بواعث الخلاص من الذنوب 4

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشهد النعمة والإحسان ودوره في الخلاص من الذنوب

يشرح المقطع كيف أن مشهد النعمة والإحسان يكون دافعًا للخلاص من الذنوب، حيث يشعر العبد بنعم الله عليه ويحذر من الإساءة بعد الإحسان. يُذكر أن الكريم يقابل الإحسان بالإحسان.

الخصال الخمس لمنع الوقوع في المعصية

يتم توضيح خمس خصال لزجر النفس عن المعاصي، وهي عدم أكل رزق الله، وعدم السكن في بلاده، وعدم العصيان في مكان لا يراك الله فيه، وعدم مقابلة الله بالعصيان بعد نعمه، وعدم الإصرار على المعصية مع علمه برؤية الله له.

التوبة والخلاص من الذنوب وتأثير التسويف

يتم مناقشة إمكانية التوبة والخلاص من الذنوب من خلال قصة بين إبراهيم بن أدهم وشاب، حيث يظهر استحالة التوبة في بعض الحالات، مما يقنع الشاب بالتوبة والاستغفار ويبرز خطورة التسويف في التوبة.

أهمية التوبة والإنابة والتوفيق لطاعة الله

يتم التأكيد على أهمية التوبة والإنابة للابتعاد عن الذنوب، مع الإشارة إلى الخصال الخمس المساعدة على ذلك، ويتضمن الدعاء للتوفيق لطاعة الله والابتعاد عن أسباب سخطه وعقابه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف حفظه الله في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثالث مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يعامل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، يعني الذي يقابل الحسنة بالسيئة هذا اللئيم الذي لا يعرف فضل الإحسان والإنعام. وأما الكريم فإنه يقابل الإحسان بإحسان، وكما قيل: إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرد. قال: فليمنعه مشهد إحسان الله ونعمته عن معصيته، حياء منه، أي الإنسان الذي أكرمه الله وأنعم عليه وأحسن إليه، فينبغي أن يستحي أن يعصي الله جل وعلا، وقد من عليه بالنعم وتفضل عليه بالإحسان والفضل. قال: أن يكون خير الله وإنعامه نازلا إليه، ومخالفته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فملك ينزل بهذا، وملك يعرج بهذا، يعني ملك ينزل بالنعم والفضل والإحسان، وملك يصعد بأعماله القبيحة السيئة المليئة ذنوبا وخطايا وسيئات. قال: فأقبح بها من مقابلة. قال المعلق وفقه الله: التعليق: الأمر الثالث من هذه البواعث نعم الله سبحانه وإحسانه. قال: فيستشعر العبد نعم الله عز وجل الكثيرة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعَمَ اللَّهِ، أي جميع النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها على العبد، فإنه لا يستطيع أن يحصيها لكثرتها وتعددها واختلاف أنواعها. قال: فيحذر أن يقابل هذا الإحسان بالإساءة، لأنك إذا ارتكبت المعصية وخالفت أمر الله ووقعت فيما نهى الله سبحانه وتعالى، فقد قابلت الإحسان بالسيئة، الله ينعم عليك بالنعم ويحسن إليك حتى تشكر نعمه وتقوم بعبادته وطاعته، ثم تقابله بالعصيان وتقابله بالوقوع فيما يغضبه سبحانه وتعالى. قال: فالله عز وجل يسبغ عليه النعم وهو يقابلها بالإساءة والمعصية. قال: وقد ذكر الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله -وهو شيخ الحنابلة- في كتابه التوابين قصة عن إبراهيم بن أدهم -وهو أحد العباد الزهاد من أهل الصلاح، وهو من أبناء الملوك الذين تركوا الملك وأقبلوا على العبادة والزهد ورضوا باليسير من متاع الدنيا رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى- قال: أنه جاءه رجل فقال له: يا أبا إسحاق، إني مصرف على نفسي -أي بالذنوب والخطايا- يقول: إني مصرف على نفسي، فأعرض علي ما يكون لها زاجرا ومستنقذا لقلبي -أي انصحني ووجهني واذكر لي شيئا يكون سببا في إقلاعي عن الذنوب والإقصار عنها-. فقال له: