الخطبة بعنوان من فوائد الصيام في شهر شعبان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 12 شعبان 1442هـ الموافق 26 مارس 2021م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول الخطبة فضيلة صيام شهر شعبان بوصفه مفتاحًا لشهر رمضان مستدلاً بأحاديث صحيحة عن عائشة رضي الله عنها. بينت الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان ويحبه، وحديث أنس رضي الله عنه يؤكد حبه لصيام هذا الشهر.
يوضح المقطع أن النبي ﷺ كان يكثر صيام شعبان لكونه شهراً يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وترفع فيه الأعمال إلى الله. كما كان يصومه وصلاً ب رمضان وتوطئة له، واقتدى السلف بذلك فجعلوا شعبان شهر صيام وقراءة للقرآن تدريباً على طاعة رمضان.
يبين المقطع النهي عن صيام يوم أو يومين قبل رمضان احتياطاً له، مع جواز صيام آخر شعبان لمن اعتاد الصيام فيه تمريناً لا احتياطاً. ويرجح جمهور العلماء أن صيام المحرم كاملاً أفضل من صيام شعبان، لأن شعبان إنما شرع تمريناً وتسهيلاً لصيام رمضان لا راتبة مستقلة.
يختتم المؤلف كلامه مؤكداً أن ما ذُكر هو ما أراد بيانه في هذا المقام. ثم يتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه بطلب المغفرة والرحمة، ويختم بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فإن الله عز وجل أكرمنا بمواسم الطاعات، وكذلك بالمواسم التي تزيد فيها الحسنات. فإننا عباد الله في شهر عظيم، شهر بين يدي شهر فضيل، شهر رمضان. فإننا في هذا الشهر، شهر شعبان، الذي هو مفتاح لشهر رمضان. وقد جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصوم في شعبان، ويحب صوم تلك الأيام أو هذا الشهر العظيم؛ لأجل أن يصله برمضان. لهذا، عباد الله، جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام بصيام هذا الشهر، كما جاء في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن صيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وكان حب الصيام إليه شهر شعبان»، أو قالت: «كان يصوم شعبان كله، وكان لا يصوم شهرًا كاملًا إلا ما كان من رمضان، وكان يصوم شهر شعبان كله». وجاء في رواية عبد الله بن شقيق: «كان يصوم شهر شعبان». وجاء في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان يصوم شعبان كله، وكان يصومه إلا قليلاً». وهذا يبين لنا أن المراد بقوله «كله» أي أكثره، كما قال عبد الله بن المبارك: «إن العرب تقول: فعلت ذلك الأمر كله، أي أكثره». فعائشة رضي الله عنها لم ترد في قولها «صيامه صامه كله» إنما أرادت أكثره؛ لأنها قد قالت: «ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يصوم شهرًا كاملًا إلا رمضان». لهذا، عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصوم هذا الشهر العظيم، يصوم أكثره، بل إنه كان يحب صيامه. أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب الشهور إليه أن يصوم بعد رمضان - أو قال: أن يصوم غير رمضان - شعبان، أنا أحب الشهور أن يصوم فيها شعبان، كان يصومه كله». فهذا الحديث أيضًا يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الصيام في شعبان. وكذلك جاء عند الطبراني والبزار، ويصححه الشيخ الألباني في الصحيحة عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب صيام شهر شعبان. فهذه الأحاديث تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب هذا الشهر أن يصومه. وقد ذكرت هناك علل وأسباب، أو فوائد، أو ما فائدة صيام النبي عليه الصلاة والسلام لشهر شعبان، أو صيام أكثره. فهناك جاءت أحاديث تبين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من صيام هذا الشهر وفوائده. فمن ذلك حديث أسامة بن زيد الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن ثابت بن قيس أبي الغصن عن سعيد المقبري عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قال - أو قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: «إنا نراك تصوم في شهر شعبان أكثر ما تصوم في غيره»، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». وهذا الحديث قد صححه جماعة من أهل العلم كالشيخ الألباني رحمه الله، وإلا فثابت بن قيس أبو الغصن مختلف فيه. في هذا الحديث ذكرت فائدتان من فوائد صوم شهر شعبان: أولاً: أنه شهر يغفل عنه الناس. وأيضًا الأمر الثاني: أنه ترفع فيه الأعمال. هاتان فائدتان مأخوذتان من هذا الحديث: أنه يغفل عنه الناس، وكما قال الحافظ ابن رجب: «إن أوقات الغفلة يكون فيها الأجر مضاعف، سواء كان في غفلة في الزمان أو في المكان». وكذلك أيضًا أنه ترفع فيه الأعمال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». وهناك أيضًا فائدة جاءت إشارتها في الأحاديث في صيام