الدرس في التعليق على شرح الزيادة الرجبية على الأربعين النووية للشيخ العصيمي 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع حديث نبوي يحذر من ملء البطن ويبين أهمية الاعتدال في الطعام والشراب. الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهو حديث حسن.
يُناقش المقطع أهمية الاعتدال في الطعام والشراب، حيث يُؤدي الإفراط إلى السمنة التي تُسبب قلة الفطنة وتُؤثر على صحة الجسد. الاعتدال يحافظ على صحة الإنسان.
الإضراب عن الطعام محرم لأنه يؤدي إلى تعطل العبد عن أداء الواجبات. الشبع له درجات، فالشبع المُثقل للبدن محرم بينما الشبع الذي يبقي مجالا للنفس جائز.
ينصح الشيخ بقراءة كتاب الجوع لابن أبي الدنيا لتحفيز النفس على قلة الأكل وتوفير الطعام على صاحب الدعوة، مما يعتبر أنفع للنفس والبدن وأتقى لله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث السابع والأربعون، وهو الحديث الخامس من الزيادة الرجبية، قال: عن المقدام بن معدي كرب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه». قال: رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن. قال الشارح -فقه الله-: هذا هو الحديث الخامس من الزيادة الرجبية، وهو الحديث السابع والأربعون، مضموما إلى الأربعين النووية. وقد أخرجه الأربعة إلا أبا داود، يعني أصحاب السنن الأربعة إلا أبا داود، فأخرجه النسائي، والترمذي، وابن ماجة. قال: وتخريج النسائي له في السنن الكبرى، لأن النسائي له السنن الكبرى والسنن الصغرى. قال: وذكر غيرهم في التخريج المختصر لا حاجة إليه، كما سيأتي بيانه. وإنما سوغ للمصنف ذكر الإمام أحمد مع أصحاب السنن في الاستغناء بهم عنه، أنه حنبلي، ومن عادة الحنابلة أنهم يذكرون تخريج الإمام أحمد للحديث مع غيره، وذلك من باب الإجلال والتعظيم والتقدير للإمام أحمد رحمه الله. قال: وإلا فالجادة المرعية تقديم عزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما إذا كان فيهما، يعني إذا كان الحديث في الصحيحين يكتفى في الاختصار أن تقول: في الصحيحين، أو إذا كان في البخاري فقد تقول: أخرجه البخاري، وإن كان أخرجه بعض أهل السنن فلا يحتاج أن تذكر تخريج أهل السنن لهذا الحديث، أو كان فيه مسلم فتقول: أخرجه مسلم. قال: فإذا خل الصحيحان من الحديث عزي بعدهما إلى السنن، إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو في أحدهما انتقلت إلى السنن. فإن كان في السنن ذكرت: إن كان في السنن الأربعة تخرجه الأربعة، إن أخرجه ثلاثة منهم تقول: أخرجه الثلاثة، أو أبو داود، والترمذي، والنسائي مثلا، أو أخرجه أحد منهم فقط تقول: أخرجه الترمذي، أو أبو داود. قال: فإن لم يوجد فيهما، أي في السنن، عزي إلى مسند الإمام أحمد، فإن العزو إلى مسند الإمام أحمد مقدم على غيره من المسانيد، لأنه يعتبر من أصح المسانيد، مسند الإمام أحمد. قال: ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله، والحديث المذكور عند أصحاب السنن إلا أبا داود، فكان حقيقا أن يرد عزوه إلى المسند الأحمدي، جريا على القاعدة المشهورة. لكن شفع للمصنف في ذكره الإمام أحمد كونه -أعني المصنف- من الحنابلة، أي مرجعا. قال: فذكره لإمامه رعاية لجنابه ومقامه عنده. واللفظ المذكور للترمذي، ونقل عنه المصنف أنه قال: حديث حسن، ووقع في بعض نسخ جامع الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: وإذا وقع خلاف بين نسخ الترمذي التي بأيدينا فيما ينقل عنه من الكلام، فإن الملتجأ يكون إلى كتاب تحفة الأشراف للمزي، الإمام الحافظ المزي: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، أطراف الكتب. قال: فإن المزي رحمه الله تعالى أثبت كلام الترمذي رحمه الله تعالى من نسخ متصلة عنده بالسماع، ثم هو يبين الاختلاف بينها إذا وجد، كهذا الحديث، فإن المزي لما ذكره قال: وقال الترمذي: حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح. قال: فيعرف من نقل المزي أمرين، أحدهما: أن نسخ الترمذي مختلفة فيما ذكره من حكم على هذا الحديث، يعني في بعضها حديث حسن، وفي بعضها حديث حسن صحيح. قال: والآخر: أن المقدم عند المزي هو كون الترمذي قال عنه حديث حسن، لأن المزي قدمه، ثم قال: وفي بعض النسخ: حسن صحيح. ولو عكس فقال: قال الترمذي: حسن صحيح، وفي بعض النسخ: حسن، كان المقدم عند المزي فيما ينسبه إلى الترمذي أنه يحكم عليه بأنه حسن صحيح. قال: وهذا الحديث إسناده المشهور عند أصحاب السنن منقطع، مع وقوع التصريح بالسماع فيه، فإنه من رواية يحيى بن جابر الطائي عن المقدام رضي الله عنه، وقال فيه: سمعت المقدام. وهذه رواية الإمام أحمد التي فيها التصريح بالسماع. قال: إلا أن ذكر السماع غلط، وهذا يقع في بعض الأسانيد، فيتوهم من يتوهم أن هذا إثبات للسماع، وهذا غلط، وذلك أن الإمام أبا حاتم ذكر أن رواية يحيى بن جابر عن المقدام مرسلة، فيكون ذكر التصريح بالسماع خطأ. قال: بل هذه الألفاظ التي يذكر فيها السماع تكون غلطا من بعض الرواة، كما قال الإمام أحمد في حديث مبارك بن فضالة عن الحسن، قال: غيره لا يذكر فيه السماع، يعني عن الحسن عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: هذا الحديث من هذا الجنس. إلا أن الحديث المذكور يروى من غير هذا الوجه، فقد صححه ابن حبان والحاكم رحمهم الله تعالى، أي رؤيته من طرق أخرى، وإن كان فيها شيء من الضعف فهي ترتقي في الشواهد. قال: هو حديث جليل في حفظ الصحة، لاجتماعه على الإرشاد إلى أصول نافعة تتصل بها، وهي ثلاث أصول. أولها: أن شر وعاء يملأه الآدمي بطنه، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم البطن بالوعاء، الوعاء الذي يوضع فيه الطعام أو يوضع فيه الماء، فشر وعاء يملأ هي هذه البطن. قال: فالتخمة قنطرة البطنة، والبطنة تذهب الفطنة، البطنة -يعني السمنة- تذهب الفطنة، أي العقل والذكاء والفهم، وهذا في الغالب، وإلا قد يوجد -يعني من عنده بطنة وعنده فطنة- وهو قليل. ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول: لا أعرف سمينا ذا فطنة، إلا محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، كان سمينا، ومع هذا كان ذكيا فطنا. وإلا الغالب على ذوي السمن قلة الفطنة، كما قال: البطنة تذهب الفطنة. قال: فمن توسع في مطعمه ومشربه، علته السمنة، ففتحت عليه أبواب علة للجسد والروح، فالجسد يتأذى بالجهد في هضم الطعام، فإنه يعاني من ذلك شدة، يعني إذا كثر الطعام على المعدة، تثقل المعدة في هضم هذا الطعام، وتجد مشقة. مثل الطاحونة، الطاحونة تطحن الطعام، إذا زدت عليها في الطعام