الدرس في شرح كتاب الطهارة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يرجح المقطع طهارة مني الآدمي مستنداً إلى فعل عائشة رضي الله عنها، ويبين أن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه النضح بينما يُغسل بول الجارية. كما يذكر قاعدة زوال عين النجاسة وإسقاط اللون والريح بدليل حديث خولة في دم الحيض.
يوضح المقطع أن غسل النجاسة بالماء يزيل عينها ويكفي في الطهارة حتى لو بقي لونها أو رائحتها، ويرجح نجاسة الخمر بحديث أبي ثعلبة. كما يقسم الخارج من الإنسان إلى طاهر ونجس ومختلف فيه، ويذكر قاعدة الاستحالة.
يشرح المقطع قاعدة استحالة النجاسة بمثال الميتة والخمر المتحول إلى خل، مؤكداً أن الحكم يدور مع علته. ثم يستعرض أول ستة شروط للوضوء: الإسلام، العقل، التمييز، النية، استمرارها، وانقطاع الناقض.
يذكر المقطع شروط صحة الوضوء كاستخدام ماء طهور مباح وإزالة الموانع، مع استثناء الاستنجاء في حالات معينة. ويبين حكم أصحاب الحدث الدائم كالمستحاضة وسلس البول حيث يتوضؤون لكل صلاة ولا يضرهم الحدث اللاحق.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، أخذنا في الدرس الماضي تكملة أهلية النجاسات. أخذنا بول وروث كل حيوان محرم أكله، وعرفنا مذاهب العلماء في التفريق بين أروث وبول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. وأخذنا أيضًا السباع، وعرفنا خلاف العلماء في ذلك والقول الصحيح فيها، وكذلك الميتات: أخذنا دليلها، وأخذنا ما يستثنى من الميتة، ومنها الآدمي، وما لا نفس له، والسمك، والجراد، ورود الدليل في ذلك. طيب، ثم قال: "ومني الآدمي طاهر". كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل رطبه، ويفرك يابسه. المني كذلك موضع خلاف بين أهل العلم. فما ذهب إليه الشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه، ومنهم شيخ الإسلام كذلك وابن عثيمين، وما ذكره المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، يرون طهارته. واستدلوا بحديث عائشة الذي أشار إليه المؤلف: "كنت أفرق المني من ثوب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يلبسه عليه الصلاة والسلام، ويخرج يصلي فيه". والفرق لا شك أنه لا يكفي في إزالة النجاسة لو قلنا بنجاسته. فاستدل هؤلاء بهذا الحديث على طهارته. ثم إن هذا الفعل من عائشة، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فكانت إن كان يابسًا تفرقه، وإن كان رطبًا تغسله؛ لأن الرطب لا يزال بالفرق، أما اليابس فيزال بالفرق. فاحتج هؤلاء الذين قالوا بعدم النجاسة: أن المني لو كان نجسًا لوجب غسل جميعه، اليابس منه والرطب، مثله ومثل غيره من النجاسات، مثل العذرة، ومثل ما تقدم معنا من المذي أو الودي. فلو كان هناك يعني يجوز الفرق في تلك النجاسات لبيّنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فدل ذلك على طهارته. وإنما تفرقه لأنه مستقذر، المني مستقذر، اليابس منه والرطب. استدلوا بهذا على طهارته. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته، واستدلوا بحديث غسله، قالوا: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تغسل المني الرطب، فهذا دليل على نجاسته. وأما فرقه، فقالوا: اليابس ليس كالرطب، فيخرج المني ولا يبقى إلا الأثر اليسير. فاستدلوا بهذا الحديث على نجاسته. ورد عليهم أصحاب القول الأول بأن: أولاً، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فعل لم يأمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدل ذلك على أن هذا إنما هو منها، هذا الفعل منها رضي الله تعالى عنها، ولم يكن بأمر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وثانيًا، فرق المني كما تقدم معنا، لو كان نجسًا لما جاز هذا الفرق؛ لأن النجس لا بد من إزالته بالماء، لابد من إزالته بالماء، إلا ما قد يزال بالتراب كما في النعل، وكما في مؤخرة ثوب المرأة، فهذا جاء به النص. أما المني فلم يأت فيه نص باستثناء الماء. فكون عائشة تفرق بين اليابس والرطب، فهذا دليل على أن إزالتها للمني إنما هو من باب الاستقذار، لا من باب النجاسة. فيجعلون المني كالبصاقة، وكالنخامة، ونحو ذلك، فلا يرون نجاستها. والله أعلم. الأقرب قول من قال بالطهارة، لأن كما تقدم: الأصل البراءة، الأصل البراءة وعدم النجاسة إلا بدليل ينص على ذلك. والله تعالى أعلم. قال: "وبول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام لشهوة يكفي فيه النضح". الآن هذا يبين كيفية إزالة النجاسة. الأصل في إزالة النجاسة أن تكون بالماء، هذه قاعدة عند أهل العلم. الدليل: هذا الحديث، حديث أبي السمح، وحديث غيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام، ويرش من بول الغلام". والمراد بالغلام كما ورد في هذا الكلام للمؤلف: الذي لم يأكل الطعام لشهوة. إيش معنى "لم يأكل الطعام لشهوة"؟ يعني غالب طعامه حليب الأم، يرتضع، يرتضع من الحليب، أو يعمل له الحليب، لا يأكل الطعام مثلاً البر أو الأرز مثلاً أو الدقيق أو نحو ذلك، لا، إنما لا يزال يعتمد في طعامه على حليب الأم. وقوله: "لم يأكل الطعام لشهوة"، لأنه قد يعطى هذا الغلام الطعام لا لرغبة هذا الغلام للطعام، وإنما يلقمه تلقيماً، يلقمه تلقيماً، فهذا لا يدخل في هذا الباب، يعني لا يكون حكم حكم الكبير، لا يزال غلامًا لأنه أكل الطعام عن غير شهوة. وإنما يرتفع هذا الحكم عن الغلام إذا أكل الطعام لشهوة، يعني يشتهي أكل الخبز والصان والرز والسمك، ويشتهي ذلك، ويعني يطلب ذلك. فهنا نقول: حكمه حكم بول الكبير، يغسل. لكن إذا كان لم يأكل الطعام، وإنما غالب أكله على الحليب، فهنا يكفي فيه النضح. النضح بمعنى: وقع في ثوبك، لا يلزم أنك تغسل الثوب بالماء وتدلكه، لا، يكفي أنك ترش عليه الماء فقط. هذه تسمى طهارة مخففة، طهارة ماذا؟ مخففة. طيب، وأما الجارية، والمراد بالجارية البنت، الغلام الذكر والجارية البنت الأنثى، فهذه البنت وإن كانت لم تأكل الطعام فحكم بولها حكم بول الكبير، فيغسل، فيغسل. ولذلك قال: "يغسل من بول الجارية"، ما يكفي فيه النضح، ما يكفي فيه الرش، وإنما يغسل. قد يدور في يعني ذاكرة أحدكم: لماذا هذا التفريق؟ ذكر العلماء حكماً في التفريق بين بول الغلام وبول الجارية. لماذا بول الغلام يرش، وبول الجارية يغسل، مع أن كليهما لم يأكل الطعام؟ إيش السبب؟ ذكروا أسباباً، فمن تلك الأسباب قالوا: إن بول الجارية ينتشر، لما تبول الجارية لأن موضع البول ليس كموضع بول الذكر. الذكر لما يبول ينحصر بوله في مكان واحد لأنه يخرج من ذكره، ويكون يعني ليس مفرقاً. بخلاف الجارية، الجارية لما تبول ينتشر بولها، وتكون أكثر يعني يكون البول أكثر انتشاراً في المكان أو في الثوب، بخلاف بول الغلام. ذكروا هذا من العلل أو من الحكم. وذكروا من الحكم أيضاً أن بول الجارية يكون أكثر نجاسة، أكثر نجاسة من بول الذكر. ذكروا ذلك، بل ربما بعض الأطباء أكد ذلك، وهذه يعني خلقة خلق الله عز وجل عليها الأنثى، أن بولها يكون أشد نتناً، أشد نتناً. أي شيء أعوض هذا الكلام صحيح؟ ها، يذكرون ذلك أن الأنثى بولها أشد نجاسة من بول الذكر. والله تعالى أعلم. قال: "وإذا زالت عين النجاسة طهر المحل، ولم يضر بقاء اللون والريح". لقوله صلى الله عليه وسلم لخولة في دم الحيض: "يكفيك الماء، ولا يضرك أثره". أخرجه أبو داود، وأحمد، وهو حديث صحيح. ومعنى "إذا زالت عين النجاسة": بمعنى إذا زال الجرم، جرم النجاسة. طيب، فبعد غسله، طبعاً هذا إذا غسلت المكان تمام. فبعد، لأنه جاء في حديث خولة لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض قال: "تحته، ثم تقرصه، ثم تغسله". طيب، القرص يعني الشد، يعني أو يعني الحك الشديد بالماء، الحثة الشديد بالماء، ثم تغسله. فقيل له: فإن بقي شيء منه؟ قال: "يكفيك الماء، ولا يضرك أثره". قوله: "يكفيك الماء"، معناه أنه يغسل بالماء. لا يفهم من هذا أن مثلاً هنا عذرة، خلاص إذا أخذت العذرة المكان هذا طاهر، لا، لابد من غسل المكان بالماء. فإذا بقي شيء بعد الغسل، وهذا قد يقع، لأن دم الحيض يكون أسود، ويكون أشد يعني لوناً في الثوب، فربما أحياناً المرأة تغسل هذا الدم فيبقى أثر الدم، هذا ما يخرج، ما يخرج، فلا بأس بما بقي من لون، لا بأس بما بقي من لون. وكذلك الريح، قد بعض العذرة تكون شديدة الرائحة، فأنت تغسل بالماء، بالصابون، ولبما لا يزال في هناك رائحة يسيرة، هذه الرائحة لا تضر، هذه الرائحة لا تضر، طالما أنك غسلته بالماء وزالت عين النجاسة، فلم يضر بقاء اللون أو الريح. لهذا الحديث، لهذا الحديث. طيب، بقي هناك أشياء لم يذكرها هنا المؤلف من النجاسات، ومنها الخمر. الخمر هل هو نجس أو ليس بنجس؟ اختلف العلماء في ذلك. فجمهور أهل العلم، أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، يرون نجاسة الخمر، يرون نجاسة الخمر. واستدلوا بآيات من القرآن، وبأحاديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. أما من القرآن، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فقالوا: رجس أي نجس. هذا ما استدلوا به، بغض النظر عن صحة الاستدلال، سيأتي الكلام عليه. واستدلوا أيضاً بقول الله عز وجل في وصف خمر الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، فقالوا: لا يحصل الامتنان إلا إذا قلنا بنجاسة الخمر، لأن لو قلنا الخمر ليست بنجسة ستكون مشابهة لخمر الجنة في الطهارة، والله عز وجل قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. فبسبب يعني ذهاب معنى الامتنان من الآية، قالوا: هذا أيضاً استدل بها على نجاسة الخمر. واستدلوا أيضاً بحديث أبي ثعلبة الخشني الصحيح، رضي الله تعالى عنه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، ويشربون في آنيتهم ماذا؟ الخمر". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا. إن وجدتم غير هذه الأواني اتركوها، هذه الأواني التي يشرب فيها الخمر أو تأكل فيها الخنزير، واستبدلوها بغيرها. إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء". ارحضوها يعني اغسلوها، اغسلوها. "فارحضوها بالماء، وكلوا واشربوا". قالوا: فقوله "وارحضوها" أو "فارحضوها" دليل على نجاستها، لأن الغسل لا يكون إلا من النجس، الغسل لا يكون إلا من أيش؟ من النجس. هذه هي أدلتهم، وهي في الحقيقة، خصوصاً هذا الحديث، الدليل به قوي، الدليل به قوي. والحديث رواه أبو داود، وصححه الألباني. رواه أبو داود، وصححه الألباني. ليس في الصحيحة، أنا قلت في الصحيحين، سبق لسان. الحديث هذا رواه أبو داود، وصححه الألباني. هذا قول الجمهور. وذهب داود الظاهري، والليث، والشوكاني، ومن المعاصرين الألباني وابن عثيمين، إلى طهارة الخمر، إلى طهارة الخمر. واستدلوا أولاً بالبراءة الأصلية، قالوا: الأصل الطهارة إلى أن يأتي دليل بالنجاسة. طيب، هذا أمر. الأمر الثاني: قالوا الدليل يدل على طهارته، ما هو الدليل؟ قالوا: لما حرمت الخمر كما في حديث أنس، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يهريقوا الأواني التي فيها الخمر، فأهرقوها في طرق المدينة. طيب، قالوا: فلو كانت الخمر نجسة لما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يهرقوها في طريق الناس، ويمر الناس من هذه الطريق، خصوصاً النساء التي يكون لباسهن يعني يسحب في الأرض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يطهرهما بعده ذيل المرأة". فقالوا: كيف إذا كان نجساً يأذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بإراقة، بإراقة الخمر في الطريق، في الطريق؟ فدل ذلك على طهارته، فدل ذلك على طهارته. والقول، والله أعلم، الأول، وهو قول الجمهور، أقوى، وكذلك أظهر في الأدلة، لحديث أبي ثعلبة الخشني. واستدل، ورد من قال بالطهارة، رد على قول الجمهور في الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، قالوا: المراد بالرجس هنا في العمل، فهو رجس معنوي، بدليل أن الثلاثة التي قرنت مع الخمر لم يقل أحد بنجاستها: الميسر يعني القمار، هل القمار نجس؟ لا. والأنصاب يعني الأصنام، هل هي نجسة؟ لا. وكذلك الأزلام، القداح التي يضربون بها، هل هي نجسة؟ لا. فقالوا: إذن المراد بالنجس هنا النجاسة المعنوية، وهي نجاسة العمل، للعل قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. فالأية الصراحة ليس فيها دليل. لكن إن قلنا بقول الجمهور فبدليل الحديث: "فارحبوها بالماء"، أي اغسلوها بالماء. مع أن من قال بالطهارة قال: هذا الحديث يحمل على إزالة المحرم، لأن الخمر محرمة، فهو من باب إزالة المحرم. لكن هذا اجتهاد منهم، طالب أنه جاء الغسل، فقرن مع الخنزير، قرن مع الخنزير، والخنزير نجس بإجماع الفقهاء أن الخنزير نجس. طيب، فكونه يقرن مع الخمر، فهذا أيضاً دليل على نجاسة الخمر. والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم. وهذا القول أيضاً ترجيح، وهو نجاسة الخمر، من المعاصرين الشيخ ابن باز عليه رحمة الله، الشيخ ابن باز يرى نجاسة الخمر، يرى نجاسة الخمر. هذا ما ورد في هذه النجاسات. طيب، نعطي خلاصة لما يخرج من الإنسان. أي شيء يخرج من الإنسان، قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام، إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: طاهر بلا نزاع. هناك أشياء تخرج من الإنسان وهي طاهرة من غير نزاع، ولا خلاف بين العلماء، مثل الريق، والمخاط، والبصاق، والعرق. هذه الأشياء الأربعة ليست بنجسة بالإجماع، بل هي مستقذرة، وفرق بين المستقذر وبين النجس. هذا القسم الأول. قسم ثاني: نجس بلا نزاع، يعني ما في خلاف أنه نجس، كما مر معنا، وهو الغائط، والبول، والودي، والمذي. هذا وقع فيه إجماع بين العلماء. وقسم مختلف فيه: يخرج من الإنسان وهو مختلف فيه، مثل المني، والدم. المني والدم. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك، وذكرنا الراجح منه. والله تعالى أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من باب إزالة النجاسات. بقي مسألة واحدة فقط، وهي إزالة النجاسة بالاستحالة. ولعلنا أشرنا إليها من قبل، لكن نذكرها هنا للمناسبة. إزالة النجاسة بالاستحالة. إيش معنى الاستحالة؟ معنى الاستحالة يعني ذهاب، ذهاب أثر النجاسة بسبب مثلاً سكب الماء عليها، أو بسبب تحللها في الأرض، أو نحو ذلك. مثال ذلك: مثلا عندنا قليل من البول، وضعنا عليه مثلاً قلة من الماء. طيب، من سيغلب الآن، البول أو الماء؟ الماء، لأن الماء كثير. فإذا شممت الماء ما تجد فيه رائحة البول، وإذا طعمته ما تجد فيه رائحة البول. فهنا هل نقول الماء طاهر أو ليس بطاهر؟ نعم، الماء طاهر. لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذا وجدت النجاسة أثبتنا الحكم، وإذا لم توجد النجاسة لم نثبت الحكم. ويستدلون على استحالة النجاسة أيضاً بالميتة، عندما توضع مثلاً في الأرض فتتحلل، تطلع على هذا تجد الميتة هذه ما في فيها لا رائحة ولا شيء، تجد فقط عظام أو شعر أو نحو ذلك، تتحلل تماماً هذه الميتة. فقالوا: العبرة بالحكم، حكم النجاسة، هل هو موجود؟ إذا وجد فهي نجسة، وإن لم يوجد فهي ليست بنجسة. وذكروا من ضمن هذه المسائل مسألة الخل، لمن يقول بنجاسة الخمر، لمن يقول بنجاسة الخمر. لأن الخل لا يكون خلا إلا بعد أن يمر بمرحلة، بمرحلة القمورة. أولاً يتخمر في مرحلة من مراحله، ثم بعد ذلك يكون خلا، سواء كان خل التفاح، أو خل العنب، أو خل الجوز الهند، أو نحوه. هذا لا بد أن يمر بمرحلة القمورة. فإذا صار هذا الخمر خلا، فهل يجوز الانتفاع به؟ نعم يجوز، لأنه خرج عن كونه خل، خرج عن كونه خمر، صار خل. هنا ما صار خمره. فإذا شربه الإنسان ما يسكر، صح، ما يذهب عقله. إذا شربت خل هل يذهب عقلك؟ لا. واضح. فهذا أيضاً من هذا الباب، أن الخمر هذا قد استحالت، استحالت، وانتقلت من حالة إلى أخرى. فالنجاسة إذا انتقلت من حالة إلى أخرى، فالصحيح أنها لا يكون حكمها حكم النجس، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذا وجدت النجاسة أثبتنا الحكم، وإذا لم توجد النجاسة لم نثبت، لم نثبت الحكم. وبهذا نكون قد انتهينا من باب إزالة النجاسة والأشياء النجسة. ثم قال: "باب صفة الوضوء". الوضوء كما تقدم معنا شرط من شروط الصلاة، ولذلك يتقدم على أحكام الصلاة، ويدخل في باب الطهارة، يدخل في باب الطهارة. والوضوء له شروط، ذكر المؤلف منها هنا عشرة، وعرفنا ما معنى الشرط. والشرط هو الذي يتقدم العبادة، يتقدم العبادة، ولا تصح العبادة إلا به. فذكر من شروط الوضوء: الإسلام. لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾. فأي عبادة يعملها الكافر فإنها لا تصح منه، لأن من شرط العبادة الإسلام، سواء كان في الوضوء، أو في الصلاة، أو في الصيام. هذا الشرط يذكره العلماء في كل عبادة، في كل عبادة. قال: الشرط الثاني: العقل. ودليله حديث علي: "رفع القلم عن ثلاثة"، وذكرهم: "عن المجنون حتى يفيق". عن المجنون حتى يفيق. المجنون الذي لا عقل له، فالمجنون أو الخرف كذلك ليس عليه وضوء، بل ليس عليه صلاة، ولا صيام، ولا شيء من العبادات، لأن العقل هو يعني موطن التكليف. قال: التمييز. انظر، قال هنا: "التمييز في الوضوء"، ولم يقل البلوغ. وفرق بين التمييز والبلوغ. تمام. فيصح الوضوء من المميز، لأن المميز أمر بالصلاة، وإذا أمر بالصلاة يتضمن هذا الأمر الأمر بشروط الصلاة، ومن شروط الصلاة الوضوء، ومن شروط الوضوء التمييز. واضح؟ ودليل التمييز: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع". مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع. وأبناء سبع، هل هذا سن، سن تمييز، أو سن بلوغ؟ هذا سن تمييز. ولذلك قال العلماء: السن السابع، الغالب أن الطفل يبدأ في التمييز، هذا الغالب. وقد من الأولاد من يميز قبل، ومنهم من يميز بعد، لكن الغالب إذا بلغ السابعة فإنه يميز. ولذلك اعتمد التربويون هذا السن في قبول الطفل في المدارس. عندنا هنا في المدارس صف أول يقبلون من السن كم؟ سابعة، أو داخل السابعة. نعم، يعني في سن السابعة، في سن السابعة، لأنه سن التمييز. طيب، قد يقول القائل: هذا الحديث في الصلاة. نقول: طيب، في الصلاة، الصلاة لها شروط، ومن شروطها الوضوء. هل تريد أن يصلي بدون وضوء؟ لا. قال العلماء: إذا أمر بالصلاة فإنه يؤمر بما لا تصح الصلاة إلا به، وهو ماذا؟ الوضوء. فيعلم كذلك الوضوء. "مروا أولادكم بالصلاة"، ما هي سمع أن تقول: الله صلي، وهو يصلي من غير وضوء، أو لا يحسن الصلاة، ولا يعرف يعني فعل الصلاة. المراد أن تعلمه كيف تصح صلاته، ومن ذلك الوضوء. قوله: النية. هذا الشرط الرابع. ودليلها عموم حديث عمر: "إنما الأعمال بالنيات". بل ذكر العلماء أن من أدلة النية في الوضوء قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قالوا: فقوله "إذا قمتم" يعني إذا نويتم الصلاة، ففيه أن النية تكون في الصلاة، وتكون كذلك في الوضوء، لأن الآية وردت في سياق الوضوء، في سياق الوضوء. فلابد من النية، لأن الوضوء له كيفية معينة، فإذا لم ينوي لربما غسل أعضاءه من غير ترتيب، فوضوؤه لا يصح. ولربما كذلك يعني لم يغسل أحد أعضائه، فهذا ليس بوضوء. فنية الوضوء أن تنوي أن تغسل أعضاءك كما أمرك الله عز وجل في كتابه، وجاء في السنة من تلك الكيفية الخاصة بالوضوء. ومثله يذكرون النية في الغسل، لأن الأغسال متعددة، منها ما هو غسل جنابة، ومنها ما هو غسل نظافة، ومنها ما هو غسل استحباب، ونحو ذلك. فلابد من التمييز بالنية، النية هي التي تميز العمل، التي تميز العمل. قال: خامسة: أن تستمر النية من أول الوضوء إلى نهايته. وسبب في ذكر هذا الشرط، لأن كما ذكرنا الوضوء له كيفية معينة، فأنت لو مثلاً نويت من أول الوضوء، فغسلت وجهك، ثم قطعت هذه النية، قطعت هذه النية، فلربما يكون وضوءك غير شرعي، يكون وضوءك غير شرعي. يذكرون هذا، وإلا فبعض أهل العلم اكتفى بالنية الأولى، ولا شك أن من نوى الوضوء من أوله فهو لا يقطعه، بل يستمر فيه بهذه النية. قال: سادسة: لا يتوضأ وهو يأكل لحم جزور مثلاً، أو وهو يبول. بل لا بد من انقطاع الناقض قبل الشروع في الوضوء. إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أنك تمتنع عن نواقض الوضوء من أول الوضوء إلى آخره. ليس معنى يعني أن تتوضأ مثلاً: تغسل يديك، ثم تغسل وجهك، ثم تخرج شيء من بطنك. إذا خرج شيء من بطنك، معنى أنك تحتاج إلى إعادة الوضوء. ليس يعني تخرج شيء من بطنك وأنت تستمر تغسل يديك، وتمسح، تمسح رأسك، ها، مسحة رأسك، خرج ريح من بطنك، خلاص، عاب معاك الرجلين، غسلت رجليك، وانتهيت من الوضوء. لا، هذا الوضوء لا يصح. لا بد أن يكون الناقض يعني لست متلبساً به من أول الوضوء إلى آخره، من أول الوضوء إلى آخره. وهذا أيضاً في الغسل. إذا توضأت في الغسل مثلاً غسل الجنابة، ثم اغتسلت، ولم تأتي بناقض، فيكفي الوضوء الأول في الغسل، يكفي الوضوء الأول. لكن لو مثلاً توضأت أول الغسل، ثم اغتسلت، وخرج شيء من البول، أو اغتسلت وخرج شيء من الريح، أو اغتسلت ومسست ذكرك، على القول بأن مس الذكر ينقض الوضوء، كما سيأتي معنا، فهنا لا بد أن تعيد الوضوء. واضح؟ لا بد أن تعيد الوضوء، ما يكفي الوضوء الأول، ما يكفي الوضوء الأول. قال: سابعة: الاستنجاء أو الاستجمار قبله. يعني إذا كان موضع الدبر أو القبل فيه نجاسة من بول أو غائط، لا بد أولاً من إزالة هذه النجاسة باستجمار أو استنجاء. قال: إلا إذا كان الوضوء من الريح، أو النوم، أو أكل لحم الجزور. فهنا لا يلزم غسل الموضع، لأن الريح ليس له جرم. وهذا خطأ بعض الناس، بعض الناس يقول لك: إذا خرج ريح لا بد أن تستنجي. لا، هذا ليس بصحيح. خروج الريح لا يلزم منه الاستنجاء. انتقض الوضوء بنوم، نمت نوماً عميقاً، كما سيأتي معنا أن النوم العميق من نواقض الوضوء، ثم قمت تريد أن تتوضأ، ما يلزمك أن تدخل وتستنجي، يكفي أن تغسل وجهك ويديك، وتمسح رأسك، وتغسل رجليك، وانتهى الوضوء. خلاص، ما يلزم. كذلك أكل لحم الجزور، لحم الإبل، سيأتي معنا أنه أيضاً من نواقض الوضوء. فإذا أكلت لحم جزور، ما يلزم أن تستنجي، بل يكفي أن ماذا؟ أن تتوضأ. قال: ثامنة: كون الماء طهوراً ومباحاً. طهوراً يعني ليس بنجس. فكما مر معنا لا يجوز الطهور أو الوضوء بالنجس. ومباحاً يعني ليس حراماً، ليس حراماً. كان يكون الماء مغصوباً. واختلف العلماء في ذلك، هل يصح الوضوء أو لا يصح؟ بعض أهل العلم ذهب إلى بطلان الوضوء، لأنهم الحنابلة، قالوا: لأن الماء وجود الماء شرط في صحة الوضوء، فإذا كان الماء من حرام، فإن هذا يتعلق بشرط الوضوء، والشيء الذي يتعلق بشرط الوضوء يكون هذا الشيء لا يصح به الوضوء، لا يصح به الوضوء. مثل الصلاة مثلاً في الأرض المغصوبة، ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تصح. لكن الصح أنها تصح مع الإثم، تصح مع الإثم. ومثله في الوضوء بالماء المحرم، ماء مغصوب مثلاً أو نحو ذلك. صحيح أن الوضوء صح، لكن مع الإثم. قال: تاسعة: نزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة. ودليل ذلك، وهذا باتفاق المذاهب، باتفاق المذاهب. ودليل ذلك عموم الآية في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. من الوجه شيء، فكون هناك ما يمنع وصول الماء، فهذا يدل على أنك ما عممت العبو بالماء، وهذا يخالف، ويخالف العموم الوارد في الآية، العموم الوارد في الآية. فلابد من إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل لاصق مثلاً، أو مثل كذلك يعني البوية، هذا الرنق، هذا يمنع وصول الماء، أو ما تستقدمه النساء في أظافرهن، بعض هذه الألوان تمنع وصول الماء. هذا لا يجوز أن يتوضأ المسلم وهو متلبس بهذه الموانع، موانع وصول الماء، بل يجب أن يزيلها قبل الوضوء، أن يزيلها قبل الوضوء، إلا الشيء اليسير فيعفى عنه، أو الشيء الذي فيه مشقة، كالنقطة اليسيرة، فهذا يعفى عنها للمشقة. قال: عاشرة: دخول وقت الصلاة في حق من حدثه دائم. ولماذا قيدوا "من حدثه دائم"؟ قيدوا ذلك حتى يخرجوا من حدثه مستمر، مثل من عنده سلس البول، من عنده سلس البول، أو سلس الريح، أو عند المرأة الاستحاضة. هذه أمراض مستمرة. لو أمرنا المريض بها بالوضوء عند كل صلاة لشق عليه، لشق عليه. فهنا استثنى دخول وقت الصلاة في حق من حدثه دائم، من حدثه دائم، يعني يتوضأ وقت الصلاة، وما يضره ما خرج بعد ذلك، وما يضره ما خرج. ودليل ذلك، دليل هذه المسألة، ما جاء في حديث المستحاضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: "توضئي لكل صلاة". في حديث رواه البخاري، رواه البخاري. امرأة عندها استحاضة، خروج دم مرض، ليس نفاساً، وليس حيضاً، وإنما دم فساد يخرج منها. فهنا نقول لها: إذا دخل وقت الصلاة توضئي وصلي. قال: طيب، أني يصلي ويخرج هذا الدم؟ نقول لها: ما يضر، لأنه يشق عليها أن تتوضأ في كل لحظة. لكن يشترط أن تتوضأ مع كل صلاة، لا تقول مثلاً: خلاص، هذا الوضوء صليت به المغرب، سأصلي به العشاء. لا، إذا جاء وقت صلاة العشاء تتوضأ، تتوضأ لصلاة العشاء، وتصلي. وهكذا تتوضأ لكل صلاة. لهذا الحديث، هذا معنى قوله: "دخول وقت الصلاة في حق من حدثه دائم". كسلس البول، إنسان دائماً يخرج عليه البول، هذا مرض، ما يستطيع أن يمسك هذا البول، يخرج من غير اختياره. فهذا أيضاً حكمه حكم المستحاضة، حكمه حكم المستحاضة. كذلك بعضهم ربما يكون عنده سلس ريح، ما يستطيع يتحكم في خروج الريح من بطنه. وهنا يقال له كذلك: توضأ لكل صلاة، ولا يضره إذا خرج شيء أثناء الصلاة، أثناء الصلاة. طيب، نكتفي اليوم بهذا، ونكمل معكم باتي إن شاء الله. لا، لا، بالرش، ترشه رش. لا، المذي لابد من الغسل. الرش ما جاء إلا في بول الغلام فقط. لكن المذي وهذا تغسله غسل، تزيل النجاسة كامل. ها، وجاء النضح بمعنى الغسل، لأنه جاءت رواية: "اغسل ذكرك وتوضأ". اغسل ذكرك وتوضأ. نعم، فيكون بمعنى الغسل. صورة، ها، يصلي. إيش ما شعر بالجنابة؟ لا، لا، شعر، لا، لا، لا، لابد الغسل، لا، لابد الغسل. جنابة ما ترتفع إلا بالغسل. يتوضأ أول شيء، ثم يغتسل. السن، نعم، أول أن يتوضأ، ملابساً، يخلف رجليه إلى آخر الغسل، ثم يغتسل. فإذا لم يأتي بناقض يكفي هذا الغسل. وإذا أتى بناقض للوضوء فإنه يتوضأ مرة ثانية. فهمت؟ يخلف رجليه في أول الوضوء، إذا توضأ أول شيء يخلف رجليه، يغتسل، ثم يغسلها مع الغسل. هكذا جاء في الحديث. نعم، نعم. الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، يعني إذا وجد العلة وجد الحكم. إيش علة النجاسة؟ عينها، أو ريحها، أو لونها. صح، هذه عين النجاسة. صح، هذا يعني علة النجاسة. فإذا زالت هذه العلة، ما صار هناك عين للنجاسة، فإذا الحكم يرتفع. الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا عدمت العلة عدم الحكم. هذا المراد. نعم، ها، ها، لا، السنة يتوضأ أول شيء، لا، بس خلاف السنة هذا. حتى لو اغتسل فقط وما توضأ، يجوز هذا، لأن شرط الغسل هو النية والتعميم فقط. لكن السنة أن يتوضأ ثم يغتسل، يبدأ برأسه، ثم بالشق الأيمن، ثم الشق الأيسر. تهمت، هذه السنة. الصلاة، هو أراد القراءة القرآن، أراد رفع الجنابة. إذا أرادت رفع الجنابة، نعم. شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم.