الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 435، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشارح بتوضيح أهمية الأحاديث النبوية المتعلقة بنعيم الجنة، ويشرح حديثا رواه الإمام البزار عن النبي عليه الصلاة والسلام.
يتطرق الشارح إلى بيان صحة الأحاديث النبوية حول نعيم الجنة وما أعد الله للصالحين، ويوضح طرق روايتها وصحتها عند البخاري ومسلم.
يصف الشارح نعيم الجنة وأحاديث النبي عنها، ويشدد على أهمية العمل الصالح للفوز بها، ويذكر بعض الأحاديث التي تصف نعيمها.
يختتم الشارح بالترغيب في الجنة وعظم عرضها، ويشير إلى أهمية الأحاديث النبوية في الحث على العمل الصالح للفوز بها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل من هذا الوادي رحمه الله: قال الإمام البزار رحمه الله -كما في كشف الأستار-، كشف الأستار هذا -كما قلنا- للهيثم، نور الدين الهيثم، وهو كشف الأستار في زوائد الإمام البزار، أو في زوائد البحر الزخار، البحر الزخار هذا كتاب الإمام البزار، عمر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البزار، له كتاب سماه البحر الزخار، أي مسند. وألف الإمام نور الدين الهيثم كشف الأستار بزوائد، زوائده، أي زوائد البزار، والتي زادها، التي زادها على الأمهات الست. قال رحمه الله: حدثنا علي بن نصر بن علي، هو الجهضمي، هو إمام، وأبوه كذلك إمام، وحافظ من الحفاظ الحديث، وهو بصري. قال: حدثنا معلى بن أسد، معلى بن أسد العمي البصري، وهو أخو بهز بن أسد، وبهز أكبر منه، ومعلى ثقة حافظ مثل أخيه، لكن أخاه، أي بهز، أحفظ منه، وهو بهز ممن قال فيهم الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت. ومعلى أيضا ثقة، وأخطأ ابن حبان وذكر أنه يغلط، وكذا، ولم يذكر أحدا غيره، بل إن الإمام أبا حاتم، إن الإمام أبا حاتم الرازي ذكر أن معلى لم يخطئ إلا في حديث واحد، قال: إنه لم يخطئ إلا في حديث واحد. وهذه الشهادة من رجل يعرف هذا الأمر. قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع، وسلام بن أبي مطيع بصري، ثقة، صاحب سنة -كما قال إمام أحمد-، يقول إمام أحمد: إنه ثقة صاحب سنة، كان شديدا على المبتدعة، خاصة الجهمية والقدرية، حتى كان يقول: الجهمية كفار، فلا تصلوا خلفهم. وقال أيضا -العبارة المشهورة عنه-: لأن ألقى الله عز وجل بعمل الحجاج خير لي من أن ألقاه بعمل عمر بن عبيد، أنا عمر بن عبيد زاهد وعابد، لكنه مبتدع، وهو أول من قال بالقدر، أو من أوائل من قال بالقدر والاعتزال، فإن ألقى، فكان يقول: لأن ألقى الله عز وجل بعمل الحجاج -مع ظلمه، وكذلك أيضا تعسفه، وقتل بعض الأبرياء، والتضييق على بعض الصالحين- يقول: لأن ألقى الله عز وجل بعمل الحجاج خير لي من أن ألقاه بعمل عمر بن عبيد؛ لأنه أفسد في الأمة أيما إفساد، فجاء بهذا القدر. قال سلام بن مطيع عن قتادة، وهو ابن دعام، أبو الخطاب السدوسي. وقد انتقض بعض أهل العلم برواية سلام عن قتادة -كما ذكر ابن عدي رحمه الله-، كان يقول ابن عدي: إن رواية سلام عن قتادة غير مستقيمة، وفيها غرائب، ولعل هذا الحديث منها. والشيخ رحمه الله لم ينتبه لهذا، لكن لا شك أن الحديث صحيح، لكنه بهذا الإسناد فيه ضعف؛ فسلام بن مطيع روايته عن قتادة فيها ضعف. قال: عن عقبة بن عبد الغافر، والإنسان ما يكمل، ما يكمل الإنسان، مهما... الشيخ رحمه الله كان متحريا في هذا الباب أيما تحر، لكن الخطأ واقع، الخطأ واقع. وقد تراجع الشيخ عن أشياء كثيرة ذكرها في هذا المسلم، أو في هذا الصحيح مسلم، في هذا الكتاب، وذكرها بعد ذلك في كتاب العلل. حديث معلى. قال: عن عقبة بن عبد الغافر، وعقبة من تابعي الثقات، وبعضهم ظن أنه صحابي. وهذا عقبة هو الذي سأل عبد الرحمن أباه -وهو في مرض الموت، وهو بل في الاحتضار-، عبد الرحمن بن أبي حاتم سأل أباه -وهو في الاحتضار، وهو في السياق، سياق الموت- فقال له: يا أبي، عقبة بن عبد الغافر، هل هو صحابي أو تابعي؟ قال: فأشار برأسه، فقال: لم أفهم، أنا يقول عبد الرحمن لأبيه: لم أفهم، أفهمني. فقال: فقلت له: تابعي؟ قال: نعم، وهز برأسه. قال: ثم قضى، ثم مات -على آخر عهده بالعلم بالأسئلة-، فقال: قال... فقال: عن عقبة بن عبد الغافر، عن نبي سعيد، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قال البزار: لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلا سلام، سلام بالتشديد اللام، سلام -في رواية في معنى اسم سلام في الصحيحين بالتشديد إلا والد الصحابة عبد الله بن سلام-، عبد الله بن سلام. أما غيره فكلهم بالتشديد. واختلفوا في محمد بن سلام البكندي، منهم من يقول: سلام بالتشديد، ومنهم من يقول: سلام بالتخفيف. وذكروا رواية عنه أنه قال: إنه بالتخفيف، لكنها لم تثبت، فلهذا من العلماء من يجعله بالتخفيف، يقول: محمد بن سلام البكندي، والأشهر أنه بالتشديد، محمد بن سلام البكندي، والأمر سهل، لكن هذه قاعدة من قواعد العلم: أن سلام إذا جاء في الصحيحين فهو بالتشديد، فهو بالتشديد إلا والد عبد الله بن سلام الصحابي، فيقال: سلام. قال البزار: لا نعلمه بهذا الإسناد -الله- أو: رواه بهذا الإسناد -الله- سلام، وكان بصريا من خيار الناس وعقلائهم، أي سلام بن أبي مطيع. وهناك سلام بن مسكين، وسلام بن الحارث. قال: هذا حديث صحيح رجاله رجال صحيح. قال: وقد أخرجه ابن جرير في التفسير، فقال رحمه الله: حدثنا العباس بن أبي طالب، وهو بصري كذلك، ثقة. قال: حدثنا معلى بن أسد. قال: حدثنا سلام بن أبي مطيع عن قتادة. قال: عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -يروي عن ربه- قال: «عددت لعباد الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قال: الحديث عند ابن جرير قدسي، في رواية ابن جرير. وعباس بن أبي طالب شيخ ابن جرير، هو عباس بن جعفر، وثقه ابن حاتم -كما في تهذيب التهذيب-. طيب، هذا الحديث لا شك أنه قد ثبت في الصحيحين، سواء كان على أنه حديث قدسي أو قاله النبي عليه الصلاة والسلام، فكلاهما قد ثبت. فأخرجه مالك، بخاري، من عدة طرق عن أبي هريرة، من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ومن طريق الأعمش، عن أبي هريرة، من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة. ورواه كذلك مسلم من جميع هذه الطرق. ورواه مسلم أيضا عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. ورواه البخاري، مسلم أيضا، من حديث المغيرة بن شعبة. لما ذكر أدنى أهل الجنة، فالحديث لا شك في صحته عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وفي أكثر الحديث: أنها عام، أكثر الحديث التي جاءت في حديث أبي هريرة: أنها عام، «عددت لعباد الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وجاء في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين، في ذكر منزلة أدنى أهل الجنة، لما سأل موسى ربه عن أدنى أهل الجنة، فقال جل وعلا: رجل يجيء يوم القيامة، فيقال له: اذهب وادخل الجنة. قال: فيذهب، فيخيل له أنها ملأى، فيقال له: فيأتي، فيقول: يا رب، إنها ملأى. فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملوك الدنيا؟ أنا أكثر ملوك الدنيا أكثر إنسان حكم الدنيا، لك مثله؟ فقال: نعم، رضيت يا رب. قال: فيقول الله عز وجل: ولك مثله، ولك مثله، ولك مثله -إلى أن عدّى عشر مرات- قال: ولك عشر مرات مثله. وجاء كذلك مثل هذا في حديث أبي هريرة، لما حدث أبو سعيد، فقال: ولك مثله. فقال أبو هريرة: سمعت -والنبي صلى الله عليه وسلم يقول-: ولك عشر أمثال. وهكذا جاء في حديث المغيرة بن شعبة: أنه قال له: ولك عشر أمثال. قال: فدخل الجنة، فيدخل الجنة، فأعطاه الله عز وجل ذلك الملك. قال: فسأل موسى عن أعلى أهل الجنة: من هو أعلى أناس في الجنة؟ فيقول الله عز وجل: أولئك غرست كرامتهم بيدي. قال: فيقول الله عز وجل: أولئك غرست كرامتهم بيدي، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فتبين أن هذا الأمر هو في أعلى درجات الجنة. وفي الحديث الأخرى: أنه في الجنة كلها، أعد الله عز وجل للصالحين. والأصل أن هذا في الجنة كلها -كما قال ابن عباس رضي الله عنه-: إنه ليس في الجنة، أو في هذه الدنيا، في الجنة إلا الأسماء، الأسماء فقط. لكن أعلى أهل الجنة يكون أعظم نعيم عندهم نعيم عظيم جدا. فلهذا، فهذه الجنة، يقول الله عز وجل: «أعددت لعباد الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ولهذا ذكر كثير من أهل السنة -شيخ الإسلام وغيره-: أن هذا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. وقد أخرج الإمام عبد الرزاق، وابن جرير، وغيرهما، في التفسير، عن ابن عباس، أنه قال: جاء القرآن، أو تفسير القرآن، على أربعة أوجه: كلام، كلام تعرفه العرب، وكلام يعرفه، أو يفسر على لغة العرب، أو قال: كلام يعرفه العرب، وكلام يعرفه أي أحد، أنا، أي واحد يقرأ ويعرفه، وكلام لا يعرفه إلا العلماء، وكلام لا يعرفه إلا الله. معنى التفسير على أربع أوجه: كلام تعرفه بلغة العرب، وكلام يعرفه أي حد، أنا، كلام واضح: جنة، نار، كذا، هذه كلام واضح. وكلام الأمر الثالث: كلام لا يعلمه إلا العلماء الذين يفسرون هذا القرآن. ثم قال: وكلام لا يعلمه إلا الله. ومثل هذا الكلام الذي لا يعلمه إلا الله هو حقائق الجنة والنار، حقائق الجنة والنار موجودة في القرآن، الجنة، وموجود في القرآن نعيم الجنة وعذاب النار، لكن وصف الله عز وجل بعضا منه فقط، لكن لم يصفه كله. هكذا النبي عليه الصلاة والسلام وصف أشياء كثيرة، لكنها كلها، أو الأشياء التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم شيء يسير من نعيم الجنة. وأيضا ليست تتخيل حقائقها. فلهذا، فحقائق الجنة عظيمة، فليس كما قال ابن عباس: ليس في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء، مثلا في الفواكه، في أي شيء هذا مثلا؟ فاكهة تفاح، والجنة فيها تفاح، لكنه الاسم فقط. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الجنة، قال: «فإذا نبقها -النبق هو الدوم-، معنى ثمرة السدر، شجرة السدر هذه الكبيرة، ثمرتها يقال لها نبق أو دوم». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نبقها كقلال هجر»، أن الدوم الواحدة هذا الصغيرة، معنى كقلال هجر: قلال هجر هو أكبر هجر، هذه المنطقة قريب مكة، لها قلال كبيرة، أنا من أكبر قلال العرب، القلال الإناء الذي يكون بالفخار. فكانت معنى هذا يقول: الدوم الواحدة أكبر من قلال هجر، فهذا يدل على أنها كبيرة جدا. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة من هذا الباب أيضا: الأشجار التي في الجنة، معنى الشجرة الواحدة يصير، يصير الراكب المضمر السريع يصير في ظلها مئة ألف سنة، مئة ألف سنة. أيضا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم -وما في الصحيحين-: أن للرجل من أهل الجنة، معنى قبة من لؤلؤ، قبة من لؤلؤ، طولها ستون ميلا في السماء، طولها ستون ميلا في السماء، معنى هذا: طول القبة ستون ميلا، معنى قرابة مئة كيلو، قرابة مئة كيلو، معنى في المسافة إلى فوق، ومجوفة أيضا. وأيضا أغرب ما في الجنة: أن الله عز وجل يجعل الذهب والفضة مجوف، وزجاج، معنى كالزجاج، يجعلوك الزجاج. وهذا من أعظم ما في الجنة، أو من أغرب ما في الجنة، وليس مثله في الدنيا أبدا؛ لأن الذهب والفضة لا يستطاع تجويفه، ويجعله مثل المرآة أو الزجاج. وأشياء كثيرة هذه التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف التي غابت، والتي لم يذكرها؟ ولهذا قال الله عز وجل: «أولئك غرست كرامتهم بيدي، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فلهذا، فالنعيم عظيم جدا، فلا ينبغي للمسلم أن يفرط في هذا النعيم، لذة في الدنيا، من لذات الدنيا، أو شهوة يقضيها، فيحرم ذلك النعيم العظيم. فالعاقل لا يفعل هذا، يأخذ هذه اللذة التي لا تستمر إلا ساعة أو ساعات، وهذه اللذة قد تحرمه النعيم العظيم، والنعيم المقيم، ويكون في حياته كلها معذبا؛ لأن الحياة هي الحياة الآخرة. فلهذا، الواجب على المسلم أنه يتعقل مثل هذه الأشياء. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «في الجنة... وهل من مشمر يشمر لهذه الجنة؟». ويقول: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». وغيرها من الحديث التي جاءت في الترغيب في الجنة. وليس هذا بابه، وإنما فقط من باب الشرح في هذا الباب. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.