الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع الأول معنى حسن الصحيح عند الترمذي واختلاف العلماء في تفسيره، بينما يتناول المقطع الرابع تصنيف مباحث الإسناد والمتن.
تناولت المقاطع الثانية والثالثة تعريف الحديث الضعيف والمسند والمتصل، وتوضيح الفروق بينها وبين الحديث الصحيح والحسن.
ناقشت المقاطع الأخيرة علاقة الإسناد والمتن بالبحث، وتصنيف مباحث الإسناد والمتن، مع التركيز على تعريفات المسند والمتصل والمرفوع والموقوف.
بسم الله الرحمن الرحيم. وأما قول الترمذي: هذا حديث الحسن الصحيح، فمشكل؛ لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمتعذر. فمنهم من قال ذلك باعتبار إسنادين: حسنًا وصحيحًا. قلت: وهذا يرده أنه يقول في بعض الأحاديث: هذا حديث الحسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ومنهم من يقول: هو حسن باعتبار المتن، صحيح باعتبار السند. وفي هذا نظر أيضًا. وهذا كما قلنا قد استعمل الإمام الشافعي كلمة الحسن، الحسن معناه بالمعنى اعتبار المتن. قالوا: في هذا نظر أيضًا؛ فإنه يقول ذلك في حديث مروي في صفة جهنم، في الحدود والقصاص ونحو ذلك. والذي يظهر لي أن الإمام ابن كثير معناه يريد أن يجمع أو أن يأتي بكلام يكون فصلًا في هذه القضية. فقالوا: الذي يظهر لي أنه يريد الحكمة بالصحة على الحديث كما يشرب الحسن بالصحة. فعلى هذا يكون ما يقول فيه حسن الصحيح أعلى رتبة عنده من الحسن ودون الصحيح. ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن. فعلى هذا يكون كأنه يرى أن الحكم على الحديث بالصحة فيه شيء، فيقوم يشربه بالحسن فيقول: حسن صحيح. فيجعل هذه المرتبة أقل من المرتبة. معنى هذه الحسن الذي ذكره أي في إسناده؛ كأنه يرى فيه ضعفًا في إسناده، فلهذا جمع بين الحسن والصحة، فقال: حسن صحيح. فيكون في مرتبة أقل من الصحيح وأرفع من الحسن. وهذا قال للعراقي: إنه الذي ظهر للحافظ ابن كثير تحكم لا دليل عليه. والحافظ ابن حجر جمع بين هذا على أنه على أمرين. قال: إن كان الحديث له أسانيد -إن كان الحديث له أسانيد- فمعنى كلامه أنه بإسناد حسن وبإسناد صحيح، أو أسانيد صحاح أو أسانيد حسن. هذا إذا كان بإسنادين أو أكثر، فإذا كان كذلك سيكون أرفع من الصحة. يعني عندنا حديث إسناده صحيح، وحديث إسناده حسن، نضع هذا الحديث الإسناد حسن فيه الصحيح، ونقول: حسن صحيح. فإذا يكون أرفع من الصحة. وقال رحمه الله: إذا كان ما فيه إلا إسناد واحد، ليس هناك أسانيد وإنما إسناد واحد، فقال: فيه حسن صحيح، إنما ذلك للتردد في الحكم. إنما ذلك للتردد في الحكم، وهو أشبه بكلام الحافظ ابن كثير للتردد في الحكم. هل معناه التردد في الحكم: هل مثل هذا يقال فيه صحيح أو يقال فيه حسن؟ وهذا موجود عن التردد عند العلماء كثير. الآن عندنا في صحيح المسند، الشيخ دائمًا يحكم، يقول: إما صحيح أو حسن، بحسب مرتبة الرواة. لكن أحيانًا قد يختلف مع الشيخ في مسألة تصحيحه أو تحسينه؛ بسبب أن هناك من الرواة من قال فيه بعضهم: إنه ثقة، وبعضهم تكلم في حفظه. فهل يؤخذ بكلام هؤلاء إذا كانوا مثلا كثير الذين وثقوه وأشادوا بحفظه؟ وهناك بعض العلماء تكلم في حفظه؛ قد يكون هذا من باب أنه حصل له شيء مقابلة أو حديث أو كذا، فقام فضعف في حفظه. مثلًا يونس بن يزيد الأيلي، كان يقول وكيع: يونس بن يزيد سيء الحفظ. كيف نقول سيء الحفظ وهو قد روى له أهل الكتب الستة؟ هو روايته في البخاري ومسلم، وهو من أكثر الناس رواية عن الزهري، بل وإتقان في حديث الزهري، حتى قال الإمام عبد الله المبارك: كتاب يونس ومعمر عن الزهري كأنه يخرج من مشكاة واحدة، يعني ما في فرق بينهما. فلهذا نقول مثلا: كلام وكيع يدل على أنه جلس يناظره أو يذاكره في بعض الأحاديث، فرأى حفظه ضعيفًا من ناحية الحفظ. حتى الإمام أحمد يقول في حفظ يونس: فيه شيء، لكن ما يتكلم عن الكتاب. أما كتابه فهو صحيح. فلهذا أحيانًا يحصل اختلاف الرجال، وأحيانًا يحصل اختلاف أيضًا في مسألة السماع. وهذه فيكون عند العالم تردد، ما يدري هل يقول: هذا حديث حسن أو يقول: حسن صحيح؟ فهذا الذي قاله الحافظ ابن حجر. وهناك أيضًا أقوال كثيرة في هذا الباب، ومنها أيضًا ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرح العلل، لكن ينحو نحو كلام الحافظ؛ لأنه يختلف سيرًا. قال النوع الثالث: الحديث الضعيف. قال: وهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن المذكورة فيما تقدم. قال: ثم تكلم على تعداد وتنوع باعتبار فقده واحدة من صفات الصحة أو أكثر أو جميعها. فإنقسم جنسه إلى الموضوع والمقلوب والشاذ والمعلل والمضطرب والمرسل والمنقطع والمعضل وغير ذلك. الآن في الحديث الضعيف مسألة: المسألة الأولى ما هو الحديث الضعيف؟ فقال: هو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن. وقال الحافظ ابن حجر: ما لم تجتمع فيه صفات القبول. ما لم تجتمع فيه صفات الحديث المقبول أو القبول. معناه: إذا لم تجتمع فيه صفات القبول، فيكون حديثًا حسنًا صحيحًا أو يكون حديثًا ضعيفًا. وما هي شروط أو شروط الحديث المقبول؟ هي ستة كما ذكر الحافظ: الاتصال، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، والعاضد عند الاحتياج. العاضد عند الاحتياج هذا الشرط السادس. العاضد عند الاحتياج: إذا احتجنا إلى عاضد للحديث، إن كان الحديث فيه ضعف يسير، فيحتاج إلى عاضد يرفعه إلى الحسن. وإن كان الحديث حسنًا، فيحتاج إلى عاضد ليرفعه إلى الصحة، يكون صحيحًا لغيره. يكون صحيحًا لغيره. فلهذا قال الحافظ: الشرط السادس العاضد عند الاحتياج. فهذه المسألة الأولى. ثم تكلم على تعداد وتنوعه باعتبار فقده واحدة من صفات الصحة. وهذا المسألة الثانية، وهي داخلة في الأولى. لا يشترط أن تفتقد جميع هذه الشروط، حتى ولو شرط واحد. ولهذا قيل لها الشروط. وبعضهم يسميها ضوابط. ولا مشاحة في الاصطلاح. المهم أنه لا بد أن تتوفر هذه الشروط والضوابط في الحديث، فلا يكون حديثًا صحيحًا يحتج به إلا إذا توفرت هذه الشروط. فإن اختل شرط من هذه الشروط، فهنا الحديث يعتبر ضعيفًا، لكن بحسب اختلاله. قد يكون الحديث مثلا فيه رجل كذاب، اختل العدل، لكن الحديث يكون موضوعًا. حديث فيه متهم بالكذب أو متروك، فهذا حديث ضعيف جدًا. وهكذا. بعضه فيه سيء الحفظ، حديث يعتبر لين أو ضعفه لين. وهكذا قال: فينقسم جنسه إلى موضوع. معنى الحديث الضعيف أنواع كثيرة؛ لأنها بحسب الشروط. معنى ينقسم هذا الحديث الضعيف أو يتخرج بحسب الضعف. مثلا الآن عندنا الاتصال، فيخرج المنقطع والمعضل والمرسل والمعلق. بل ما كان فيه تدليس سبت تدليسه، وما كان فيه إرسال خفي. فهذه كلها تخرج بالاتصال. أيضًا عدالة الراوي يخرج فيه كل طعن، كل راوي فيه طعن يخدش في عدالته، فهذا يعتبر الحديث ضعيفًا. لكن يختلف؛ قد يكون الطعن طعنًا وجريحًا شديدًا، فيكون إلى الوضع، إلى ضعيف جدًا، إلى المتروك. وهكذا قد يكون الطعن خفيفًا، فهذا يكون ضعيفًا أو معناه لين الحديث، أو أقصد الحديث ضعيف أو دون. معنى ما يقبل، لكنه ضعيف، وإن كان فيه الضعف لينًا. قال النوع الرابع: المسند. قال الحاكم: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال الخطيب: هو ما اتصل إلى منتهى. وحكم ابن عبدالبر أنه المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سواء كان متصلًا أو منقطعًا. فهذه أقوال ثلاثة في تعريف المسند. إيش هو المسند؟ عن الحديث المسند. عن الأئمة لهجوا بهذا الكلمة المسند، وألفوا كتب سمت بالمسند. الإمام أحمد وإسحاق وإبراهيم وغيرهم الأئمة سموا المسند. وكانوا يقولون: أسنده فلان. البخاري أيضًا سمى كتابه: المسند المختصر من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه وسيرته. أو كما قال. فهنا سماه أيضًا المسند. فالمسند كلمة تدل معنا من كلام العلماء تدل على اتصاله بالنبي عليه الصلاة والسلام، أنه مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا تجد في معناه في كلام العلماء هذا. إلا في كلام الحاكم، الحاكم قال: هو ما اتصل إلى منتهى، سواء كان إلى النبي أو إلى الصحابي أو إلى التابعي. فالحاكم عرفه بهذا. وهذا في معرفة علوم الحديث. ابن عبدالبر قال: المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان متصلًا أو منقطعًا. أقصد في كلام الخطيب: في كلام الخطيب هو ما اتصل إلى منتهى. لكن الذي كما قلنا يتعمل إطلاق هذه الكلمة في المسند، يجد أنهم ما يطلقون المسند إلا ويريدون به أنه ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضًا أمر آخر، وهو متصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. معنى المسند الذي يكون فيها أمران: اتصال، وأيضًا نسبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا عرفه الحافظ ابن حجر، وهو تعريف صحيح. عرفه: المسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال. مرفوع صحابي: أن الصحابي نسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني قال: ظاهره الاتصال. ليش قال ظاهره الاتصال؟ ذكر الحافظ أنه قال: ظاهر الاتصال؛ لأن من ألف في المسند، من ألف في المسانيد، ذكر رواية المدلسين، وذكر أيضًا رواية المعاصرين، وهو المرسل الخفي. فذكر هؤلاء إلى إما كمسند الإمام أحمد وغيره، رواية هؤلاء وجعلها من المسند. فهذا يدل على أنهم أرادوا أن المسند أيضًا لا يختل إذا صار فيه تدليس أو صار فيه إرسال خفي. فلهذا قال الحافظ: فالمسند ظاهره الاتصال. ظاهره الاتصال. وأيضًا الحافظ فعل ذلك حتى يفرق بينه وبين الاتصال الحقيقي. المتصل: اتصاله حقيقي، ليس فيه تدليس ولا إرسال خفي. فلهذا خلاصة ما يقال في المسند مثل ما قال الحافظ: أنه مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال. مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال. هكذا قال في النزهة. وحتى يفرق بينه وبين المتصل. قال النوع الخامس: ويقال المتصل، ويقال له الموصول أيضًا. هذا عبارة شافعي وغيره. قال: وهو ينفي الإرسال والانقطاع، ويشمل مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والموقوف على الصحابي أو من دونه. الإرسال هنا كله إرسال، سواء كان إرسالًا جليًا أو خفيًا. الإرسال هو رواية التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم. لكن العلماء غالبًا إذا ذكروا الإرسال، فهم يريدون أعم من هذا. معنا إذا ذكروا الإرسال في الأسانيد، فهم ما يريدون معنا مرسل التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إضافة التابعي الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم. وإنما يريدون أكثر من هذا، وهو الانقطاع. يريدون الانقطاع بين الراوي وبين شيخه، إذا كان لم يسمع فهو مرسل. إذا كان لم يسمع فهو مرسل، وهو المرسل الخفي. معنى عاصره لكنه لم يسمع منه، فهذا يسمونه المرسل الخفي. فلهذا الموصول أو المتصل، الحافظ ابن حجر رحمه الله رجح أن المتصل يخالف المسند في أمرين. أولًا: أن المتصل اتصاله حقيقي. اتصاله حقيقي. ومعنى حقيقي: أي أن كل راوي سمع من شيخه، ليس فيه تدليس ولا إرسال خفي. اتصاله حقيقي. والأمر الثاني الذي يخالفه المسند: أن المتصل إلى منتهى. معناه ممكن يكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ممكن يكون إلى الصحابي، ممكن يكون إلى التابعي، فيسمى بسناد المتصل أو حديث المتصل. فهذا الآن الفرق بين المتصل والمسند. فأحدهما يدخل في الآخر، لكن بينهما فرق. أن المتصل اتصاله حقيقي، وكذلك إلى منتهى. والمسند اتصاله ظاهر، وإلى النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الفرق بين المسند والمتصل. والمسند والمتصل يعتبر مباحث الإسناد. وسيأتي المرفوع والموقوف من مباحث المتن.