلم معه، الأمر ليس بهذه السهولة. فقد أشار العلماء إلى هذه المسألة، وأنا من كمال الأدب مع كتاب الله جل وعلا أنك إن جاءك عابر إذا استطعت أن تنتهي من السورة بحيث يكون الختم منها قريب فذاك، وإلا انتهي من الآية فهذا أقل ما يقال، انتهي من الآية التي أنت تقرأ بها ثم التفت إلى صاحبك. إن كان لا بد من الكلام معه، أما أنك تقطع الآية في وسطها حتى تلتفت إلى فلان أو تتكلم مع فلان هذا ليس من كمال الأدب مع كلام الله جل وعلا، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر كما قال نافع: «أن ابن عمر كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه حتى ينتهي منه»، هذا من باب التعظيم والتبجيل لكلام الله. وقد أشار العلماء للتعليل في ذلك، كما أشار إلى ذلك الحليمي رحمه الله تعالى، قال: «لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام الله»، أنت لا مقبل على كلام الله فمن هذا الذي ينازع كلامه مع كلام الله؟ لا أحد، فإن كان ولابد عبد الله انتهيت من الآية التفت إلى صاحبك، انتهيت من كلامه ارجع إلى كلام الله تستعيذ بالله ثم تواصل القراءة. وهل يدخل في هذا ما يتعلق بالجوالات؟ الجواب: نعم، أنت تقرأ يأتيك جوال يرن، فانظر في نفسك أين أنت؟ فإن استطعت أن تؤخر أخر الجوال لا ترد عليه، وإن كان لا بد إذا انتظر حتى تنتهي من الآية ثم بعد ذلك عبد الله تتكلم مع صاحبك. كذلك مسألة وهي تتعلق بهذا المسألة، قلنا أن أحيانًا يكون قطع القرآن لهذا الظرف ولغيرها من الظروف محتمة عليك، وهي المسألة العاشرة في هذا الباب، أن الإنسان يقطع قراءة القرآن عند النعاس، هذا قد يقع مثلًا عند الظهيرة رجل جاء من عمله أحب أن يقرأ ورده من القرآن لكن وجد النعاس يغلبه. أو قام في الليل أحب أن يقرأ شيء من كتاب الله من حفظه أو من ذاكرته أو من مصحفه، فرأى أن النعاس يتغشاه، هنا يا عبد الله لا تسترسل في القراءة، وقد جاء في ذلك أحاديث منها ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد». ومثله جاء في مسلم من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدري ما يقول فليضجع»، التعليل في ذلك واضح لأن القرآن يا عبد الله إذا أنت ما استطعت أن تحيط بقراءتك شيئًا فلربما قدمت أو أخرت أو دخلت الحروف على بعضها. فلربما نطقت بأشياء ما ينبغي أن تنطق بها في كلام الله، فحين يا عبد الله أغلقت المصحف وأخذت لك قسطًا من الراحة حتى تستكمل قواك فهذا من الآداب الذي يذكره العلماء، ومن ذلك التثاؤب، تجد بعض الناس يقرأ ثم يفتح فاه وهو يقرأ، لا، فإن غلبك التثاؤب تثاؤب لكن اقطع القرآن حتى تنتهي من تثاؤبك ثم ارجع. وهكذا مثله لمن ربما يخرج منه ريح وهو في قراءة للقرآن، يخرج ريح وهو يقرأ، لا لا تستمر في القراءة، فصرح العلماء أنه من كمال الأدب مع كلام الله أنه لو غلبك خروج ريح فإنك تكف عن قراءة القرآن في تلك اللحظة، تكف عن قراءة القرآن ثم بعد ذلك قد جاءت مسألة التي قد ذكرناها في أوائل الدروس. إذ استطعت أن تقوم وتتوضأ وتعيد الوضوء حتى تتحصل على الكمال والتمام في هذا الباب فافعل، وإذا ما استطعت فلا بأس أن تواصل، وقد مر معنا أن النبي كان يقرأ القرآن ولا يمس ماء، لكن الذي نريده في هذا المقام أن هذا من الأوجه أن تكف عن استمرار القراءة متى ما خرج منك ريح أو غلبك نعاس أو كنت على تثاؤب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.