إن قبلت خمس خصال -وهذا حال بعض الناس، ربما لجهله، وكذلك لقلة وضعف إيمانه وغفلته وإقباله على الدنيا يكون حاله كحال هذا الرجل الذي يسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب فيما يتعلق ببصره أو فيما يتعلق بسمعه أو فيما يتعلق بفرجه أو فيما يتعلق بماله وكسبه أو غير ذلك من أنواع الذنوب والخطايا- فما أحوج من كان كذلك إلى مثل هذه النصيحة وهذه الموعظة البليغة في هذه العبارات المختصرة، وهذه كذلك التوجيهات المعتبرة التي ينتفع بها العبد بإذن الله جل وعلا إذا تمعن فيها واتعظ بها. قال: فقال له: إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك معصية ولم توبك لذة، هذه الخمس الخصال يقول: إذا قبلتها وعملت بها وغلبت نفسك على فعلها والمحافظة عليها لم تضرك معصية، كلما جاءتك معصية ودعتك نفسك إلى الوقوع فيها تذكرت هذه الخصال الخمس، فإنها ستترفع وكذلك تتجنب الوقوع في هذه المعصية والذنب. قال: هاتي يا أبا إسحاق. قال له: أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه، لا تأكل رزقه هذا الرزق الذي تأكله والطعام الذي تطعمه والشراب الذي تشربه من الذي رزقك إياه ومن الذي من به عليك؟ أليس الله سبحانه وتعالى؟ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، لو شاء الله عز وجل جعل هذا الماء ملحا مالحا لا يستساغ شربه، كيف سيفعل العبد في شربه للماء وإطفاء عطشه لولا أن يشكر الله جل وعلا؟ يقول: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل رزقه. قال الرجل: فمن أين آكل وكل ما في الأرض من رزقه؟ كل ما في هذه الأرض من طعام ومأكولات ومشروبات هي من رزق الله سبحانه وتعالى. فقال له: يا هذا، أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ هل هذا من فعل الكرام؟ ومن فعل أهل الإحسان؟ الله عز وجل ينعم عليك بالنعم ويمن عليك بالرزق، ثم تقابله بالعصيان. قال: أفيحسن أن تأكل رزقه وتعصيه؟ قال: لا. قال: هاتي الثانية. قال إبراهيم: وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده -يعني من الأرض- قال الرجل: هذه أعظم من الأولى، إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما ملكه، فأين أسكن؟ كل ما في هذه الأرض من مشرقها إلى مغربها هو ملك لله سبحانه وتعالى رب المشارق والمغارب. يقول: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده، إذ فعصه في بلد غير بلده، وأن له ذلك. الله عز وجل من عليك بالحياة في هذه الأرض وهذه المعمورة، ثم تقابله بالعصيان. قال إبراهيم: يا هذا، أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه؟ هل هذا يحسن؟ هل هذا يحسن أن تقابله بهذه المعاملة وهذه المقابلة؟ وهذه المقابلة تأكل من رزقه وتسكن في أرضه، ثم تعصيه وتخالف أمره. قال: لا. قال: هاتي الثالثة. قال إبراهيم: إذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده، فانظر موضعا لا يراك فيه مبارزا له، فاعصيه فيه -أي اختر موضعا أنت الآن تأكل من رزقه وتسكن في بلاده وأرضه، فإذا أبيت إلا أن تعصيه والحال كما ذكر أنك تأكل من رزقه وتسكن في أرضه، فانظر موضعا لا يراك فيه أحد، لا يراك فيه أحد ولا يطلع عليك الله سبحانه وتعالى، فإن استطعت ذلك فعصه- فقال الرجل: كيف هذا وهو مطلع على ما في السرائر؟ إذا كان لا يخفى على الله عز وجل ما في سرائر الناس وما في قلوبهم وأفئدتهم، فكيف يخفى عليه ما قد ظهر منهم؟ وهو القائل جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وهو القائل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، نعم، وهو القائل جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. قال: يا هذا، أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن أرضه بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره به؟ قال: لا، بلا شك أن هذا لا يحسن أن يفعله الإنسان، الله أنعم عليه بالرزق ومن عليه بالسكنة في أرضه، وهكذا هو مطلع عليه وعالم بأحواله، فكيف يقابله بمجاهرة بالمعصية؟ قال: هات الرابعة. قال إبراهيم: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك، فقل له: أخرني حتى أتوب توبة نصوحا وأعمل لله عملا صالحا. فقال: لا يقبل مني -أي ملك الموت- ما يقبل هذا. يقول: إذا أردت أن تعصيه والحال كما ذكر أنك تأكل من رزقه وتسكن في بلاده وهو مطلع عليك وعالم بحالك، فإذا أردت -ولا بد أن تعصيه- فإذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك، قل له: انتظر، انتظر حتى أتوب توبة نصوحا وتوبة صادقة، وأحسن في معاملتي مع ربي جل وعلا، هل هذا ممكن؟ الجواب: لا شك أنه لا يمكن، فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال: لا، لا يقبل مني. لا يقبل ملك الموت ذلك. قال: يا هذا، فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب وتعلم أنه إذا جاءك لم يكن له تأخير، فكيف ترجو وجه الخلاص؟ وهذا للأسف حال كثير ممن يرتكب الذنوب والخطايا، يقول: إن شاء الله أتوب في المستقبل، أو إذا مردت أو كبرت في السن سأتوب وأحسن العمل وأجدد ما قد فات من العمر. هل أنت تضمن أول الحياة حتى تصل إلى هذا العمر؟ ثم إذا جاءك الموت بغتة، هل تستطيع أن تمنعه حتى تتوب وتحسن من حالك ومن أعمالك؟ الجواب: لا، ما هذا إلا من تسويف الشيطان حتى يجعلك تستمر في غفلتك وتستمر في طغيانك. يقول لك: الله غفور رحيم، تب فيما بعد، أنت ما زلت صغيرا، ما زلت شابا والحياة معك طويلة، إذا كبرت في السن لزمت المساجد وحافظت على الفرائض وتبت، والله عز وجل غفور رحيم. وهكذا يلبس على هذا المسكين حتى يجعله يستمر في الذنوب والمعاصي، وما يدري إلا ونزل به الموت وقبض ملك الموت روحه وهو على هذا الحال المخزي الذي لا يرضى أن يلقى الله سبحانه وتعالى به. قال: هات الخامسة. قال إبراهيم: إذا جاءتك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم -يعني حتى تنجو من النار- إذا جاءتك ملائكة الله جل وعلا الموكلة بأخذ العباد إلى النار والجحيم، لا تذهب معهم حتى لا يلقوك في النار. فقال: لا يدعونني ولا يقبلون مني -أي ما يتركونني- لا بد إذا كان -إذا كان ماذا يعني؟- قضائي، وكان حكمي أن أكون من أهل النار، فلابد أن يقع ذلك ولا أستطيع أن أمنع نفسي منهم. قال: لا يدعونني ولا يقبلون مني. قال: فكيف ترجو النجاة إذن؟ كيف ترجو النجاة إذا كنت لا تستطيع أن تدفع الموت عن نفسك وأن تؤخر ملك الموت في قبض روحك، ولا تستطيع أن تدفع الزبانية أن يأخذوك ويجروك إلى النار؟ فكيف تريد الخلاص وكيف تريد النجاة وأنت مصر على أن ترتكب الذنوب والمعاصي وأن تغلب شهوة نفسك على طاعة الله جل وعلا وعلى مراقبة الله سبحانه وتعالى؟ قال له: يا إبراهيم، حسبي، حسبي، أنا أستغفر الله وأتوب إليه -يعني أنه لما سمع هذه الخصال الخمس كان ذلك سببا في توبته وإقناعه في الإقلاع عن الذنوب والمعاصي وعدم الإصراف في فعلها- والحال هو كذلك لكل من صدق، كل من صدق فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وأراد الخلاص من الذنوب والخطايا حقا ممن غلبت عليه شهوة نفسه وغلبت عليه غفلته، ويقول: أريد سبيل ونجاة وطريق أنجو بها من هذه الذنوب والخطايا، فيتمع في هذه الخصال الخمس، فستكون له زاجرا وتكون له مانعا من الوقوع في الذنوب والخطايا والإقبال على الله جل وعلا بالتوبة والإنابة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجنبنا جل وعلا أسباب سخطه وعقابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.