شرح كتاب التوحيد 166

شرح كتاب التوحيد 166

الدرس في شرح كتاب التوحيد 166، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث زيد بن خالد في الاستسقاء بالأنواء

شرح حديث زيد بن خالد الذي يرويه المؤلف في باب الاستسقاء بالأنواء، حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية بعد نزول مطر في الليل. ثم أقبل على الناس وسألهم هل يعرفون ما قال ربهم، مشيرًا إلى أن قول الله تعالى حقيقي وليس كمثله شيء.

تفسير الإيمان والكفر في نسبة نزول المطر

يشرح الحديث القدسي النبوي كيف انقسم الناس بين مؤمن وكافر بناءً على كيفية نسبة نزول المطر، حيث من نسبه إلى فضل الله ورحمته كان مؤمنًا، ومن نسبه إلى الكواكب والنجوم كان كافرًا.

وجوب شكر الله على النعم وإخلاص الحمد له

يجب على المسلم أن يصرف شكر النعم لله وحده ولا يعلقها بالأسباب، وأن يتلفظ بالحمد والشكر لله تعالى، حيث أن الله يحب أن يسمع من عبده الحمد والشكر.

الدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهما عن زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: قال صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء وما يكون من طلب سقيا السماء عن طريق الاعتقاد بالكواكب والنجوم والأنواء. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا حديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه، والذي قال فيه: صلى لنا رسول الله، قال العلماء هنا اللام في «لنا» بمعنى الباء، فالمعنى أي صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي صلى بهم صلاة الجماعة. قال: صلى لنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية، أي صلى بهم صلاة الفجر، وذلك في منطقة تسمى بالحديبية. وهذا الموضع لماذا سمي بهذا الاسم؟ قيل: إن هناك بئر يقال له الحديبية فسمي به، وقيل: إن هذا اسم شجرة جدباء كبيرة موجودة في هذا المحل فسميت المنطقة باسمها حديبية. فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الصبح، أي صلاة الفجر جماعة في هذا الموطن. قال: على إثر سماء، إثر مأخوذ من الأثر وهو ما يعقب الشيء، على إثر سماء كانت من الليل. وعلى إثر سماء أي على إثر مطر مطر نزل عليهم من الليل، وسمي المطر سماء لقولهم على إثر سماء، ما قالوا على إثر مطر، وذلك لأن المطر إنما هو ينزل من السحاب والسحاب في العلو، وعند أهل اللغة أن كل ما علاك فهو سماك. فالسماء يطلق على العلو، فلما كان الماء ماء الأمطار نازل من العلو فنسب إليه على إثر سماء، أي ماء النازل من السماء أي من السحاب من الليل، أي نزل المطر في الليل. فهذا الحديث إذن يبين لنا هذه الحادثة أن الصحابة في هذا اليوم في الليل نزل عليهم، هطل عليهم المطر، ففي صلاة الفجر صلى بهم نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: فلما انصرف، أي انتهى من صلاته، أقبل على الناس أي بوجهه يكلم معهم ويتحدث معهم، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ هل تدرون ماذا قال ربكم؟ وهذا السؤال فيه من فوائده إثبات القول لله جل في علاه، فالله جل وعلاه يتكلم بكلام حقيقي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وقد جاء في القرآن كثيرا إضافة النداء والكلام والقول لله جل في علاه، لكن في حقيقته الله أعلم بكنهه. فقال هنا نبينا: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ وفيه كذلك من أساليب جذب السامعين إليك أنك تطرح عليهم المعلومات على شكل الأسئلة، أنت تريد أن تشرح لهم أمرا فاطرح عليهم سؤالا، وهذا السؤال فائدته أنك تجذب لهم الانتباه وتجعلهم يتحمسون في المشاركة في الجواب. فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قال: الله ورسوله أعلم، وهذا من كمال الأدب أن تنسب العلم لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام. وهذه العبارة «الله ورسوله أعلم» تقال في عهده وفي زمنه وفي حال حياته صلوات ربي وسلامه عليه، لكن بعد موته اختلف العلماء، فمن أهل العلم من يقول: إن الإنسان الآن إذا سئل عن مسألة ما لا يقول فيها «الله ورسوله أعلم»، لا، الآن يقول «الله أعلم» يكل العلم عند الله سبحانه وتعالى ولا يذكر الرسول. وإنما هذا ذكره لما كان في حياته. وطائفة من أهل العلم يقول: لا، إذا أنت سئلت بمسألة دينية علمية شرعية لك أن تقول «الله ورسوله أعلم»، لك هذا، وهذا القيد أن تسأل بسؤال علمي شرعي، كأن تسأل مثلا في مسألة الطهارة، مسألة الصلاة، مسألة في العقيدة، تقول «الله ورسوله أعلم»، هل هذا ينفعنا؟ طائفة من أهل العلم يقول: ينفع، ومن أهل العلم كما ترى يقول: لا، بعد موته عليه الصلاة والسلام إنما تكتفي بالله جل في علاه، تقول «الله أعلم». ثم قال: قال: أصبح من عبادي، أي هذا قول الرب سبحانه وتعالى، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. وفي هذا تعلم أن الأقوال والأفعال والأحوال قد تحدد يا عبد الله ما هيتك، تحدد أنك مؤمن أو أنك كافر، الأقوال والأفعال والأحوال تحدد حقيقة ما أنت عليه، ليس الأمر ادعاء أو أن الأمر يعود إليك أنت تحدد ما أنت عليه، الكل من يرى أنه على قمة الإسلام وعلى قمة في الإخلاص. لا، عبد الله أمر ليس إليك حتى تحدد ما أنت عليه، إنما الذي يحدد ما أنت عليه ما كان من تصرفاتك، ما كان من أفعالك وأقوالك وأحوالك مع ربك. فقال الله جل وعلا في هذه الليلة أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، انقسم الناس بين إيمان وبين كفر. ثم أوضح الله عز وجل في هذا الحديث القدسي قال: فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب. أي أن هذه الليلة لما نزل المطر على الناس انقسم الخلق، انقسم الخلق، فمنهم من أعاد الفضل لله وحده، ومنهم من أعاد الفضل للكوكب. ومن أعاد الفضل للكوكب والنجوم والأنواء ينظر في هذا الفضل ما الذي تعتقده في الكوكب؟ فإن اعتقد أن الكوكب هو الذي بنفسه أثر في السحاب وفي الأمطار حتى أنزل ذلكم الماء فهذا كافر، كفر المخرج من الدين والملة، إذ اعتقد أن مع الله مدبر وجعل في الكون متصرف دون الله عز وجل، ولا مدبر للكون إلا الله سبحانه وتعالى. فمن زعم أن الكواكب والنجوم والأنواء تؤثر على السماء فتنزل الأمطار من دون الله هذا قد كفر. وهذا كما قلنا طائفة من العرب كانوا يعتقدون في الكواكب والنجوم، فهؤلاء كفر، كفروا بالله وآمنوا بكواكبهم. وأما من قال: لا، أنا أعتقد أن الله هو المتصرف، لكن أعتقد أن هذا المطر بسبب فضل هذا الكوكب والنجم، هذا من كفر النعمة، وهذا كفر دون كفر، لأنه أضاف النعمة إلى غير الله عز وجل، بدل أن يتوجه إلى الله بالشكر والمحمدة جعلها للأنواء والكواكب. وهذا من كفر النعمة، وهذا كفر دون كفر. والسبيل في أنك تتخلص من تبعات هذه المسألة هو أنك يا عبد الله في باب النعم دائما وأبدا اصرفها، اصرف شكرها لله، كن حامدا لله يا عبد الله. وما بكم من نعمة فمن الله، ما من نعمة من أرزاق من أموال من أولاد من سكن من صحة من عافية من راحة بال من وظيفة من كل شيء من كل شيء، ما من نعمة تقلب فيها ما هي إلا من عند الله عز وجل، هو الذي اصطفاك بها وحباك لها. فحينها هو الذي يشكر لا سواه ولا من عداه، هو الذي يشكر جل في علاه. ولهذا قال الله: فمن قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فهذا مؤمن بي، دل على أن مقام الشكر من أعظم مقامات الإيمان، مقام الشكر من أعظم مقامات الإيمان، مؤمن بي وكافر بالكوكب. ولهذا فإن الإنسان إخواني في الله إذا أذن الله وخاص في نعمة الأمطار، إذا هبت الرياح وجاءت الأمطار والغيث وأحيا الله البلاد وأغاث العباد، هنا ينبغي أن نتوجه جميعا حمدا وشكرا لله وحده، لا نعلقها بأسباب، لا نعلقها بما يسمى بالاستمطار الصناعي، لا نعلقها بالكواكب والأنواء، ولا نعلقها بالسحاب الموجب والسحاب السالب إذا التقيا ولدى الشحنات ثم جاءت الأمطار. دعك يا عبد الله من الأسباب، فالله هو المسبب، ما هذه إلا أسباب جاء بها الله عز وجل والأمر إليه أولا وآخرا، هو الذي أغاث العباد، فيشكر ويحمد سبحانه وتعالى. وبهذا تعلم أن الإنسان عليه أن يظهر الحمد، بعض الناس إخواني في الله يعلم أن هذه نعم عند الله ويريد أن يشكر الله، لكن على حد بعض زعم بعضهم أنه يشكر الله بقلبه، لا، يا عبد الله، التلفظ. إن الله عز وجل يحب أن يسمع من عبده الحمد والشكر، يحب الله هذا. أسمع ربك قل الحمد لله، يا أهل الأمطار، قل الحمد لله، الحمد دائما أكثر، وحتى كما قلنا من أعظم الأوراد والأذكار أنك تكثر من الحمد، اجعلها وردا، الله يحب أن يسمع هذا منك. أما أنك تتقلب في النعم وتسكت وتعلم أنها من عند الله وأن الله يستحق الشكر والحمد، لكنك على الصامت كما يقال، قل قل أن تحمد ربك، لا، يا عبد الله، هذا نقص في حق ربك عز وجل. كما أنك في تعاملك مع الإنسان إذا أعطاك دينارا أعطاك مالا أعطاك خدمة تجد أن من حقك عليه أنك تسمعه الشكر، قل «جزاك الله خيرا»، «بيض الله وجهك»، «ما قصرت»، «الله يحفظك»، تكرر وتكثر لهم من الدعاء كإحسان مقابل إحسان. فكيف مع الله عز وجل؟ لربما يغدق عليك ربك بالنعم الوفيرة وأنت على الصمت على السكوت، لا، عود نفسك على النعمة وعلى حتى غير النعمة، كن دائما حامدا شاكرا، يسمع ربك منك الحمد، كما قال في هذا الحديث: من قال مطرنا بفضل الله وبرحمته فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.