تجدها ثقيلة ما تكاد تطحن إلا بتعب، وأيضا المعدة إذا كثرت عليها في الطعام تتعب. وأنت تشعر بالتعب، تجد أنك متعب ومرهق، وما تجد آلام في المعدة، كله بسبب كثرة الطعام والإكثار على هذه المعدة من الطعام. قال: فالجسد يتأذى بالجهد في هضم الطعام، فإنه يعاني من ذلك شدة، والروح تتأذى بما يتصاعد من الأبخرة من المعدة، فيؤثر على الدماغ، فيمنع المتسع في الأكل من الإفهام والتفهيم. قال: ومن اعتدل في طعامه دون إفراط أو تفريط حافظ جسمه وروحه، يعني يكون المرء ينبغي أن يكون وسطا عدلا في باب الطعام والشراب، لا إفراط ولا تفريط، لا إفراط فيكثر من الطعام والشراب حتى يتعب معدته ويتعب بطنه، ويعني تظهر عليه آثار السمن، فيحرم من ذلك خيرا كثيرا، وربما يبتلى بأمراض وأسقام، والغالب على أهل السمن أنهم يبتلون بأنواع من الأمراض، كمرض القلب، والسكر، والضغط، والكوليسترول، وغيرها من هذه الأمراض، الغالب يبتلى بها أهل السمن. وهكذا أيضا لا يكون كذلك مفرطا -أو نعم مفرطا- فيترك الطعام والشراب الذي به قوام البدن، الذي به قوام البدن، فيصيبه الضعف والهزال، وكذلك أيضا عدم القيام بما ربما يجب عليه القيام به من الواجبات والفرائض، بسبب تقليل الطعام. لكن الوسط والاعتدال في ذلك هو الأولى. قال: وكان محمد بن واسع رحمه الله، أحد التابعين، يقول: من قلل طعامه فهم وأفهم، لأنه إذا أفرغ البطن مما يزيد عن قدر الحاجة، ولد ولد ذلك فراغ القلب، فتهيأ من قوة القلب ما يعين على الفهم والإفهام، بخلاف ما إذا امتلأ البطن، فإنه يشق على العبد أن يكابد الفهم والإفهام. قال: والثاني: أن من آدم يكفيه أكلات يقمن صلبه، أي يحفظن قوته. قال: وأصل الصلب ما سفل من الظهر، صلب الإنسان أسفل عظم الظهر. قال: والمراد به هنا الجسد كله، من إطلاق الجزء وإرادة الكل، تعظيما لقدره، فقوله: يقمن صلبه، أي يقمن بدنه وجسده، فذكر الجزء وأريد الكل، وهذا مستعمل في لغة العرب، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، هل المراد تحرير رقبة مستقلة منفصلة عن الجسد؟ لا، رقبة كاملة، يعني إنسان عبد مملوك، فذكر البعض وأريد الكل. قال: وقوله: أكلات، بفتح الهمزة والكاف، ويجوز أيضا ضم الهمزة مع ضم الكاف: أُكُلات، وسكونها: أكلات، أي أكلات. قال: وجمع المؤنث السالم هنا مفيد التقليل، بقرينة قوله صلى الله عليه وسلم: «بحسب ابن آدم»، لأن جمع المؤنث السالم يجيء للتقليل والتكثير معا، ودلت القرينة الواردة في الحديث على إرادة التقليل، وهي قوله: «بحسب ابن آدم أن يكفي ابن آدم»، يعني أن جمع المؤنث السالم قد يفيد التكثير وقد يفيد التقليل، حسب القرائن وحسب استعمال هذه الكلمة في الجملة. فإذا قلت مثلا: أكلت أكلات، هذا يفيد تكثير أكلات كثيرة، من أكلة واحدة، هذا يفيد التكثير، لكن: حسبك أكلات قليلة، هنا أفادت التقليل، وهي كذلك في هذا الحديث: «بحسب ابن آدم أكلات»، يعني قليلة، لأن المقصود الاكتفاء وعدم التكثير. قال: والثالث: أن الزيادة على قدر الحاجة لمن كان لا محالة فاعلا ينبغي أن تنتهي إلى أن يجعل ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه، وثلثا لنفسه، يدعه ليتمكن من التنفس، لأن البطن إذا امتلأ ضغط على الرئتين اللتين هما آلة التنفس، فصار البدن كليلا تعبا في مكابدة التنفس. بخلافه