الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أقوال العلماء حول الحديث الحسن وطرق تقييم الأحاديث، مشيرًا إلى أهمية موثوقية الرواة. يبين أن كثرة الطرق لا تعني بالضرورة حسن الحديث إذا كان الرواة غير موثوقين.
يشرح منهج أبي داود في كتابه السنن، حيث الأحاديث التي سكت عنها أبو داود تصلح للاستشهاد بها كشواهد ومتابعات. يبين أيضًا أهمية التفريق بين الصحة والحسن في تقييم الأحاديث.
يناقش أهمية التمييز بين الحكم على الإسناد والحكم على المتن، ويبين أن صحة الإسناد لا تعني بالضرورة صحة المتن. يشير أيضًا إلى مسألة نسخ الحديث وضرورة أخذها في الاعتبار عند تقييم الأحاديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الشيخ أبو عمر، يقول الحافظ ابن كثير، قال الشيخ أبو عمر، أي ابن الصلاح، واسمه عبد الرحمن بن عمر الشهرزوري، أنا ابن الصلاح، واسمه عبد الرحمن بن عمر الشهرزوري. قال الشيخ أبو عمر: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة، كحديث العذاران من الرأس، أن يكون حسنًا، لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه متابعًا أو متبوعًا، كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راوي الحديث سيئ الحفظ، أو روي الحديث مرسلًا، فإن المتابعة تنفي حينئذ، ويرفع الحديث عن درجة الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة، والله أعلم. طيب، هذا كلام صحيح، وأن الحديث إذا جاءت له طرق لا يلزم أن تكون طرقه ترفعه إلى الحسن، أن الحديث الضعيف فقد يكون هذه الطرق تزيده ضعفًا، قد أحيانًا هذه الطرق تزيد الحديث ضعفًا، لماذا؟ لأنه لأن من رواه من الكذابين والمتروكين، وغالب هؤلاء يتفقون على الحديث. أنا الآن مثلًا عندنا أحاديث العقل، أحاديث فضائل العقل، رواها داود بن محبر، لكن تجد أن أكثر من واحد رواها، هذه المصنوعة رواها، وكذلك ما يسميه الإمام أبو داود كذاب النخعي، أيضًا رواها، فكثير من هؤلاء رووا هذا الحديث، لكن أكثرهم من الكذابين، والظاهر أنهم كل واحد يأخذ من الآخر، أو يجدها مثلًا في الجزء فيرويها، فلهذا اغتر بعض العلماء بوجودها في أكثر، أو برواية أكثر من واحد، فظن أنها صحيحة. ولهذا بعض الفضلاء، بعض الحفاظ، ذكرها في كتبهم، كالحارث بن أبي أسامة، ذكرها في كتابه الذي ألفه المسند، وذكرها غيره، وهي حديث كذب، وضعه داود بن المحبر. فلهذا قال العلماء، كما ذكر الحافظ هنا ابن الصلاح، أن زيادة الروايات لا تدل على حسن الحديث، إذا كان راويه لا يحتج به، ولا يستشهد به. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة في مسألة الشواهد والمتابعات. قال: وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه بذكره، ويوجد في كلام غير مشايخه، كأحمد والبخاري، وكذا من بعده كالدارقطني. ويوجد في كلام غير مشايخه كأحمد والبخاري، هل الترمذي من تلاميذ أحمد؟ من مشايخه؟ لعل الكلام يوجد في كلام غير مشايخه، هو مشايخ مشايخه، كأحمد والبخاري، لأن الترمذي لم يرو عن أحمد بن حنبل، ولم يدركه، أو قد يكون أدركه وهو صغير، معنى هو الترمذي ليس في العراق، وإنما في خراسان، لهذا فهو بعيد عن الإمام أحمد، مات سنة مائتين وستة وخمسين للهجرة، معنى أقصد الإمام البخاري، أما الإمام أحمد مات سنة مائتين وواحد وأربعين، هو قد أدركه الترمذي، لكن وهو صغير. قال: وكذا من بعده كالدارقطني، أيضًا يذكر الحديث الحسن، بل كما ذكرنا قبل، أنه أيضًا جاءت هذه العبارات عن من هو أكبر من هؤلاء، جاءت عن شعبة، وجاءت أيضًا عن علي بن المديني، وعن الشافعي، والشافعي يعتبر شيخًا لأحمد، فلهذا جاءت هذه العبارات فيمن تقدم الترمذي، لكن أكثر من شهرها هو الترمذي رحمه الله. قال: ومن مضاني سنن أبي داود، هذا الكلام قد أخذناه قبل، قال: ومن مضاني سنن أبي داود، روينا عنه أنه قال: أذكر فيه الصحيح، وما يشبهه ويقاربه. معنى هنا قوله: أذكر فيه الصحيح، أي الذي هو لا شك في صحته، وما يشبهه ويقاربه، فقال هذا عنه الحديث الحسن، الحسن لذاته، والحسن لغيره. قال: وما كان فيه وهن شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، فهو صالح، أنا يصلح؟ هل مراد صالح أي يقبل؟ يقبل ويحتج به؟ أم أنه صالح للاحتجاج؟ فالظاهر أنه صالح للاحتجاج، صالح أقصد لأن يستشهد به، صالح للاستشهاد، لأنه قد ذكر الصحيح، وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن بيّنه، وما كان أيضًا ليس فيه وهن، أو ليس فيه وهن شديد، الظاهر أنه سكت عنه لأنه يصلح في الشواهد، فإذا جاءه شاهد حسن، وهذا لعله كما قال الإمام أحمد: الضعيف قد يحتاج إليه، الضعيف قد يحتاج إليه، وأما المنكر فهو أبدًا منكر، أنا ما يحتاج إلى المنكر، ولا يستشهد به، لكن الضعيف قد يستشهد به، وهذا كلام أبي داود، الظاهر نفسه. وهذا ذكره أبو داود في رسالته التي أرسلها إلى أهل مكة، قاله: وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضه أصح من بعض. قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه، وهذا صحيح، وهذا أخذها من الإمام أحمد رحمه الله، فيذكر كل ما اشتهر في هذا الباب، ولو كان ضعيفًا، فما كان فيه وهن شديد بيّنته، وما كان فيه وهن شديد، وما كان فيه وهن ليس شديدًا سكت عنه. ولهذا ما فعله بعض العلماء من تحسين ما سكت عنه أبو داود على إطلاقه، مثل ما يفعل المنذري والإمام النووي وغيرهم، فهذا ليس قاعدة صحيحة، وقد تكلم الشيخ الألباني على هذه القاعدة في تمام المنة، وانتقد هذا الفعل، ما الذي فعله هؤلاء؟ لأن أبا داود لم يقل: هو صالح للحجية، وإنما قال: هو صالح، ومضمون كلامه يدل على أنه أراد هذا الذي هو يقول صالح، أن يصلح في الشواهد والمتابعات، لأنه ذكر الصحيح، وما يقاربه، وإشبهه، ثم ذكر أنه إذا كان ضعيفًا، ضعيف شديد الوهن، قال: بيّنته، ومعنى كلامه أن ما لم يكن، أو ما كان ضعيفًا، لكنه لم يكن شديد الضعف، لم يبينه، وهذا الذي ذكر عنه أنه صالح. قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب صح ما عرف في قلت، ويروى عنه أنه قال: ما سكت عنه فهو حسن، أنا ظهر في بعض النسخ، لكن حتى لو كان هذا معنى جاء أنه قال: فهو حسن، وفي المطبوع الآن: فهو صالح، أنا في الرسالة، رسالته إلى مكة، مكتوب: فهو صالح، لكن إن ثبت أنه قال: فهو حسن، أيضًا لا يغير المعنى، لأن الحسن هنا المراد به أيضًا الذي يستشهد به، على طريقة الإمام أحمد، بالعمل بالحديث الضعيف. قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتاب مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، معنى قول الإمام أحمد: أنه يعمل بالحديث الضعيف، أي لما قال: أن الحديث الضعيف أفضل من العمل بآراء الرجال، وهذا صحيح، لأن هذا الحديث الضعيف ممكن أن يكون صحيحًا، فتقديمه على آراء الرجال أفضل، بدلًا من قول، مثلًا قول فلان، وقول فلان، مثل ما يفعل الحنفية، يأخذون قول إبراهيم النخعي، على أنه دليل، ويأخذون قول، مثلًا حماد بن أبي سليمان، على أنه دليل، فأخذ بالحديث الضعيف، ولو كان ضعيفًا، وضعفه ليس بالقوي، أفضل من آراء الرجال، فضعف هكذا. قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتاب مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد، فهو حسن عند أبي داود، وعلى طريقة ابن الصلاح، التي قد عارضه فيها النووي رحمه الله، أنه يقبل، أنه يقبل، لكن الإمام النووي رحمه الله في هذه المسألة أخذ بهذه القاعدة، على أنه ما كان ما سكت عنه أبو داود فهو حسن، لكن الأفضل أن يقال: أنه يخضع لما ذكره العلماء في هذا العلم، يعني مثلًا ينظر إلى رجاله، هل هم ثقات أو ليسوا ثقات، وينظر إلى كلام العلماء في هذا الحديث. قال: قلت: الروايات عن أبي داود في كتاب سنن كثيرة جدًا، ويوجد في بعضها من الكلام، بل ولا حديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الأجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد، ومن ذلك حديث ورجال قد ذكرها في سننه، فقوله: ما سكت عليه فهو حسن، ما سكت عليه في سننه فقط، أو مطلقًا؟ هذا مما ينبغي التنبيه عليه، والتيقظ له. فالمهم أنه كما قال الإمام ابن الصلاح: أن سنن أبي داود من مضان الحديث الحسن، معنى: مواقع الحديث الحسن، تجدها عند أبي داود، وعند الترمذي، وغيره. قال: ما يذكره البغوي في كتابه المصابيح، من أن الصحيح ما أخرجاه، أو أحدهما، وأن الحسن ما رواه ابن داود، وترمذي، وأصحابهما، فهو اصطلاح خاص، لا يعرف إلا له، وقد أنكره عليه النووي، ذلك لما في بعضها من الحديث المنكر. الإمام محيي السنة، الحسين بن مسعود البغوي، صاحب كتاب شرح السنة، وصاحب كتاب أيضًا المصابيح، وأما المشكاة، مشكاة المصابيح، فهي للفيروزآبادي، لكن المصابيح حصله لمن؟ للبغوي، ألف كتاب المصابيح، فيه حديث ألفه على كتاب السنن، معنى بالإسناد، لكن إذا أخرج الحديث البخاري ومسلم، يقول: صحيح، وإذا ذكره الترمذي، أو النسائي، أو ابن ماجه، أو النسائي، يقول: حسن، أنا هكذا اصطلحا، وهذا اصطلاح خاص، هذا اصطلاح خاص، لا يدخل في التصحيح، فهو إذا قال: حسن، فليس معنى أن الحسن هذا يقبل، فهو ليس على طريقة الترمذي. فالمهم أن هذا الاصطلاح ليس صحيحًا، وإن قلنا: أنه اصطلاح خاص له. قال: الحكم بالصحة والحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذًا أو معللًا، معنى: الحكم بالصحة والحسن على الإسناد، لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، وهذه فائدة طيبة، معنى: لما يقول مثلًا العالم في علم الحديث: يقول: وهذا إسناده حسن، وهذا إسناد صحيح، لا يدل على أن الحديث صحيح، لأنه قد يكون يقصد الإسناد فقط، لكن لو قال: الحديث إسناده صحيح، هذا ما فيه، هذا الظاهر أنه أراد الحديث نفسه، لكن لو قال: الإسناد صحيح، أو إسناده صحيح، أو إسناده حسن، فهو مما يكون مثلًا كما قلنا: يدل على حسن الإسناد، لكن قد يكون المتن شاذًا، قد يكون المتن شاذًا. مثلًا على سبيل المثال: حديث عبد الواحد بن زياد البصري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ركعتين بعد الفجر، أو قال: من صلى ركعتين بعد الفجر فليتطجع على شقه الأيمن، من صلى ركعتين بعد الفجر فليتطجع على شقه الأيمن، هذا الآن إسناد صحيح، إسناد على شرط مسلم، أخرج الإمام مسلم بهذا الإسناد عدة أحاديث، لكن المتن شاذ، المتن شاذ، لماذا؟ لأن الناس قد رووه عن الأعمش، ولم يذكروا أحدًا بأنه أمر من النبي صلى الله عليه وسلم فليتطجع، وإنما ذكروا ذلك من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث عائشة رضي الله عنها، وفي حديث أبي هريرة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى ركعتي الفجر، اتطجع على شقه الأيمن، اتطجع على شقه الأيمن، فجعله على سبيل الأمر، يعتبر شاذًا. فلهذا قال: نبه الشيخنا ابن الصلاح على أن الحكم بالصحة والحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، فقد يكون المتن شاذًا، أو معللًا، أو حتى قد يكون أيضًا منسوخًا، عند الأصوليين، بل جعل بعض أهل العلم من أهل الحديث، كالترمذي في العلل، جعل النسخ علّة، جعل النسخ علّة، وأبو داود رحمه الله، قال على حديث السبت: النهي عن صيام يوم السبت، قال: حديث منسوخ، وذكر أيضًا الخطابي: أن النسخ علّة عند أهل الحديث، تدل أيضًا أن العلماء ممكن أن يكون هذا الحديث منسوخًا، الإسناد الصحيح، لكنه منسوخ. طيب، ثم ذكر مسألة الحسن لغيره، إن شاء الله نتركها في درس لاحق.