الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل فضل معاونتهم المسلمين وتنفيس كربهم والتيسير على المعسرين، ويبين جزاء هذه الأعمال في الدنيا والآخرة بأن الله يجزي عليها بالتفريج والتيسير والستر.
يناقش هذا الفصل مسألة الستر على المسلمين ويفرق بين من زل مرة واحدة وبين من هو مشتهر بالمعاصي، ويبين حدود نشر معاصي الفساق وكف شرهم مع التحذير من التشهير بغير حق.
يشرح هذا الفصل أهمية إعانة المسلم لأخيه وفضل الاجتماع لتلاوة القرآن، ويبين أن العمل الصالح والتقوى هما ما ينفعان يوم القيامة وليس النسب أو الحسب، مستشهدا بأمثلة من السيرة النبوية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين نووية، الحديث السادس والثلاثون: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه». رواه مسلم بهذا اللفظ. قال الشارح -حفظه الله-: هذا الحديث رواه مسلم دون البخاري، فهو من أفراده عنه. قد أخرجه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: قد ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أعمال مقرونة بذكر جزائها. فالعمل الأول: تنفيس الكرب عن المؤمنين في الدنيا، وجزاؤه أن ينفس الله عن عامله كربة من كرب يوم القيامة. وجعل جزاء هذا العمل مؤجلا إليها؛ لأنه أكمل في الإثابة. تنفيس الكرب: الكرب هي الشدائد، الأمور الشديدة التي تحصل للإنسان، فيحتاج إلى من يفرج عنه. من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، ينفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة؛ يعني أمرا شديدا من أمور يوم القيامة. وهذا جزاء عظيم؛ وجعل مؤجلا حتى يكون أعظم في الإثابة. كون الإنسان ينفس عنه في كربة من كرب الآخرة، هذا أعظم؛ مما يحتاج إليه من تفريج كربات الدنيا؛ لأن أمر الدنيا سهل، أمر زائل ومنتهي، بخلاف الآخرة؛ فهي موضع الجزاء، وموضع النجاة أو الخسارة والفوز أو الهلاك. قال: والعمل الثاني: التيسير على المعسر، وجزاؤه أن يسر الله على عامله في الدنيا والآخرة. انظروا هنا جعل الجزاء في التيسير على المعسر: أن الله عز وجل يسر عليه في الدنيا والآخرة. وفي تفريج الكرب، ما قال: فرج الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة؛ إنما جعلها في الآخرة فقط؛ لأن الكرب -كما سمعنا- تكون في الشدائد، وهذه من الأمور النادرة التي قد تحصل للإنسان في الدنيا، بخلاف أمر العسر؛ الأمر العسر قد يحصل للإنسان كثيرا في دنياه؛ يعني تصيبه عسرة في دين، أو في معيشة، أو في حصول مال، أو في حصول عمل؛ هذا شيء قد يحصل للإنسان كثيرا. فإذا يسر على معسر، كان الجزاء أن يسر الله عليه في الدنيا والآخرة؛ يسر الله عليه الشدائد التي قد تصيبه في الدنيا، فيسهلها الله، ويسرها الله جل وعلا له. وكذا أيضا يسر الله عز وجل عليه ما قد يعسر في الآخرة. التيسير على المعسر يكون بأمرين: الأمر الأول: بإنظاره، الصبر عليه، وإعطائه مهلة حتى يتيسر له السداد. كأن يكون عليه دين، فيأتي وقت السداد، وما عنده شيء، هو معسر؛ هذا الإنظار واجب، هذا التيسير واجب. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. هذا واجب. والنوع الثاني من التيسير: أنه يتجاوز عنه، يسامحه في هذا الدين، أو يخفف عنه شيئا منه؛ هذا مستحب. فإذا فعل ذلك، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. قال: والعمل الثالث: الستر على المسلم، وجزاؤه أن يستر الله على عامله في الدنيا والآخرة. من ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة؛ يعني ستره الله قد يستر الله عنه ذنوبه التي عملها في الدنيا؛ بسبب هذه المعاملة الطيبة التي كان يعامل بها المسلمين، من ستر عليهم، وعدم كشف عوراتهم، وفضحهم؛ فالله يستره يوم القيامة، مما عنده من ذنوب وخطايا وسيئات؛ فيستره الله جل وعلا. ستره الله في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا قد يصيبه شيء من مثل هذا البلاء، ومن مثل هذه الأخطاء؛ قد يقع فيها، لكن بسبب أنه كان لا يتتبع عورات المسلمين، ولا يكشف أخطاءهم؛ فيستره الله سبحانه وتعالى، ولا يعلم بذلك أحد إلا الله جل وعلا، ويتجاوز الله سبحانه وتعالى عنه بسبب ذلك. قال: والناس في باب الستر