إذا ترفق العبد فأخلى ثلث بطنه ليكون سعة للرئتين في أداء عملهما في التنفس، وهذا ملاحظ إذا أكثر الإنسان في الطعام -يعني شبعا زائدا عن المعتاد- يجد أنه متعب، ويضعف عنده التنفس، وهذا لأنه يضعف -يعني بامتلاء المعدة- على الرئتين، فيحصل شيء من التعب والضيق في النفس. قال: والآكل له ثلاثة أحوال، أحدها: أن يأكل شيئا لا يسد رمقه ولا يحفظ قوته، وهذا منهي عنه، يعني يأكل شيء قليل لا يدفع به الجوع ولا يقوى به البدن، فهذا لا يجوز، يقول: أنا زاهد، وأنا كذا، وأريد وقلل من الطعام، ليس بهذه الصورة، الذي يضر به على بدنه ويضعف به عن القيام بما أوجب الله جل وعلا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فهذا منهي عنه. قال: لمخالفته الأمر الوارد في قول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، فإنه أمر لتناول الأكل والشرب الحافظ قوة البدن، ليقوم العبد بما أمر الله عز وجل به. فإن كان يضعفه عن المأمور ولا يؤدي إلى تركه فالنهي للكراهة، وإن كان يؤدي إلى ترك المأمور فالنهي للتحريم، يعني إذا كان تقليل الطعام يؤدي إلى ترك الواجب، يضعف حتى يقول: ما أستطيع أذهب إلى المسجد، وصلي في جماعة، أنا سأصلي في بيتي، ما شاء الله، يا خير زهد، هذا الزهد تترك الواجب، تترك المباح من أجل أن تترك الواجبات، هذا من تلبيس الشيطان. نقول هنا: فعلك هذا ما يجوز، محرم، ما يجوز لك أن تترك الطعام حتى تضعف عن أداء الواجبات. فإن كان الأمر كذلك كان هذا منهيا عنه. وأما إن كان يقلل لكن مع ذلك ويحافظ هو يحافظ على الواجبات ويؤديها، فهذا يكون في حقه مكروه، ولا يكون محرما. قال: وبها يعرف حكم الامتناع عن الطعام مما يسمى بالإضرابات، فإن هذا محرم، لأنه يؤدي إلى تعطل العبد عما يجب عليه من المأمورات، فيحرم تخريجا على الأمر الوارد في آية الأعراف. قال: والابن سعدي رحمه الله تعالى، كلام حسن عند هذه الآية، تحسن مراجعته. إضرابات -يعني إضراب الإنسان عن الطعام- إذا غضب أو يريد تحقيق أمر، يقول: أنا سأضرب ما سآكل، ولا أشرب، ما سآكل، ولا أشرب، حتى يضر بنفسه، هذا ما يجوز، هنا سيترك الطعام والشراب الذي يجب عليه استعماله بما يقوم به البدن، ويستعين به على أداء الواجبات. فإذا كان الأمر كذلك سيترك الطعام والشراب، ويضرب -ربما يعني أيام- هذا لا يجوز، لأنه سيؤدي ذلك إلى أن يضعف أن يقوم بما يجب عليه، وهو أيضا بهذا يعذب نفسه، هذا من -يعني- ظلم النفس، النفس لها حق، النفس لها حق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لإن لنفسك عليك حقا»، من هذا الحق أن تعطي هذه النفس ما يباح لها من الأكل والشرب والنكاح إلى آخر ذلك. فكونك تحرمها من هذا الأمر، هذا يعني يوقعك في أمر منهي عنه. قال: والحال الثاني: أن يأكل ما يسد رمقه ويحفظ قوته دون زيادة، وهذا مستحب، وهو المذكور في الحديث، يأكل القليل من الطعام الذي يسد شيء من الجوع، ويحافظ قوته، يعينه على النشاط و -يعني- الهمة، وكذا، وهذا جائز، وإن كان دون الشبع، وإن كان هو دون الشبع. قال: والحال الثالث: أن يأكل فوق ما يسد رمقه ويحفظ قوته، زيادة على ما يسد الرمق ويحفظ القوة. قالوا: هذا له درجتان، الأولى: أن يبلغ شبعا لا يثقل به بدنه، فيجعل ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه، وثلثا