آداب المزاح 1

آداب المزاح 1

الدرس في آداب المزاح 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة وتوطئة في آداب المزاح

يبدأ الدرس بمقدمة حول أهمية آداب المزاح والضوابط الشرعية التي يجب مراعاتها، ويطلب من الله النفع بما سيقال.

تعريف المزاح وأدبه وضوابطه

يتحدث عن تعريف المزاح وأهميته، ويشير إلى أنه ينقسم إلى نوعين: محمود ومذموم، ويحدد ضوابط كل نوع.

مزاح النبي صلى الله عليه وسلم وأمثلته

يتناول مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ويذكر أمثلة على ذلك مثل مخاطبته لأنس بن مالك وملاطفته لطفل صغير.

تتمة الكلام عن مزاح النبي مع أصحابه

يروي قصة مزاح النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابي زاهر، ويبرز جانبًا من ملاطفة النبي لأصحابه وضبط المزاح بضوابط شرعية.

  • 27 جمادى الآخرة 1443هـ - 30/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، في باب الآداب، كان حديثنا عن آداب الغضب، وذلك بالإشارة إلى أهم الطرق والأسباب التي تؤدي إلى التخلص من هذا الداء العضال، داء الغضب، وأشرنا إلى بعض أحكامه. وإن مما يناسب ذكره كذلك، تبعًا لهذا الأدب، أن نتكلم عن أدب يقابله، يقابل الغضب، ألا وهو أدب المزاح. فلا شك ولا ريب، إخواني في الله، أن الإنسان في هذه الدار يحتاج إلى شيء من الممازحة والملاطفة والمباسطة، التي إما تعود لنفسه بإزالة حالة الضيق والسآمة والملل والضجر، أو ما يكون من الممازحة مع غيره لإضافة شيء من أجواء المياسرة والملاطفة ونوع من الضحك. إلا أننا نجد أن هذا الباب، عند كثير من الناس، لم ينضبط؛ آداب المزاح نجد أن الكثير من الناس منضبطين فيه، حيث إن هذا الباب كُسر ولم يُفتح، وأصبح الناس يدخلون في باب المزاح بما شرع الله وبما لم يشرعه. وقد قسم أهل العلم المزاح على قسمين. ولهذا يقول الإمام أبو حاتم البستي، رحمه الله تعالى، في كتابه «روضة العقلاء»: «المزاح على ضربين»، أي على نوعين، قال: «المزاح على ضربين؛ فمزاح محمود، ومزاح مذموم». قال: «فأما المزاح المحمود، فهو الذي لا يشوبه ما كره الله عز وجل»، هذا ضابط المزاح المحمود. قال: «وأما المزاح المذموم، فالذي يثير العداوة ويذهب البهاء». لذا فنحن في هذه المجالس، إخواني في الله، ونحن بصدد تتبع الآداب الإسلامية، نتكلم عن أدب المزاح، وما هي الضوابط والقيود التي ينبغي أن يتقيد بها كل مسلم ومسلمة إذا أراد طرق هذا الباب. وقبل العروج، إخواني في الله، على مسائل الآداب من حيث ذكر الضوابط والقيود، أحب أن أشير إلى بعض المسائل، وهي كالتمهيد لهذا الأدب. المسألة الأولى، إخواني في الله، ما هو المزاح؟ قال العلماء في هذا الأدب: بأنه يقال مزاح بالكسر، أو مزاح بالضم، مزاح ومزاح، وهو كل كلام يراد به المباسطة، هذا ضابطه. المزاح أو المزاح: كل كلام يراد به المباسطة، بحيث لا يفضي إلى أذى؛ لأن المزاح، إخواني في الله، إذا أوصل إلى حد الأذية للغير، فحينها سيدخل هذا المزاح في باب الاستهزاء، في باب السخرية، فحينها يكون حرامًا ولا يجوز، ولو سمي مزاحًا، لكنه أفضى إلى أذى الغير، فهو حرام. ولهذا بعض يقيد المزاح بهذا القيد: هو كل كلام يراد به المباسطة، بحيث لا يفضي إلى أذى. وسيأتي معنا في ذكر الآداب وما يتعلق بالضوابط، سنتعلم، سنتعرف إلى بعض أنواع الأذى الذي يمنع في المزاح. المسألة الثانية، والذي أود أن أشير إليها في هذا المقام: هل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يمزح؟ هل ثبت عنه المزاح عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم، قد ثبت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، إلا أن مزاحه عليه الصلاة والسلام كان محفوفًا بأدب، وبحسن خلق، ومراعاة لشعور الآخرين، وما كان فيه اعتداء لحق الله جل وعلا. ومما ذكر من مزاحه عليه الصلاة والسلام ما ذكره الإمام الترمذي، رحمه الله تعالى، في «الشمائل المحمدية» في قوله: «باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم». وذكر مما ذكره رحمه الله تعالى ما جاء من حديث أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول له: «يا ذا الأذنين»، من باب الملاطفة والمباسطة. وهل هذا سخرية؟ لا، ليس سخرية؛ لأنه ما من إنسان إلا وله أذنان. ومما يذكر عنه عليه الصلاة والسلام ما جاء كذلك من حديث أنس بن مالك: من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر على أخ له صغير، فكان النبي يمازح هذا الصغير ويقول له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». وجه المزاح في هذه الحادثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كنّى الصغير والمعروف أن التكنية لمن كبر وتزوج وأصبح له ولد، هذا الذي اشتهر عند الناس، إلا أن النبي أتى إلى هذا الغلام الصغير وأعطى له كنية «يا أبا عمير»، كأن تمر على طفل صغير تقول: يا أبا فلان، كيف حالك؟ ينبسط الصغير من هذه التكنية؛ إذ أنك تعده رجلًا. ومما جاء من مزاح النبي عليه الصلاة والسلام في قصة ذاك الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله دابة لكي يركب عليها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إني حاملك على ولد ناقة». فقال هذا الرجل: يا رسول الله، وما أصنع بولد ناقة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». وأيضًا مما جاء من مزاحه عليه الصلاة والسلام ما كان من دعابته مع هذا الصحابي، والذي اسمه زهير أو زاهر، وكان من أهل البادية، وكان من طبيعة هذا الصحابي إذا نزل إلى المدينة كان يتحف نبينا بالهدايا، وبما يحب أن يهديه لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان بينه، أي هذا الصحابي وهو زاهر، وبين رسول الله من المحبة ومن اللين ومن اللطف. فمما وقع لهذا الصحابي: أنه في يوم من الأيام أتى السوق، وكأن معه بضاعة يريد أن يبيعها للناس، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي خلف هذا الصحابي من خلفه، ثم يحتضنه احتضانًا من خلفه. هذا الصحابي ما علم من هذا الذي فعل هذه الفعل معه، فكان يقول: من هذا؟ أرسلني! فلما التفت فعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعل هذا معه، وهذا من مناطفته عليه الصلاة والسلام وسأل من حبه لهذا الصحابي الجليل. فلما علم هذا الصحابي بأن الذي احتضنه هو نبينا، ماذا فعل؟ أخذ يلصق ظهره بصدر رسول الله، يتعمد في الإلصاق التماسًا لبركة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإظهارًا للفرح من فعله عليه الصلاة والسلام. فكان يلصق ظهره بصدر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان النبي يقول: «من يشتري هذا العبد؟». فقال هذا الرجل: يا رسول الله، إذن والله تجدني كاسدًا. فقال عليه الصلاة والسلام: «لكنك عند الله لست بكاسد». وفي رواية: «إنك عند الله غال». فالشاهد من هذا الحديث، إخواني في الله، ما كان من ملاطفته وممازحته عليه الصلاة والسلام لأصحابه. وهكذا نماذج يذكرها العلماء في كتب الشمائل وفي صفة حياته مع أصحابه عليه الصلاة والسلام، لكنه كان ينضبط. ولهذا جاء في السنن أن أبا هريرة قال: يا رسول الله، إنك لتداعبنا. فقالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: «إني لا أقول إلا حقًا». إشارة إلى أن هذا المزاح لابد أن يتقيد بضوابط. وعلى هذا سار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فكانوا يتمازحون. ولهذا روى الإمام البخاري في «الأدب المفرد» عن بكر بن عبد الله المزني قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون». إلى أن قال: «فإذا حزبهم أمر، كانوا هم الرجال». أي وقت المزاح مزاح، وقت الرجولة رجولة. فليس معنى المزاح، يا عبد الله، أن تنبطح في هذا الباب وفي هذا المضمار، فتكون مهرجًا في كل أوقاتك وفي كل حركاتك وسكناتك. وسيأتي معنى، إخواني في الله، ما يكون من ضوابط المزاح، وكم مقداره الذي ينبغي أن يعطيه الإنسان من حياته. فإخواني في الله، مقدمة سريعة لما نحن بصدده في ذكر الآداب والضوابط التي ينبغي أن يتقيد بها كل مسلم ومسلمة إذا طرق باب المزاح. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.