التبيان في آداب حملة القرآن 73

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 73، ألقاها

حكم تعليم القرآن للكافر ونسبته إلى الأئمة

نص النووي على جواز نسبة القراءة إلى الأئمة القراء المشهورين، كما أجاز تعليم القرآن للكافر إذا رُجي إسلامه. يُشترط لمنع مس المصحف للكافر.

شروط قراءة الكافر للقرآن وتعليمه

يُشرح حكم قراءة الكافر للقرآن وتعليمه، مبينًا أن إسماع الكافر القرآن مطلوب إذا أمكن أن يهديه، وأن تعليمه القرآن يكون مطلوبًا إذا رُجي إسلامه. يُمنع إذا لم يُرجَ إسلامه أو تعنت ضد كتاب الله.

تحذير من تعليم الكفار القرآن واستغلاله ضد الإسلام

يتحدث عن خطر تعليم الكفار القرآن لأنه قد يستخدمونه لضرب الإسلام بالإسلام وإثارة الشبهات والشكوك لدى المسلمين. يحذر من أن يكون الهدف من تعليمهم هو الطعن في القرآن وليس الانتفاع به.

التحذير من الشيطان وفساد الدين

يجب الحذر من الشيطان إذا أراد أن يدخل في الإسلام أو يمزج فيه ما ليس منه. يجب التحذير منه لئلا يفسد الدين. الله أعلم بالنوايا والحقائق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال النووي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في حكم نسبة القراءة إلى الأئمة القراء. قال: ولا يكره أن يقال: هذه قراءة أبي عمرو، أو قراءة نافع وحمزة، أو الكسائي أو غيرهم. هذا هو المختار الذي عليه عمل السلف والخلف من غير إنكار، وهو كما قال: إنه لا مانع من أن يقال: إن هذا الحرف قرئ بقراءة فلان، وهذه قراءة فلان، أي من القراء المشهورين، سواء كانوا أصحاب القراءات السبع المتواترة أو الثلاث التي هي تتمة العشر. قال: وروى ابن أبي داود عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه قال: كانوا يكرهون أن يقال: سنة فلان، وقراءة فلان. والصحيح الأول، وهو الذي عليه العمل كما ذكر رحمه الله تعالى، وتتابع العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى على ذلك، من باب إضافة القراءة إلى القراء المشهورين، فهو باعتبار القراءة التي قرأ بها أولئك القراء، فلا كراهة بهذا الاعتبار. قال رحمه الله تعالى: فصل في حكم تعليم القرآن للكافر. قال: لا يمنع الكافر من سماع القرآن لقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. قال: ويمنع من مس المصحف. وهل يجوز تعليمه القرآن؟ قال أصحابنا الشافعية: إن كان لا يرجى إسلامه لم يجوز تعليمه القرآن، وإن رُجي إسلامه ففيه وجهان: أصحهما يجوز رجاء لإسلامه، والثاني لا يجوز كما لا يجوز بيع المصحف لمن لا يرجى إسلامه. قال: وأما إذا رأيناه يتعلم فهل يمنع؟ قال: فيه وجهان. هذه مسألة من المسائل التي ينبغي أن يتنبه لها، وهي أولًا: قراءة أو إسماع الكافر القرآن. إن كان منصتًا متأدبًا مع القرآن فلا بأس أن يقرأ عليه وأن يسمع تلك القراءة لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. لأن في إسماع الكافر كلام الله جل وعلا فيه أولًا إقامة الحجة عليه، ثانيًا: فيه كذلك أن الكافر إذا سمع القرآن وما في القرآن من التأثير العظيم على القلوب ربما كان سببًا لهدايته وسببًا لإسلامه. وقد جاء في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه وأرضاه حينما كان مشركًا وذهب إلى المدينة لأجل أن يفادي أسارى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في صلاة المغرب، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. فقال جبير بن مطعم: لما سمعتها كاد قلبي أن يطير. فهذا فيه دلالة على أن للقرآن تأثيرًا على الكافر، لا سيما إذا أراد الله جل وعلا به الهداية. فالأمر الأول: القراءة أو إسماع الكافر القرآن هذا مطلوب، ولا سيما إن كان يرجى إسلامه، ويدل عليه ما تقدم من الآية. الأمر الثاني: تعليمه القرآن، هل يعلم أم لا؟ وهذا كما ذكر في التفصيل، فإن كان في تعليمه يرجى إسلامه، أي أنه إذا علم القرآن وسمع القرآن فيرجى من ذلك إسلامه، فهذا حسن وهذا أمر مطلوب. وقد قال الله جل وعلا: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. وأما إذا كان لا يرجى إسلامه، بل رُئي فيه التعنت والترفع عن كتاب الله جل وعلا، فإن هذا لا يعلم ولا كرامة. وقد نبه جماعة من علماء رحمهم الله تعالى، ولا سيما من المتأخرين، أن الغزو الذي حصل من المستشرقين كان من أسبابه أن بعض من كان يوسع في هذا الباب ربما حضر مجالسه بعض الكافرين، فكان يعلمهم القرآن ويعلمهم العلوم الشرعية، وهم لا يريدون بذلك الهداية ولكن يريدون كما يقولون: «التغرير على الإسلام» حتى يدخل على أهله منه. فلما كان بعد ذلك أن حصلت الغزوة المشهورة في مصر، غزوة نابليون الأولى، كان هؤلاء في صفوف أولئك الكفار، وكانوا يدلون على من علمهم وعلى مشايخهم، وكانوا كذلك يدلون الناس على أماكن الضعف، وكانوا كذلك يبثون الشبه والمتشابه من القرآن. فمثل هؤلاء ينبغي الحذر، ينبغي للمسلم أن يكون حذرًا فطنًا أن يعلم من يتعلم القرآن لأجل أن ينتفع بالقرآن، ومن يتعلم القرآن لأجل أن يطعن في القرآن كما هو حال أولئك المستشرقين. فكثير من المستشرقين، ولا سيما في دول الغرب، يعني في بريطانيا أو في غيرها من البلاد، لهم دور معلومة مشهورة تنفق عليها دول وتدعمها كذلك مؤسسات وجمعيات إلى غير ذلك. ما مهمة هؤلاء؟ مهمة هؤلاء أولًا: دراسة كما يقولون «الإسلام»، لذا تجد بعضهم ربما حافظ القرآن ودرس ما درس من معاني القرآن ودرس ما درس من متن الحديث إلى غير ذلك. لكن هل ينتفعون؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنهم يدرسون ويقرؤون ويبحثون وينظرون في ظنهم لأجل أن يضربوا الإسلام بالإسلام، ولأجل أن يقولوا للمسلمين: إن دينكم متناقض، إن دينكم مضطرب، إن دينكم فيه نقص، إلى غير ذلك، فيدخلون على المسلمين الشبهة والشكوك من هذه الطرق. وللأسف قد نجحوا في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة، ولكن الله جل وعلا قيض لهم من فضحهم وبين أمرهم، ولا زال الأمر كذلك. لا زال العلماء -رحم الله من مات وحفظ الله من بقي- يبينون حال هؤلاء الذين يتعلمون القرآن لا لأجل الانتفاع به، ولكن لأجل أن يطعنوا في كتاب الله جل وعلا، وأن يجعلوا في صدور الناس أن دينكم ليس بالدين الصحيح، بل هو الدين الناقص، إلى غير ذلك من المطاعن التي يريدون أن يطعنوا في دين الله جل وعلا. والله جل وعلا حافظ دينه، الله جل وعلا حافظ دينه بحمد الله جل وعلا، ومكر أولئك هو يبور. فالحاصل أن تعليم الكفار ينبغي أن يكون على حذر. إن كان لأجل يرجى منه الإسلام، يرجى منه الخير علمًا. وأما إذا رُئي أنه شيطان يريد أن يدخل في الإسلام أو أن يدخل في الإسلام ما ليس منه، فإن هذا يجب أن يحذر منه وأن يحذر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على