بواعث الخلاص من الذنوب 3

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية محبة الله في العبودية

يتناول أهمية محبة الله سبحانه وتعالى في تحقيق العبودية الكاملة له، حيث يعتبر الحب والذل ركنين أساسيين في العبادة. قوة محبة العبد لله تؤثر مباشرة على درجة عبوديته وانقياده لأوامره واجتنابه نواهيه.

تأثير الذنوب على محبة الله

الذنوب والمعاصي تضعف حب الله في قلب العبد وتفوت عليه حظه من محبته. المحبة الصادقة لله تستلزم اتباع أوامره واجتناب نواهيه كما دلت على ذلك الآية الكريمة.

حقيقة المحبة والاتباع لله ورسوله

حقيقة المحبة تكون في الاتباع، ومن يدعي محبة الله أو النبي ثم يخالف أوامرهما فهو كاذب في دعواه. الاتباع والطاعة هما دليل المحبة الحقيقية.

دور المحبة في تعزيز العبودية والخلاص من الذنوب

محبة الله تعزز عبوديته وتقويها وتدفعه للابتعاد عن الذنوب والمعاصي. كلما زادت محبة العبد لربه، زادت عبوديته لله وابتعد عن المعاصي.

  • 25 جمادى الأولى 1443هـ - 29/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثاني مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته، وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد. قال التعليق الثاني من هذه البواعث -أي التي تبعث على الخلاص من الذنوب والانفكاك منها- قال: محبة الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ وهذه الآية ذكرت في السياق محبة المشركين لأندادهم، قال الله جل وعلا: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ أي أن أهل الإيمان والمؤمن حقا فإنه لا يقدم شيئا ولا أحدا في المحبة على الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن عنده أحب المحبوبات إليه وأعظمه هو الله سبحانه وتعالى. والذين آمنوا أشد حبا لله، وهذا من كمال إيمان العبد وكمال تعبده؛ لأن حقيقة العبودية هي الحب، هي الحب والذل. قال ابن القيم رحمه الله: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان». ولهذا يقال: الأرض المذللة المهيئة للسير على ظهرها أرض معبدة، أرض معبدة. ولهذا يوصف الإنسان بوصف العبودية، فيقال: هذا عبد لله، بمعنى أنه ذليل لله جل وعلا، منقاد لأوامره، مجتنب نواهيه، محب له. فكلما كملت محبة العبد لله جل وعلا في قلب العبد، كملت عبوديته لله سبحانه وتعالى، فإذا أحبه ذل له، وانقاد له، وخضع لأوامره، واجتنب نواهيه. وإذا ضعفت هذه المحبة في القلب، ضعفت العبودية عند هذا الإنسان. قال: فإذا أشغل العبد قلبه بحب الله سبحانه وتعالى، صرفه هذا الانشغال عن الوقوع فيما يغضبه عز وجل؛ لأن المعاصي والذنوب تفوت على العبد حظه ونصيبه من محبة الله عز وجل، يعني: إذا كان الإنسان يقع في الذنوب والمعاصي فإنه بهذا يضعف حبه لله، ويضعف حب الله جل وعلا في قلبه. الذنوب والمعاصي تفوت على العبد حظه ونصيبه من محبة الله؛ لأنه لو كمل حبه لله لاجتنب الذنوب والمعاصي ولزم طاعة الله سبحانه وتعالى. قال: لأن المعاصي والذنوب تفوت على العبد حظه ونصيبه من محبة الله عز وجل له، بحسب ما وقع فيه من الذنوب والخطايا، بمعنى أنه كلما أكثر من الذنوب والخطايا كلما ضعف حب الله جل وعلا في قلبه، فبقدر ارتكابه للذنوب والمعاصي يكون ذهاب الحب من القلب. قال: ولأن المحبة الصادقة لله عز وجل مستلزمة لامتثال أوامره واجتناب ما يسخطه، كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ قل: أي يا محمد، الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام