الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 37، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث السابع والثلاثين من الأربعين النووية، حيث يروي ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويوضح معنى كتابة الحسنات والسيئات. يبين الفرق بين الكتابة القدرية والشرعية.
يشرح الحديث أربع أحوال للعبد مع الحسنة والسيئة، حيث يكتب الله له حسنة كاملة إذا هم بالحسنة ولم يعملها، ويضاعف الأجر إذا عملها. يبين كيفية كتابة السيئة والأجر بناءً على الفعل والنية.
يتناول أقسام الهم بالسيئة، حيث يبين أن ترك السيئة خشية الله يُكتب له حسنة، بينما الهم بالسيئة مع العزم عليها قد يُؤاخذ عليه الإنسان. يبين ثواب من هم بسيئة ثم تركها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام زكريا يحيى شرف النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية»: الحديث السابع والثلاثون، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة». قال: رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف. فانظر يا أخي، وفقنا الله وإياك، إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ. وقوله «عنده» إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله «كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها. وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها: «كتبها الله عنده حسنة كاملة»، فأكدها بكاملة. وإن عملها كتبها الله سيئة واحدة، فأكد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة. فلله الحمد والمنة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق. قال الشارح - فقه الله -: هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، كما قال المصنف، فهو من المتفق عليه. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات»، المراد بالكتابة هنا الكتابة القدرية دون الشرعية؛ لأن المكتوب شرعا هو الحسنات دون السيئات، فهي التي يؤمر بها الخلق. والفرق بين الكتابتين أن الكتابة القدرية هي ما أراد الله عز وجل وقوعه كونا وقدرا. ما أراد الله عز وجل وقوعه كونا وقدرا فقد يكون مما يحبه الله ويرضاه، مثل الذنوب والمعاصي والسيئات، فهذه أرادها الله عز وجل كونا، وكتبها الله سبحانه وتعالى كونا، وهو لم يأمر بها؛ لأنه لا يحبها ولا يرضاها، كما قال جل وعلا: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. فالله عز وجل لا يحب المعاصي والذنوب، لكن أرادها كونا، أرادها كونا أن تقع، ولم يردها شرعا، فكتابتها من الكتابة القدرية. والكتابة القدرية للحسنات والسيئات تشمل أمرين: أحدهما كتابة عمل الخلق لهما، والآخر كتابة ثوابهما إذا عمل. كتابة عمل الخلق يعني: كتب الله الحسنات والسيئات، أي كتب عمل الخلق للحسنات والسيئات: أن هذا يعمل الحسنة، وهذا يعمل السيئة. أو يراد كتابة الثواب: ثواب الحسنات وثواب السيئات. قال: وكلهم ما حق إلا أن السياق يدل على أن المراد في الحديث هو الثاني، يعني كتابة الثواب على الحسنات والسيئات، قال: لقوله «ثم بين ذلك» فذكر الثواب. إذن المراد بالكتابة هنا كتابة ثواب الحسنات والسيئات. قال: والحسنة اسم لكل ما وعد عليه بالثواب الحسن، وهي كل ما أمر الشرع به، فتندرج الفرائض والنوافل في اسم الحسنة. يعني يشمل الحسنة الفرائض والواجبات، كالصلوات الخمس، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، إلى آخر ذلك من الواجبات والفرائض، ويشمل كذلك النوافل والمستحبات؛ لأنها من الحسنات التي يثاب عليها الإنسان. قال: والسيئة اسم لكل ما توعد عليه بالعقاب، وهي كل ما نهى الشرع عنه نهي تحريم، فتغتص السيئة بالمحرم دون سائر المنهيات؛ لأن النهي قد يأتي ويراد به الكراهة. والأصل في النهي أنه للتحريم، هذا الأصل، لكن قد يأتي الصارف الذي يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة. قال: والعبد بين الحسنة والسيئة لا يخلو عن أربع أحوال: الحال الأولى أن يهم بالحسنة ولا يعمل بها، فيكتبها الله عنده حسنة كاملة. والمراد بالهم هنا هو هم الخطرات لا هم الإصرار الذي هو العزم الجازم. فإذا خطر في القلب فعل الحسنة كتب الله عز وجل له حسنة كاملة. قال: والحال الثانية أن يهم بالحسنة ثم يعمل بها، فيكتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. الحال الثانية أن يهم أن يهم بالحسنة ثم يعملها، يحدث نفسه أنه يصوم الاثنين والخميس ثم يصوم، فيضاعف له الأجر من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. قال: والحال الثالثة أن يهم بالسيئة ويعمل بها، فتكتب سيئة واحدة مثلها من غير مضاعفة. أن يهم بالسيئة ويعمل بها، أن يعمل بهذه السيئة، وهذا الذنب يخطر على باله أن يفعل سيئة ثم يعملها، مثلا هم في باله أن يكذب على فلان من الناس فكذب، هذه سيئة، فتكتب سيئة واحدة، تكتب سيئة واحدة، ما تضاعف السيئات. قال: والحال الرابع أن يهم بالسيئة ثم لا يعمل بها، وهذه الحال معترك أنظار ومختلف أفكار بين أهل العلم. أن يهم بالسيئة ثم لا يعمل بها، هل يؤاخذ أو لا يؤاخذ؟ قال: وترجح ما فيه أن يقال: إن ترك العمل بالسيئة يكون لأحد أمرين: أولهما أن يكون الترك لسبب دعا إليه، وثانيهما أن يكون الترك لغير سبب، بل تفتر عزيمته من غير سبب منه. فالأول، يعني أن يكون الترك لسبب دعا إلى ترك السيئة، قال: هو ترك السيئة لسبب داع ثلاثة أقسام. فالقسم الأول: أن يكون السبب خشية الله، فتكتب له حسنة. إنسان هم بالسيئة، هم أن يسرق، ثم تذكر اطلاع الله عز وجل عليه، ومقام الله عز وجل العظيم، فخاف من الله عز وجل، فترك فعل هذه السيئة، فهنا تكتب له حسنة؛ لأنه ترك هذه السيئة لله. قال: القسم الثاني: أن يكون السبب مخافة المخلوقين أو مرآتهم، فيعاقب على هذا. أن يكون ترك فعل المعصية خوفا من الناس، ليس خوفا من الله، خوفا من الناس أن يروه فيتكلموا عليه أو يفضحوه أو نحو ذلك، نعم، فهنا يعاقب؛ لأنه ما تركها لله. قال: القسم الثالث: أن يكون السبب عدم القدرة على السيئة مع الاشتغال بتحصيل أسبابها، فهذا يعاقب كمن عمل وتكتب عليه سيئة. ودليل هذا حديث أبي هريرة في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ يعني هذا القاتل قد قتل وسفك الدم، فما بال المقتول أن يكون كذلك في النار وهو قد قتل وسفك دمه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». هو كان يريد يقتل، لكن ما الذي منعه من القتل؟ كونه قتل، فلما قتل أصبح عاجزا عن القتل، فصار مشاركا للقاتل في الإثم وفي الذنب. قال: وأما ترك السيئة لغير سبب، فهو قسمان: القسم الأول: أن يكون الهم بالسيئة هم خطرات، فلم يسكن قلبه إليها ولم يعقد عليها، بل نفر منها، فهذا معفو عنه، وتكتب له حسنة جزاء عدم سكون قلبه إليها ونفرته منها، وهو المذكور في الحديث في قوله: «وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة». يعني خطر في باله أن يفعل السيئة، أن يسرق أو يكذب أو يغتاب أو ينم أو يزني، يعني حدث نفسه بذلك، ثم قال: لا، يعني هذا أمر محرم، كذا الله عز وجل مطلع عليه، وترك خوفا من الله، هذا تكتب له حسنة. قال: فجميع أهل العلم على المؤاخذة به أيضا، وهو اختيار المصنف، وابن تيمية الحفيد، والله أعلم، وهو الصحيح كما مر معنا. يعني فيمن هم وعجز عن الفعل، فهو كذلك في هذه الصورة، إذا هم وصمم على فعل السيئة، لكن لم يفعل، فهو يؤاخذ على ذلك؛ لأن عنده نية وعزيمة صادقة، وإصرار على أنه يفعل هذا الذنب، فهذا يؤاخذ، ويكون هذا من أعمال القلوب التي يؤاخذ عليها الإنسان. أما مجرد يعني هم الخاطرة الذي يخطر على القلب من غير عزم، فهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان. وإذا هم بسيئة ثم تركها وتراجع عن الهم بها، تكتب له حسنة كما مر. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.