قسمان: أحدهما: من لا يعرف بالفسق، ولا شهر به؛ فهذا إذا زلت قدمه بمفارقة الخطيئة، وجب ستره، وحرمت إذاعة خبره. إنسان معروف بالصلاح والاستقامة، لكنه زل في مرة من المرات، ووقع في ذنب من الذنوب؛ فهذا لا ينبغي أن يشهر؛ يقال: فلان فعل كذا وكذا، فلان ارتكب الذنب الفلاني؛ فيشهر به، ويعني تظهر عورته للناس؛ لا، هذا ما يجوز، هذا ينبغي أن يستر، الواجب أن يستر، ولا يكشف؛ لأنه ليس هذا خلقا له، ولا ديدنه، وإنما حصل منه على سبيل غلبت الشهوة، وتزين الشيطان له؛ فمثل هذا لا يشهر. قال: والآخر: من كان مشتهرا بالمعاصي، منهمكا فيها، مستهترا بها؛ فمثله لا يستر، لا يستر عليه؛ بل يرفع أمره إلى ذي الأمر؛ لقطع شره، وزجره عن غيه، وإقامة حكم الله فيه؛ لأن هذا إذا ستر، وهو يعني مشهور بالمعاصي والذنوب، وارتكاب المحرمات؛ هذا إعانة له؛ أنت الآن إذا سترت عليه، معنى أنك تعينه على الاستمرار على هذا الحال من الفسق والمعاصي والذنوب؛ وربما يظلم ويعتدي ويبغي على الآخرين؛ فكونك تسكت عنه، ولا تبلغ عليه، ولا تظهر أمره للناس حتى يحذره؛ أنت بهذا تعينه على هذا الباطل؛ فمثل هذا يشهر؛ يشهر به حتى يحذره الناس، وحتى يعني يؤخذ بأمره إلى ما فيه إبطال؛ وكذلك سدا لهذا الشر الذي يحصل منه. قال: ويستباح من عرضه ما يتحقق به الغرض المذكور؛ وهو سد شره، وكف أذاه. قال: وما زاد فهو محرم؛ لبقاء أصل حرمة العرض في حقه؛ يعني ما زاد على المقصود من كف شره على الناس، وتأديبه؛ فإن هذا يعتبر من المأمور المحرمة؛ التي هي من الخوض في أعراض المسلمين بغير حق. قال: هذه مسألة مهمة؛ فمثلا لو أن إنسانا صاحب معاصي معروف في الحي، أي في القرية؛ أنه يعاقر الخمر، أي يشربها؛ فمررت مرة ورأيته ساقطا في الشارع، عند باب سيارته، ومعه قارورة خمر يحتسيها؛ يعني من شدة احتسائه للخمر وشربه لها سكر حتى أغمي عليه، وجدته ملقا عند سيارته؛ قال: فاتصلت على الجهة المخولة بذلك؛ يعني متابعة السكارى ونحو ذلك؛ قال: فرفعت أمره إليهم، وأخبرتهم بأنه يفعل كذا وكذا وكذا؛ فهذا الذي أخبرت عنه متعلقا بعرضه؛ نبأ عن فعله؛ جائز، لا إثم فيه؛ لتحقيق الغرض المذكور من حسم شره، وزجره عن غيه؛ هذا يحصل؛ يعني إخبارهم بما يفعل؛ هذا يحصل به المقصود من كف شره وأذيته. قال: فإذا عمدت بعد اتصالك وأمرهم لك، بأن تبقى في المكان حتى يأتوا؛ يعني بعد أن اتصلت بهم وأخبرتهم؛ قال: انتظر حتى نأتي؛ قال: عمدت إلى جهازك الجوال، ثم صورته على تلك الحال التي يرثى لها؛ يعني هو مغمي عليه، والقارورة بيده أو بجانبه، وهو في صورة يرثى لها؛ قال: ثم قبل أن يصل إليك، وإذا بك قد ملأت به الآفاق؛ سكران في حينا؛ يعني تنشر خبره في وسائل التواصل؛ انظر إلى هذا السكران، وجدنا في حينا، وفي منطقتنا؛ قال: ونشرته في تويتر، أو في غيره؛ يعني من وسائل التواصل؛ هذا من أعظم المحرمات، ولا يجوز للإنسان؛ لشدة حرمة عرض المسلم؛ يعني لا يجوز له أن يفعل هذا؛ يشهر به بمثل هذه الوسائل التي قد تصل ليس فقط إلى داخل البلد، بل إلى خارج البلد، وإلى كثير من بلاد العالم. قال: والعمل الرابع: سلوك طريق يلتمس فيه العلم، وجزاؤه أن يسهل الله لعامله طريقا إلى الجنة. وذلك الطريق هو في الدنيا: بالاهتداء إلى أعمال أهلها؛ الاهتداء إلى أعمال أهل الجنة؛ أن يوفقك الله إلى أن تعمل أعمال أهل الجنة؛ من فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، والمحافظة على الواجبات، والإكثار من نوافل العبادات. قال: وفي الآخرة: بالاهتداء إليها، بالمرور على الصراط؛ جعلنا الله وإياكم من أهلها آمين. إذا في الدنيا: بالتوفيق والاهتداء إلى أعمال أهل الجنة. وفي الآخرة: بالاهتداء إلى الجنة، بالمرور على الصراط؛ أن يمر على الصراط، وينجو من السقوط في النار؛ دخل الجنة. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. على أن المراد بالورود: المرور على الصراط. قال: أي طريق يسلكه الإنسان لطلب العلم؛ من سلك طريقا -طريقا نكرة بسياق الشرط وتفيد العموم- أي طريق سافر من بلده إلى بلد أخرى ليتعلم، خرج من منزله إلى المسجد يتعلم، جاء من دكانه أو متجره لأجل أن يتعلم؛ فإنه ينال هذا الأجر. من سلك طريقا يلتمس فيه علما؛ أي علما من علوم الشريعة؛ يتعلم علم اللغة، أو علم الفقه، أو علم العقيدة، أو علم الفرائض، أو علم المصطلح، أو علم الأصول، أو غيرها من علوم الشريعة؛ فهو نائل هذا الأجر بإذن الله؛ سهر الله له به طريقا إلى الجنة. قال: والعمل الخامس: الاجتماع في بيت من بيوت الله -وهي المساجد- على تلاوة كتاب الله وتدارسه، وجزاؤه: نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحف الملائكة، وذكر الله المجتمعين فيمن عنده. وهذه أجور عظيمة يتحصل عليها المسلم في مجالس العلم والذكر؛ أن تنزل السكينة؛ تجد يعني الهدوء، وانشراح الصدر في مجالس العلم. وهكذا غشيان الرحمة؛ أي رحمة الله جل وعلا تغشى الحاضرين في هذه المجالس. وهكذا تحف الملائكة؛ تحف الملائكة للذاكرين لله جل وعلا، والدارسين لكتاب الله، والمتفقهين في دين الله جل وعلا؛ تحفهم الملائكة، وتجتمع إليهم؛ وهذا تضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضا لما يطلب. ويذكر الله عز وجل هؤلاء المجتمعين فيمن عنده؛ يعني في الملأ الأعلى؛ في الملأ الأعلى؛ يفتخر الله سبحانه وتعالى بعباده هؤلاء المؤمنين الذاكرين له؛ الذين جلسوا في مجالس العلم والذكر. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»؛ بيان للأصل الجامع في العمل والجزاء؛ فالجامع لتلك الأعمال المتقدمة على هذه الجملة: إعانة المسلم أخاه. والجامع في الجزاء: إعانة الله عبده. والله في عون العبد؛ أي الله عز وجل يعين؛ يعين الإنسان، يعينه ويسدد أمره، ويسدد أفعاله، ويعينه في حياته، في أمور معاشه، في كل أمر من الأمور التي يحتاج فيها إلى إعانة؛ يجد التوفيق، ويجد الإعانة من الله سبحانه وتعالى في فعلها، وفي تحصيلها، وفي إيجادها. ما كان العبد في عون أخيه؛ يعني ما كان الإنسان يعاون أخاه المسلم، ويقف بجانبه عند الحاجة إليه، وعند الشدائد، وعند الكرب؛ فيجد أن الله عز وجل يجازيه بأن يكون معينا له في أموره. قال: ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». قال: إعلاما بمقام العمل؛ وأن من وقف عن بلوغ المقامات العالية في الآخرة، فإنه لا يبلغها بمجرد نسبه. فإن النسب لا يزكي أحدا، ولا يقدسه؛ يعني من ترك العمل، اتكالا على النسب؛ يكون من أهل النسب؛ كأن يكون من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مثلا؛ فيقول: يكفي أني يعني من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لي الشرف في ذلك؛ فلا أحتاج أن أعمل، ما أحتاج أن أحافظ على الواجبات، ولا أن أكثر من نوافل الطاعات، ولا أن أجتنب المحرمات؛ فهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بطأ به عمله»؛ يعني ما عمل العمال التي تكون سبب في بلوغه المقامات العالية، والدرجات الرفيعة؛ التي بها ينال الجنة، وينجو من النار. «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه»؛ هذا النسب ما ينفعه؛ هذا النسب لن ينجيه من النار، ولن يدخله الجنة إلا أعماله. قال: ماذا نفع نسب أبي لهب، وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام؛ عمه، ومع ذلك هو في النار؛ وأنزل الله عز وجل سورة، وآيات تتلى إلى يوم القيامة في ذمه، وبيان أنه من أهل النار. ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. هكذا عم أبو طالب؛ كذلك ما نفعه نسبه، وهو لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. إذا النسب ما ينفع؛ الذي ينفع الإنسان هو العمل. انظر إلى بلال الحبشي؛ ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم نسب؛ لكن كان مؤمنا، كان مسارعا في فعل الخير. وهكذا سلمان الفارسي؛ نعم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه بالجنة؛ يقول لبلال: «أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فلقد سمعت دفنك عليك بين يدي في الجنة». يقول هذا لبلال الحبشي رضي الله تعالى عنه: إن الذي ينتفع به الإنسان هو العمل؛ أما النسب فلا يغني عن صاحبه شيئا. قال: وكما قيل: لا عليك بتقوى الله في كل ساعة، ولا تترك التقوى اتكالا على النسب. لقد رفع الإسلام سلمان فارسيا، كما وضع الكفر النسيب أبا لهب. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.