لمن يدعي محبة الله. ولهذا قال: أو روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال في هذه الآية: «إن أقواما ادعوا محبة الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾ يعني حقا ﴿فاتبعوني﴾ أي فاتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم طاعته واجتناب معصيته وتصديق أخباره والإيمان به ﴿يحببكم الله﴾ أي إن اتبعتم النبي عليه الصلاة والسلام حصلت لكم هاتان الخصلتان، وهاتان الفضيلتان: يحببكم الله، تحصل لكم محبة الله، وكذلك أيضا الخصلة الثانية: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ وتحصل لكم مغفرة الله. مفهوم المخالفة هذا منطوق الآية، أن من أراد أن ينال محبة الله جل وعلا فعليه باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام. مفهوم المخالفة أن من لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فلن ينال محبة الله، إذا لم يتبع النبي عليه الصلاة والسلام الاتباع الصحيح فإنه لن ينال محبة الله جل وعلا، وكذلك أيضا لن ينال مغفرة الله جل وعلا. ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ فدلت الآية على أن حقيقة المحبة تكون في الاتباع، حقيقة المحبة تكون في الاتباع. فالذي يدعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام ثم يخالفه في سنته وفي دينه وفي شرعه هذا كاذب في اتباعه، كاذب في دعوى محبته، وهكذا من ادعى محبة الله ويقول: أنا أحب الله جل وعلا، ثم يعصيه ويخالف أوامره ويرتكب نواهيه، هذا كاذب في دعواه، دعواه محبة الله سبحانه وتعالى؛ لأن حقيقة المحبة إنما تكون في الاتباع، دليل المحبة ودليل صدق صاحبها هو بالاتباع. ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ إذن من وقع في الذنوب والمعاصي وأكثر من فعلها أو أقل أو قلل، دل هذا على ضعف محبة الله في قلبه؛ لأن دليل المحبة هو الاتباع، والله يأمرك بطاعته وينهاك عن معصيته، فكيف تتجرأ على محارم الله وترتكب المعاصي ثم تدعي أنك تحب الله جل وعلا؟ قال: ولذلك قيل: «تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع، لو كان حبك صادقا لأطعته، إن المحبة لمن يحب مطيع». هذه الآيات أشار المصنف -فقه الله- إلى أنها تنسب إلى جماعة من أهل العلم، منهم الإمام الشافعي، وكذلك الإمام ابن المبارك. نعم، هذه الأبيات تدل على هذا المعنى: «تعصي الإله وأنت تظهر حبه، كيف تظهر محبة الله وتدعي محبة الله وأنت تعصيه وتخالف أوامره وترتكب نواهيه؟ تعصي إله وأنت تظهر حبه هذا محال في القياس بديع، ما يمكن ذلك، ما يجتمع إدعاء المحبة والوقوع فيما يخالفها ويناقضها». قال: «لو كان حبك صادقا لأطعته»، هذا هو دليل المحبة: الاتباع والطاعة والاستجابة والانقياد. لو كان حبك صادقا لأطعته، لماذا؟ «إن المحبة لمن يحب مطيع»، هذا لذلت عليه الدلائل، وعرف بالواقع أن من أحب أحدا أو شيئا اتبعه ولم يعصه، فكيف تدعي محبة الله جل وعلا ثم أنت تعصيه وتخالف أوامره؟ إذن هذا الباعث الثاني من بواعث الخلاص من الذنوب هو تحقيق العبد في قلبه محبة الله سبحانه وتعالى، فكلما قويت محبة العبد لربه كلما قويت عبوديته لله، وكذلك كان ذلك أدعى إلى البعد عن الوقوع في الذنوب والمعاصي، وكذلك اجتناب أسباب غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يملأ قلوبنا جل وعلا محبة الله وتعظيما، وكذلك استجابة لأوامره وبعدا عن نواهيه، سبحانه وتعالى إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.