الدرس في كتاب الصلاة 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اتفق العلماء على كراهة ارتفاع المأموم على إمامه إلا لعذر، وكذلك كراهة ارتفاع الإمام على المأمومين، لكن أجاز الشافعي ورواية عن أحمد ارتفاع الإمام للتعليم، واستدلوا بفعل حذيفة رضي الله عنه حيث صلى على دكان مرتفع والناس خلفه.
يروي المقطع قصة أبي مسعود البدري مع حذيفة بن اليمان حين صعد حذيفة مكانًا مرتفعًا للصلاة بالناس، فأنزله أبو مسعود مستدلًا بالنهي النبوي عن ذلك، وأقر حذيفة بالانقياد، كما يذكر رواية ثانية ضعيفة عن عمار بن ياسر وحذيفة، ويرجح أنها نفس القصة الأولى بخطأ في الرواية، ويبين أن النهي صح عند الصحابة بينما استدل الشافعي بجواز الارتفاع للتعليم بصلاة النبي ﷺ على المنبر.
صلى النبي ﷺ على المنبر ليقتدي به الناس ويعلمهم صلاته، وذهب العلماء إلى كراهة ارتفاع الإمام عن المأمومين بغير عذر، وكراهة ارتفاع المأموم عن الإمام من باب أولى، وإذا كان الارتفاع لعذر كضيق المسجد واتصال الصفوف فلا كراهة، أما إذا كان تكبرًا وتعاليًا فقد تبطل الصلاة عند المالكية.
ذكر المؤلف أن ارتفاع المأموم على إمامه مكروه بالاتفاق إلا لعذر، ثم اختتم المتحدث الكلام مشيرًا إلى الاكتفاء بهذا القدر من البيان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن أصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال المصنف رحمه الله تعالى: "وارتفاع المأموم على إمامه مكروه بالاتفاق إلا لعذر". فهذه المسألة: مسألة ارتفاع الإمام على المأمومين. أما إن كان الإمام مع مأمومين والصفوف متصلة ثم نزلوا، فهذا لا خلاف أنه جائز. وكذلك أيضًا العكس: إذا كان الإمام في الأسفل والمأمومون متصلون به ثم ارتفعوا لأجل الضيق، فهذا لا شيء فيه. مثل ما يكون مثلًا المسجد الذي يكون طوابق، أكثر من طابق. لكن هنا مسألة: وهو أن الإمام يرتفع... المأموم على إمامه... يرتفع المأموم على إمامه، أي: المأموم يكون مرفوعًا والإمام نازل. فهل هذا يصح؟ أما الصحة فهي صحيحة، لكن يقول: بالاتفاق أنها مكروهة. وهذه المسألة لم يأت فيها نص صريح في النهي مثل عكسها، كما سيذكر. جاء في عكس هذه المسألة، وهو ارتفاع الإمام على المأموم، أيضًا قال العلماء بالكراهة، أنه يكره ومنهي عنه. إلا أن بعض العلماء كَالشَّافِعِيِّ رحمه الله يقول: يجوز إذا كان للتعليم. الشَّافِعِيُّ رحمه الله يقول: يجوز إذا كان ارتفاعه لأجل أن يعلم الناس. وهو أيضًا الرواية عن أحمد. واستدلوا بالنهي أولًا، والكراهة فيما جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي: أن حُذَيْفَةَ صلى بالناس في دكان. دكان: بمعنى مكان مرتفع، مثل الدكان. فصلى بهم، وهذا الدكان أصلًا معنى لفظ فارسي، فالشيء المرتفع. فصلى بهم حُذَيْفَةُ على شيء مرتفع والناس خلفه. فجاء أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رضي الله عنه وجذب حُذَيْفَةَ فنزل معه. فلما انتهى حُذَيْفَةُ من الصلاة قال له أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: "أَلَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ؟". قال: "أَوَلَمْ تَرَ أَنِّي طَاوَعْتُكَ وَلَنَّتْ مَعَكَ؟" - أنا خرجت بسرعة - كأن حُذَيْفَةَ يقر أن هذا فيه نهي، أن هذا الأمر فيه نهي. فلذلك قال: "أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ طَاوَعْتُكَ وَلَنَّتْ مَعَكَ؟". فهذا يدل على أن هناك نهيًا عن ارتفاع الإمام عن المأمومين، عن ارتفاع الإمام. وجاء أيضًا كذلك عند أحمد وأبي داود: أن عَمَّارًا كان في المدائن، فصل بهم على شيء مرتفع. فجاء حُذَيْفَةُ وجذبه وأنزله. فلما صلى قال له حُذَيْفَةُ: "قَدْ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ إِمَامًا فَلَا يَرْتَفِعْ عَلَيْهِمْ"، أو كما قال. فقال عَمَّارٌ: "أَوَمَا تَرَانِي قَدْ وَافَقْتُكَ أَوْ قَدْ لَنَّتْ لَكَ؟". لكن الحديث هذا الثاني فيه ضعف، فيه رجل مجهول. لكن الظاهر أن القصة هي القصة الأولى، وإنما غلط بعض الرواة فذكروا بدل الإمام حُذَيْفَةَ ذَكَرُوا عَمَّارًا، والذي سحبه قال حُذَيْفَةُ، والذي في ذاك الحديث هو أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ. فالمهم أن هذا النهي قد صح عند الصحابة، أنه شيء معروف عند الصحابة أن ارتفاع الإمام على المأمومين مكروه. لكن الإمام الشَّافِعِيَّ كما قلنا قال: للتعليم. من أين استدل؟ استدل بما جاء في الصحيحين في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَغَيْرُهُ، في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما انتهى من صلاته: «لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي»، «لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي». أنا فعلت هذا، أنا صليت على المنبر. النبي عليه الصلاة والسلام حتى يقتدي به الناس، حتى يقتدي به الناس. فلذلك فالصحيح في هذه المسألة، أي مسألة ارتفاع الإمام، جاء النهي فيها وأنه مكروه. لكن بعض العلماء يقول: كذلك المأموم إذا ارتفع عن الإمام، إذا ارتفع المأموم عن الإمام، أيضًا يكره، وهو من باب أولى. لكنه لم يأت فيها نهي. بل قال المالكية: ذكروا عند المالكية أنهم قالوا: معنى... ذكروا قولًا قالوا: أنه إذا صلى على شيء مرتفع تكبرًا وتعاليًا فتبطل صلاته. أنه إذا كان يريد تكبر على الناس يصلي في مكان مرتفع، مثلًا يجعل له مكان في المسجد، هذا مكان خاص به يرتفع، لماذا؟ لأنه ابن فلان أو ابن كذا، فيجعل له مكان مرتفع. قالوا: هذا صلاته باطل. وهم: إن كان ارتفاع لأجل ضيق المسجد، فهذا لا شيء فيه، وهو من العذر الذي ذكره المؤلف. إن كان الارتفاع لضيق المسجد، بعض المساجد تجدها مثلًا نازلة... نازلة، ثم في طرف المسجد أو آخر المسجد تجد أنه مرتفع. فهل تجوز الصلاة هناك؟ نعم، إذا كان مثلًا الصفوف متصلة لا بأس. إذا كان الصفوف متصلة فلا كراهة فيه. وأما إذا كان بدون عذر، ومعنى يرتفع بدون عذر، فهذا تكره صلاته. بل عند بعض العلماء كما قلنا أنها قد تكون صلاة غير صحيحة، وخاصة إذا كانت الصفوف غير متصلة. قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم. طيب، فهذه المسألة التي ذكرها المؤلف هنا: "ارتفاع المأموم على إمامه مكروه بالاتفاق إلا لعذر". إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.