شعبان، جاء في حديث عائشة الذي ذكرناه، في حديث عبد الله بن أبي قيس الذي أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وإسناده صحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي عليه الصلاة والسلام أحب الشهور إليه صيامًا شهر شعبان، يصومه ويصل به رمضان». وأخرج كذلك النسائي وأبو داود عن أم سلمة أنه كان يصوم شعبان يصل به رمضان. ومعنى «يصل به رمضان»: أن يجعله كالتوطئة والتمهيد لشهر رمضان، يجعله كالتوطئة والتمهيد لصيام شهر رمضان، أو كما نقول: أنه يتدرب، أو كالتدريب على الصيام في شهر الصيام. فمن استغل هذا الشهر العظيم، شهر شعبان، في الصيام، سهل عليه شهر رمضان أن يصومه. ومن لم يستغل شهر شعبان في الصيام، فإنه يدخل عليه شهر رمضان... فلهذا صار مهيدًا لصيام هذا الشهر العظيم، شهر رمضان. وهذه فائدة عظيمة ذكرها الحافظ ابن رجب وغيره مما أخذ من هذه النصوص. لهذا، عباد الله، ينبغي علينا أن نحرص على أن نجعل هذا الشهر عونًا لشهر رمضان، أي عونًا لصيامه؛ فمن تدرب على الطاعة عاد عليها. ولهذا كان السلف رحمهم الله يجعلون هذا الشهر شهر صيام وقراءة للقرآن، لأن رمضان شهر للصيام والقراءة، فيمهّدون له ويمرنون أنفسهم على الطاعة؛ لأجل إذا جاء موسم الطاعة العظيم سهل عليهم ذلك الأمر. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على طاعته وأن يعيننا على مرضاته، سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا بعض الفوائد من صيام شهر شعبان، أو من صيام النبي عليه الصلاة والسلام لشهر شعبان. وأيضًا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام مما يبين الفائدة الأخيرة، وهي أن من صام شعبان تمرن على الصيام فسهل عليه شهر رمضان. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أنه لا يصام آخر الشهر... «من لم يصم أوله فلا يصوم آخره»، ومن لم يصم من شهر شعبان فلا يصم آخر شعبان. وقد جاء في الصحيحين في حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وجاء كذلك في حديث الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا صوما كان يصومه أحدكم». لا تقدموا صوم رمضان بيوم أو يومين إلا صوما كان يصومه أحدكم. فبين النبي عليه الصلاة والسلام هنا أن الإنسان لا يحتاط لصيام رمضان بيوم أو يومين، بمعنى: قبل أن يأتي رمضان يصوم احتياطًا، فإن هذا منهي عنه، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنه؛ لأنه أيضًا لا يستفاد منه إذا كان الصوم في آخر الشهر، فإنه لا يستفاد منه في التمرن بالصيام. ولهذا يصحح بعض أهل العلم حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا انتصف شهر شعبان فلا تصوموا، إذا انتصف شهر شعبان فلا تصوموا». إلا أن أكثر أهل العلم يرون أنه حديث منكر. لهذا، إذا صام العبد صام من شعبان، فإن له أن يصوم ولو آخر الأيام؛ لأنه لم يصمه لأجل احتياطًا لرمضان، وإنما أراد أن يزداد من الخير في هذا الشهر لكي يتمرن على صيام شهر رمضان. فليس في هذا شيء إذا كان يصومه، مثلا حتى لو كان يصوم مثلا للاثنين والخميس، فصادف آخر الأيام اثنين أو خميسا، فلهذا يصوم؛ لأنه لم يرد الاحتياط. وأما يوم الشك فقد جاء أيضًا النهي عنه، وهذا ما يؤيد أن الإنسان لا يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين احتياطًا لرمضان. وأما إن كان كما قلنا قد صام وتعود الصيام في شهر شعبان، فإنه أيضًا له أن يصوم ولو كان آخر يوم من رمضان - إن لم يصمه احتياطًا. فبهذا تجتمع هذه الأدلة على أنه ينهى عن صيام يوم أو يومين لمن كان لم يتعود الصيام من قبل. وهنا أيضًا مسألة أخرى ذكرها بعض العلم، وهي مسألة استحباب صيام شعبان: هل هو أفضل من صيام شهر الله المحرم؟ فهنا أولاً نقول: إن شهر الله المحرم استحب صيامه كله، استحب صيامه كله. وأما شهر شعبان فالظاهر من الأدلة كما تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يصومه كله، إنما يصوم أكثره، يصوم أكثره. لكن المحرم يستحب صيامه كله. وأيضًا بعض العلم فضل صيام شعبان، قالوا: لأنه راتبة، مثل الراتبة لرمضان، مثل من يصلي الراتبة للصلاة، مثلا يصلي قبل الظهر أربعًا وبعد الظهر ركعتين، وهي راتبة للصلاة. والسنن الرواتب عند العلماء أفضل من سنن التطوع عن الذي يكون تطوعًا مطلقًا، فالرواتب عند العلماء يقولون: هي أفضل من التطوع. وكذلك هنا إذا جعلنا شعبان راتبة لرمضان، لكن الأدلة لا تشعر لذلك. ولهذا فالصحيح وهو قول جمهور العلماء: أن صيام المحرم كله هو أفضل من أن يصام شعبان، وإنما شعبان هو وسيلة إلى التمرن على صيام رمضان حتى يسهل على العبد صيامه. فهذا إن شاء الله تعالى ما أحببنا ذكره في هذا المقام. فنسأل الله عز وجل أن يغفر لنا وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين.