الدرس في شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الحديث المتروك هو الذي يرويه راو متهم بالكذب، ويأتي في المرتبة الثانية بعد الموضوع في الضعف. يُعتبر الكذب في الحديث أو مخالفته للقواعد المعلومة سببًا لاتهام الراوي.
يتناول تعريف الأحاديث المنكر والمعروف والمعلل في علم مصطلح الحديث، مع توضيح شروط العلة في الحديث المعلل ورتبته بين الأحاديث الضعيفة. يشمل الشرح التعريفات اللغوية والاصطلاحية لهذه المصطلحات.
يُبرز أهمية معرفة علل الحديث وطرق إدراكها، حيث أن التعليل يتطرق إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة. يُستعان على إدراك العلة بأمور منها تفرد الراوي ومخالفة غيره له.
يذكر بعض الكتب الهامة في علم علل الحديث النبوي، مثل كتب ابن المديني وأبي حاتم وأحمد بن حنبل والترمذي والدارقطني. يُعد كتاب الدارقطني من أوسع هذه الكتب في هذا المجال.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله في منظومته المسماة بطرفة الطرف في مصطلح أهل السلف: "وإن يكن متهما به فقط فذلك المتروك عند من فرض". قال المعلق - وفقه الله -: أي المتروك إذا كان الراوي متهما بالكذب، المتروك إذا كان الراوي متهما بالكذب. مرة معنا في الحديث الموضوع أن يكون الراوي، متى يقال هذا الحديث الموضوع؟ إذا كان في سنده كذاب، إذا قيل فيه كذاب أو وضع الذي يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا حديثه موضوع. لكن الذي يتهم بالكذب، يتهم بالكذب كأن يكون - يعني - ممن عرف بالكذب في حديث الناس، وليس يعلم عنه الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يقال: متهم بالكذب، فهو محل تهمة، كونه يكذب في حديث الناس، فليستبعد أن يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: متهم بالكذب، فحديثه يسمى متروكًا. قال: "وإن يكن متهما به فقط يعني متهمًا بالكذب فذلك المتروك"، هذا هو الحديث المتروك عند من فرط، أي من سبق، قال: عند من فرط، أي من سبقه، يعني من أهل العلم والحديث. قال: المتروك لغة: اسم مفعول من الترك، وتسمي العرب البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ: التريكة، أي متروكة لا فائدة منها؛ لأن البيضة بعد خروج الفرخ قشر، ما في فائدة، فيقال له: التريكة أو متروكة. قال: أي متروكة لا فائدة منها، وخصها بعضهم ببيضة النعام. قال: واصطلاحًا: هو الحديث الذي في سنده راو متهم بالكذب، حيث المتروك هو الحديث الذي في سنده راو متهم بالكذب. قال: أسباب اتهام الراوي بالكذب، قال: أحد أمرين: الأول: ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة. ألا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، يعني لا يعرف طريق بهذا الحديث إلا من جهة هذا المتهم، ويكون هذا الحديث مخالفًا للقواعد المعلومة، يعني شيء يخالف الأدلة الصحيحة الثابتة في الشرع، ولا يعلم له إلا هذا الراوي المتهم بالكذب، فيقال: هذا متروك، فيرد الحديث بسبب ذلك. الثاني: أن يظهر منه الكذب في حديث الناس، لكن لم يظهر منه الكذب في الحديث النبوي، يعلم منه أنه يكذب إذا حدث الناس، يعني في أحاديثه مع الناس يكذب، لكن لا يعلم منه الكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون متهمًا، فيكون محل تهمة بالكذب، فحينئذ يرد حديثه بسبب ذلك. قال: مثال حديث عمر بن شمر الجعفي الكوفي، عن جابر، هذه نابة تفتح تفتحك، قال: عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنط في الفجر ويكبر يوم عرفة من صلاة الغداة، ويقطع صلاة العصر آخر أيام التشريق. وقد قال النسائي والدارقطني وغيرهما في عمر بن شمر: متروك الحديث، يعني هذا الحديث مداره على عمر بن شمر، وهو متروك، يعني ما رواه أحد غيره، وهذا الحديث مخالف لحديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقنط في الفجر، حديث الصحيحين في هدي النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر أنه ما كان يقنط إلا إذا دعا لقوم أو على قوم، دعا القنوت قنوت النوازل، وهكذا أيضًا في قنوت الوتر، أما في الفجر على سبيل الدوام، فهذا لم يصح. قال: رتبته: مر بنا أن شر الضعيف الموضوع، ويليه المتروك، فهو بعد الموضوع، أن الموضوع راويه يقال فيه: كذب، والمتروك يقال فيه: متهم بالكذب، فهو في درجة بعد درجة الموضوع. قال: ثم المنكر، حيث يقال فيه: حديث منكر، هذا بعد الحديث الذي يقال فيه: متروك. قال: ثم المعلل، يعني ما فيه علة، قد تكون العلة كونه مرسلًا أو كونه موقوفًا أو كونه منقطعًا. قال: ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المضطرب. قال الناظم رحمه الله: "وما روى فاسق أو غافل أو ذو غلط فحش فمنكر دعوى وقد يقيد بما خالف ما لثقة وذا بمعروف سمى". قال: المنكر لغة: اسم مفعول من الإنكار، ضد الإقرار، المنكر اسم مفعول من الإنكار ضد الإقرار. قال: واصطلاحًا: للمنكر تعريفان كما أشار الناظم رحمه الله، الأول: هو الحديث الذي في إسناده راو فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه، وبه عرفه البيقوني، قال: المنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفرد، هذا الأول الذي في إسناده راو فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه. قال: المثال للتعريف الأول: ما رواه النسائي وابن ماجة من رواية أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: "كلوا البلح بالتمر؛ فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان". قال النسائي: هذا حديث منكر، ووجه النكارة كما عندكم في التعليق. قال السيوطي رحمه الله بعد قول النسائي: "منكر الحديث"، قال: "تفرد به أبو زكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده، بل أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف، فقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له من عدي أربعة أحاديث مناكير". انتهى كلامه رحمه الله. قال: المثال للتعريف الثاني: ما رواه أبو حاتم من طريق حبيب المصغر ابن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام وقرى الضيف دخل الجنة". قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف، يعني المعروف في هذا الحديث هو الوقف على ابن عباس من قوله، لا من قول النبي عليه الصلاة والسلام. قال: رتبته: أنه حديث ضعيف، ومرتبته بعد المتروك كما تقدم، أي الحديث المنكر. قال: وقوله: "وذا بمعروف سمى"، وذا أي رواية الثقة المخالفة لروء الضعيف، هو المسمى بالمعروف، سمى من السمو، وهو العلو والارتفاع، فسمى أي على وارتفع. قال: المعروف لغة: اسم مفعول من عرفه، واصطلاحًا: ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف، عكس المنكر، ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الضعيف. مثاله: المثال الثاني الذي مر في نوع المنكر، وهو: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام وقرى الضيف دخل الجنة"، لكن من طريق الثقات الذين رووه موقوفًا على ابن عباس، أي أنه من كلام ابن عباس، وليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو المعروف: أن هذا الحديث من كلام ابن عباس من قوله، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. قال الناظم رحمه الله: "وما به وهم خفي يعقل مع التأمل هو المعلل". قال: المعلل لغة: اسم مفعول من أعله إذا أصابه بعلة، إذا أصابه بعلة، فلان معلول، يعني مصاب بعلة بمرض أو سقم أو جرح أو كسر. قال: واصطلاحًا: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة خفية تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها. قال: وتسميته بالمعلل: هو القياس الصرفي المشهور، وهو اللغة الفصيحة، يعني قال: حديث معل، والتعبير بالمعلول جاء على غير المشهور، ومنه من عبر بالمعلول، وهو ضعيف، وهو ضعيف مرذول عند أهل اللغة والعربية؛ لأن اسم المفعول من الرباعي لا يكون على وزن مفعول، فلا يقال: معلول، إنما يقال: معل. قال الإمام العراقي في ألفيته: "وَسَمِّ مَا بِعِلَّةٍ مَشْمُولٍ مُعَلَّلًا وَلَا تَقُلْ مُعَلُولًا سَمِّهِ مُعَلَّلا". قال: العلة: سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، وممكن يزاد: مع أن الظاهر السلامة منها، يعني من هذه العلة في ظاهر السند. قال: فلا بد أن يتحقق في العلة شرطان، قال: الأول: الخفاء والغموم، تكون هذه العلة خفية غير ظاهرة، غير ظاهرة. والشرط الثاني: أن تكون قادحة، فإن لم تكن قادحة فلا يكون معللًا، لا يكون هذا الحديث معللًا. قال: وقد تطلق العلة على غير معناها الاصطلاحي، فقد يطلقونها على أي طعن موجه للحديث وإن لم يكن فيه خفيًا أو قادحًا، هذا من باب التوسع في الاستعمال، فيقال: هذا حديث معل، وإن كان العلة ظاهرة، يقال: هذا حديث معل على المعنى العام، قد يكون معللًا بسبب ضعف في سنده، فلان الراوي ضعيف، فيطلقون لفظ المعل على ذلك، يعني على باب أوسع من باب الخاص. قال: اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها، وإنما يطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، ولهذا لم يتمكن منه إلا القليل من الجهابذة كابن معين وابن المديني وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وأحمد والبخاري وغيرهم من أئمة الجرح والتعديل. قال: ما هو الإسناد الذي يطرق إليه التعليل؟ قال: يتطرق التعليل إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة؛ لأن الضعيف لا يحتاج أن يبحث عن علله؛ لأنه مردود، ولهذا اشترط فيه: أن تكون خفية؛ لأنه إذا كان ظاهرًا، خلاص ما أعرف أن هذا ضعيف، لكن الذي يبحث فيه وينظر: ما كان ظاهره الصحة والاتصال، هذا يتطرق إليه التعليل والنظر والبحث في سنده. قال: بما يستعان على إدراك العلة؟ قال: يستعان على إدراك العلة بأمور، منها: تفرد الراوي، تفرد الراوي بهذا الحديث. الثاني: بمخالفة غيره له، كون هناك من خالف هذا الراوي، سواء في الوصل أو في الإرسال أو في غير ذلك. قال: الثالث: قراءة أخرى تنظم إلى ما تقدم، فيعرف حينئذ بأن هذا الحديث معلل. قال: ما هو الطريق إلى معرفة المعلل؟ قال: الطريق إلى معرفته: جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته والموازنة بين ضبطهم وإتقانهم، ثم الحكم على الرواية المعلولة. قال ابن المديني رحمه الله: "الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبين خطؤه، فجمع الطرق يبين موقع الخطأ في الحديث". وقد يعلل الحديث - يعني - بالحفظ والخبرة. قال: أين تقع العلة؟ قال: تقع العلة في الإسناد، وهو الأكثر، كالتعليل بالوقف والإرسال، أن يعل بالوقف، قد روي مرفوعًا، أو يعل بالإرسال، وقد روي موصولًا. قال: وقد تقع في المتن، وهو الأقل، مثل حديث نفي قراءة البسملة في الصلاة. قال: هنا من فرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح من نفي قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم"، يعني أنهم لا يذكرون بسم الله في أول القراءة ولا في آخرها، هكذا جاءت رواية في مسلم، قال: فعل لقوم رواية اللفظ المذكور، يعني نفي ذكر البسملة، قال: لما رأوا الأكثرين إنما قالوا: "فكانوا يستفتحون القراءة: الحمد لله رب العالمين" من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له، ففهم من قوله: "كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين" أنهم كانوا لا يبسملون، فرووه على ما فهم، أخطأ، يعني قالوا: هذه رواية "فكانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها"، هذه رواية المعنى، رواية المعنى، هذه الأحاديث "كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" ظن أنهم لا يذكرون البسملة لا في أول القراءة ولا في آخرها، فهذه اللفظة حصل فيها - يعني - خطأ، فهي معلة. قال الإمام العراقي رحمه الله في كتابه "تغليق التعليق": هل العلة في الإسناد تقدح في المتن؟ قال: قد تقدح في المتن مع قدحها في الإسناد، وذلك مثل التعليل بالإرسال، يعني إذا أعل الحديث بالإرسال، وقد روي موصولًا، فإذا كان مرسلًا فهو ضعيف، المرسل من قسم الضعيف، وحينئذ لا يستدل بهذا المتن الذي سنده مرسل. قال: ثانيًا: وقد تقدح - يعني - تطعن أو تؤثر في صحته، تقدح في صحته، يعني نعم. قال: وقد تقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن صحيحًا، مثل حديث يعلى بن عبيد، عن الثوري، عن عمر بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: "البيعان بالخيار"، فقد وهم يعلى على سفيان الثوري في قوله: "عمر بن دينار"، إنما هو "عبد الله بن دينار"، فهذا المتن صحيح، وإن كان في الإسناد علة الغلط؛ لأن كلا من عمر وعبد الله بن دينار ثقة، فإبدال ثقة بثقة لا يضر صحة المتن، وإن كان سياق الإسناد خطأ. قال: ما هي أشهر المصنفات فيه؟ قال: كتاب العلل لابن المديني، وعلل الحديث لأبي حاتم، والعلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، والعلل الكبير والعلل الصغير للترمذي، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني، وهو أجمعها وأوسعها، يعني إذا أردت أن تعرف هل هذا الحديث أحد أعله من حفاظ، ترجع إلى هذه الكتب، تنظر في علل أبي حاتم على الدارقطني، نعم على الكبير للترمذي، وهكذا الإمام أحمد، تنظر: هل حفاظ أعله هذا الحديث؟ فتتعرف على ذلك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.