الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 427، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث هذا الفصل عن أحمد بن صالح المصري، أحد حفاظ الحديث، وثناء العلماء عليه مع ذكر بعض الانتقادات. يُظهر أيضًا تقدير الإمام أحمد بن حنبل له واجتماعهما لمناقشة الحديث النبوي.
يفسر هذا الفصل سبب سجود النبي صلى الله عليه وسلم في سورة ص، ويبين أن سجوده كان توبة نبي، مع شرح لحديثين متعلقين بذلك.
يتناول هذا الفصل حكم سجود التلاوة ويرى أن الجمهور يرى أنها ليست بواجبة، مع ذكر عدد آيات السجود في القرآن الكريم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى، وهو سليمان بن الأشعث السنجستاني رحمه الله: حدثنا أحمد بن صالح، وأحمد بن صالح هو المصري الذي قال له أن يلقى بابن الطبر، وهو إمام حافظ كبير من حفاظ أهل مصر، وتكلم فيه بعض العلماء، لكن لحفظه وشهرته وإمامته لم يقبل قولهم. تكلم فيه الإمام النسائي رحمه الله، ونقل عن ابن معين أنه قال: كذاب متفلسف. لكن كما قال ابن حبان: إن يحيى بن معين لم يقصد أحمد بن صالح بن الطبر، وإنما قصد رجلاً يقال له أحمد بن صالح الشمومي، مصري أيضاً، وهو الذي رآه ابن معين وتكلم فيه. وأما النسائي فقد حصلت بينه وبين أحمد بن صالح المصري قصة، وهي أنه كان لا يحب أن يدخل الغرباء الأحداث، أي إذا كان صغيراً وغريباً لا يدخله في المجلس. فلما جاء الإمام النسائي وكان شاباً أمرداً لم يدخله وأخرجه من المجلس، فجلس عند الباب، وبقيت هذه في نفسه، ورأى أن أحمد بن صالح فيه شيء من الكبر، فلهذا نقل قول ابن معين فيه، وليس عن هوى، وإنما ظن أنه أحمد بن صالح حاج، فوجد من يتكلم عليه، فلهذا لم يقبل العلماء هذا الجرح من النسائي. وقد ذكر ذلك الإمام العراقي في ألفيته، فقال: ورد قول الجارح كالنسائي في أحمد بن صالح، لأن هذا أحمد بن صالح قد عرف علمه وعرف أيضاً حفظه، فلهذا لم يقبلوا فيه قول أحد. وكان الإمام أحمد يثني عليه جداً، حتى أنه ذكر ابن سمعوني صاحب كتاب الأموال، قال: لما ذهبت إلى مصر إلى أحمد بن صالح، قال لي: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: وأين بيتك من بيت أحمد؟ قال: أنا من أصحابه، أنا من تلاميذه ومن أصحابه. قال: فإذا جئت إلى بغداد فدلني على بيت أحمد بن حنبل. فقلت: نعم. فجاء إلى البصرة إلى عفان، ثم جاء إلى بغداد وجاء إلي، وقال: الوعد. فقلت: نعم. فأدخلته على أحمد بن حنبل، فلما عرف أنه أحمد بن صالح ابن الطبر، فرح أحمد رحمه الله، قام وعانقه، وقال: قد سمعت أنك جمعت حديث الزهري، فتعال نتذاكر حديث الزهري عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن الزهري روى عن بعض الصحابة الصغار كأنس وغيره، ثم قال: نتذاكر حديث الزهري عن أبناء الصحابة. ثم ذكر أحمد حديثاً من طريق محمد بن جبير، من طريق الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أن لي كذا وكذا، وأني به حلف المطيبين»، أي يثني النبي صلى الله عليه وسلم على حلف المطيبين الذي حصل في مكة في بيت عبد الله بن جدعان. فقال له أحمد بن صالح: أنت الإمام وتذكر هذا؟ قال: قد حدثني به رجل، قد حدث عن الزهري رجل صالح، عبد الرحمن بن إسحاق. قال: ومن روى عنه؟ قال: حدثني به شيخان حافظان أو صالحان، إسماعيل بن علي وبشر بن مفضل. ففرح أحمد بن حنبل، وقال: هذا لو ما وجدت فائدة في مجيء العراق إلا هذه لكفت. وهذا تقدير العلم، تقدير للفوائد، حيث استفاد هذه الفائدة التي ما كانت عنده. وهو الذي جمع حديث الزهري، وهذا يدل على علم الإمام وسعة علمه. الإمام أحمد كان علمه واسعاً وحفظه عظيماً، ولهذا معنى أحمد بن صالح جمع حديث الزهري، أي يكاد كله، إلا أنه لم يسمع هذا الحديث. وهذا يدل على أيضاً أن الإنسان مهما حصل من العلم لا يتحصل العلم كله، ما حوى العلم جميع أحد، لا ولو مارسه ألف سنة، لا أحد هناك جمع العلم كله، لكن يفوته من العلم. ومع هذا العلم كله قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فأحمد بن صالح رحمه الله إمام وحافظ كبير، وإن حصل منه شيء من التيه والكبر كما قال الإمام الذهبي، فهذا لعله في شبابه، الإنسان يحصل أحياناً له شيء في شبابه وطيشه وأوحده في الشباب، لكن تذهب مع كبر السنة. قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني عمر يعني ابن الحارث، وهو مصري كذلك، قال: عن ابن أبي هلال، وهو تعيد بن نبي هلال، وهو نزيل مصر، قال: عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أيضاً مصري أصله مدني، أبوه مدني عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان من أمه، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل عندما فتح مكة، وقال: «عين النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية، قال: اقتلوهم ولو رأيتموهم متعلقين بأستار الكعبة». فجاء عثمان بعبد الله بن سعد بن أبي السرح يعتذر عما فعله، لأنه كان له مغنيتان أو قينتان، كانتا يهجوان النبي عليه الصلاة والسلام، أي يأمرهن بهجاء النبي عليه الصلاة والسلام. وكان العرب أشد شيء عندهم الهجاء في الشعر، أي يؤثر في الشخص أكثر من غيره، أكثر من أي فعل، فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام غضب على عبد الله بن سعد وأمر بقتله، وأمر بقتله عليه الصلاة والسلام. فجاء عثمان بعبد الله بن سعد إليه واعتذر عبد الله بن سعد مما فعله، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بقتله، لكن لحيائه عليه الصلاة والسلام خفض رأسه صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعد ذلك عذره، أي قبله. ثم لما ذهب قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لما لم تقتله؟» قالوا: لو أشار إلينا يا رسول الله، أي أمط إلينا يا رسول الله، معنى أمط أي أغمض عينك أو أشر إلينا أن نقتله. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كان لنبي خائنة الأعين»، أي أن النبي ما تكون له خائنة الأعين، أي يغمز الناس بدون أن يراه أهل المجلس، فهذا لا يكون للنبي لأن هذا قد يكون من الأمور التي قد تحزن بعض أهل المجلس، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين». فعياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمره عثمان رضي الله عنه على مصر، ومات في مصر رضي الله عنه، وقد أبلى بلاءً عظيماً في حروب الردة، وكذلك أيضاً استأمنه عثمان رضي الله عنه في مصر. قال: عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر سورة ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه. فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشوف الناس للسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشوفتم للسجود، فنزل فسجدوا». قال: هذا حديث صحيح رجاله رجال صحيح. وتشوف الناس أي تهيأوا للسجود. وهذا الحديث في سجود النبي صلى الله عليه وسلم في سورة ص، والنبي عليه الصلاة والسلام سجد في ص في بعض المجالس، وبعضها لم يسجد. وفي حديث ابن عباس في البخاري ومسلم، قال ابن عباس: «ص ليس من عزائم السجود»، لم يأت فيها عزيمة في السجود مثل سورة الأعراف، فقال: ص ليست من عزائم السجود، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجدها. وجاء في روايات البخاري: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنما هي توبة نبي سجدها شكراً، ونحن نسجدها»، قال: «نحن نسجدها تبعاً أو كما قال عليه الصلاة والسلام». فهي توبة نبيه لما تاب الله عز وجل عليه، سجد داود: ﴿فَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ والركوع هنا المراد به السجود، فخر راكعاً وأناب، أي سجد شكراً لله عز وجل أن قبل توبته، فلهذا فهي توبة نبيه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فسجد فيها كما قال في حديث ابن عباس، وفي حديث زيد بن ثابت، قال: «قرأت ص عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قلت النجم»، في حديث زيد بن ثابت، قال: «قرأت النجم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسجد عليها». وقد تكلمنا على مسألة آيات السجود في القرآن، والصحيح كما قلنا أنها خمسة عشر سجدة، أولها سجدة الأعراف، أولها سجدة الأعراف، وحصل اتفاق بين أهل العلم أن السجود يكون في عشر، وأن من الأعراف إلى فصلت هذه كلها إلا السجدة الثانية في الحج، السجدة الثانية في الحج حصل فيها الخلاف بين العلماء، وحصل أيضاً الخلاف في الأربع الأخيرة: ص والنجم والانشقاق والعلق، لكن الصحيح أنه سجد فيها النبي عليه الصلاة والسلام، سجد في ص مثلاً في هذا الحديث، وفي حديث ابن عباس وغيره، وسجد كذلك في النجم في الصحيحين كذلك، وسجد في الانشقاق والعلق أيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة. فهذه هي السجدات التي سجد فيها النبي عليه الصلاة والسلام، وحصل الخلاف بين أهل العلم هل يسجد فيها في الصلاة أو لا يسجد؟ ومن سجد في الصلاة فيها لا بأس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في الصلاة، سجد في الانشقاق وكذلك في العلق سجد في الصلاة كما هو ظاهر حديث أبي هريرة. والصحيح أيضاً أنها ليست بواجبة، وهو قول جمهور العلماء، وقالت الحنفية أنها واجبة، والصحيح أنها ليست بواجبة، وهذا الحديث أيضاً مما يدل على أنها ليست بواجبة. وكذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري عن عمر أنه قرأ سجدة النحل فسجد فيها، خرج من المنبر وسجد، ثم إنه في الجمعة الثانية أيضاً قرأها فتهيأ الناس لأن يسجدوا فلم يسجد، فقال: «إنا نمر بالسجود فمن سجد فهو حسن»، معنى الذي يسجد فهذا شيء طيب، وليس معنى يريد أن عمر يبين أنها ليست بواجبة، أن السجود ليس بواجب سجود القرآن، سجدات القرآن ليست بواجبة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة. وأما الاستدلال بالسجود، أي بالأمر بالسجود في بعض الآيات: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ مثلاً في العلق، فهذا إنما أمر بالسجود العام، أمر بالسجود العام، وليس المراد به السجدة التي يسجدها عند سماع الآية. وأما السجود عند سماع الآية إنما هو فقط من باب امتثال الأمر العام، امتثال الأمر العام، فلهذا فهي ليست واجبة، الأمر هنا ليس كما قلنا الأمر أن الإنسان يسجد في ذلك الوقت، وإنما الأمر بالسجود العام الذي هو السجود لله عز وجل. والسجود العام معناه إذا لم يأت تخصيصه بالوجوب في شيء أو في عدد معين أو في وقت معين فإنه يكفي ولو مرة، أن الأمر العام كما هو مقرر في الأصول أن الأمر العام يعمل به ولو مرة إذا عمل به مرة كفى، لكن إذا جاء تخصيص بالعمل الدائم فلابد. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم قال: «يا أيها الناس حجوا»، «يا أيها الناس حجوا»، فقال رجل، جاء في رواية أنه الأقرع بن حابس، قال: «يا رسول الله أفكل عام؟» قال: «لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعت». فاستدل بهذا الحديث العلماء وغيرها من الأحاديث أن الأمر العام إذا جاء عاماً، معنى إذا جاء أمر عام فإنه إذا عمل به مرة كفى، كفى إذا عمل به مرة، إلا إذا جاء تخصيصه في شيء من الأوقات أو في شيء من الأزمان أو في فعله كل يوم مثل الصلوات الخمس مثلاً وغيرها. ولهذا قال بعض العلماء في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر جاء عام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فإذا صلى العبد مرة واحدة يكفيه كما قال ابن العربي، لكن المستحب أنه يصلي في كل مرة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن من صلى عليه صلى الله عز وجل عليه بها عشرة. وكذلك أيضاً خاصة إذا ذكر عليه الصلاة والسلام، وغيرها من الأوامر العامة التي تأتي في الشرع إذا لم يأت تخصيصها بالتخصيص بالوجوب في شيء معين أو عدد معين فإنه يعمل به على العام. ولهذا فالسجود للقرآن فيه أمر عام، أمر عام، فمعنى سجود الإنسان ولو سجد واحدة تكفي، فلهذا ليس المراد أنه في كل مرة يمر على هذه الآية يسجد، لكن هذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وتركه أحياناً، فهذا يدل على أنه يستحب أن العبد يسجد. وقد جاء في صحيح مسلم في حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مر الإنسان بالسجدة فسجد، صاح الشيطان وقال: يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد، وأمرت بالسجود فلم أسجد». فلهذا فهو أمر مستحب أن الإنسان يسجد في هذه إذا مر بآية من آيات السجود، وهي خمسة عشر آية في القرآن فيها هذه السجدات.