لنفسه، وهذا جائز، وهو المذكور في الحديث، يعني يشبع، لكن شبع فيه مجال للنفس -يعني مجال للهوى- وكذلك مجال للشراب، هذا جائز، وهو المذكور بالحديث: ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه، وثلثا لنفسه. قال: والثاني: أن يبلغ شبعا يثقل به بدنه، فهذا منهي عنه، نهي كراهة، يعني أن يزيد في الطعام وفي الشبع حتى يثقل البدن، ويشعر أن المعدة ممتلئة -يعني يجد أثر هذه الزيادة- كما ذكرنا أثر هذه الزيادة في الثقل، وفي ضعف التنفس إلى آخره، هذا منهي عنه، منهي عنه، فهو نهي كراهة، ينهى عنه نهي كراهة إذا كان لا يؤدي إلى ترك واجب. قال: فماذا منهي عن نهي كراهة إن لم يؤدي إلى ترك المأمور؟ ونهي تحريم إذا أدى إلى ترك المأمور، على هذا التفصيل، إن كان هذا الشبع أدى به إلى ثقل يترك به الواجب والفرض، فهذا منهي عنه نهي تحريم، ما يجوز له أن يأكل -يعني أكلا كثيرا- ويشبع شبعا زائدا حتى يترك بسببه الفرائض والواجبات. وأما إن كان فعل ذلك، لكنه يقوم بما أوجب الله عليه، ولا يترك شيء من الفرائض، فهذا منهي عنه، لماذا؟ لأنه مخالف للحديث، مع ما قد يبتل به من أمراض وأسقام بسبب ذلك. قالوا: بهذا يعلم تحرير مسألة اختلف فيها الفقهاء، وهي حكم الشبع، فإذا كان الشبع بما يبقي ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه، وثلثا لنفسه، فهذا جائز. وأما إذا كان شبعا يثقل به البدن، فهو على التفصيل المتقدم، فربما صار من الشبع ما هو محرم، وهو الذي اشتد نكير السلف فيه -يعني في ذنب الشبع وكثرة الأكل- وهو ما يؤدي إلى ترك الواجبات، فيكون محرما منهيا عنه. قال: فإن كلام السلف رحمهم الله تعالى في إنكار الشبع وذمه كثير، مما يقال: حالنا اليوم -يعني من كثرة الأكل وقلة ترك الشبع- أصبح الحال غالبا هو الشبع، والذي ينبغي هو العكس، أن يكون الشبع أحيانا، لا بأس بالشبع أحيانا، أما أن يكون دائما هذا خلاف الأفضل، والذي ينبغي. قال: وإذا قرأ المرء الآثار الواردة في كتاب الجوع لابن أبي الدنيا، وابن أبي الدنيا هو أبو بكر عبد الله بن محمد البغدادي، المعروف المشهور بابن أبي الدنيا، المتوفى سنة 281، وله مؤلفات كثيرة مشهورة، وإن كان -يعني- غالب المؤلفات رحمه الله هي عبارة عن جمع، لا يعتني بالتصحيح، تجمع الصحيح والضعيف، لكن في بابها تجد الموضوع مليء -يعني بالأحاديث والآثار- في الموضوع الذي يؤلف فيه رحمه الله. قال: وإذا قرأ المرء الآثار الواردة في كتاب الجوع لابن أبي الدنيا، وقد ذكر -يعني جملة من الأحاديث- عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر آثارا عن حال السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، في جوعهم وقلة طعامهم، وحثهم على الجوع والتقليل من الطعام. قال: ثم رأى حالنا، أنشد قول المبارك: «لا تأتين بذكرنا مع ذكرهم، ليس الصحيح إذا مشاك المقعد». قال: ولذلك أنصح كل من أراد أن يجيب دعوة -أي دعوة وليمة أو غيرها- قبل أن يذهب، أن يقرأ شيئا من كتاب الجوع لابن أبي الدنيا، حتى يقلل من الطعام، ويوفر على صاحب الوليمة، ويعرف -يعني- فضل الجوع وقلة الأكل، فيحرص أنه لا يكثر -لا يكثر- في الوليمة من الأكل، وكذلك من الشبع، فيكون ذلك أنفع لنفسه وبدنه، وأتقى لربه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.