الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 433

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 433

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 433، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح إسناد حديث صاحب الصور ودعاء حسبنا الله

يستعرض الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رجال إسناد حديث «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم…» رواه أبو يعلى الموصلي، ويناقش أحوال الرواة واختلاف طرق الرواية، مع الإشارة إلى تخريج ابن حبان له في «الإحسان» وملاحظة حذف جملة «على الله توكلنا» في روايته.

أثر تذكر الموت والقيامة في حياة القلب

يبيّن المقطع أن حديث «كيف أنعم وصاحب الصور…» صحيح الإسناد، وأن تذكر الموت والقيامة يحيي القلب ويوقظه من الغفلة، بينما الإعراض عنه يجر إلى الانهماك في الملذات وتضييع الواجبات، مستشهداً بأقوام نسوا ذكر الله فحل بهم العذاب.

أهوال القيامة وفضل قول حسبنا الله ونعم الوكيل

يحذر من غفلة القلب عن الموت والرجوع إلى الله، ويذكر أهوال يوم القيامة ونفختي الصور، ويستعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام الساعة، ويبين عظمة كلمة «حسبنا الله ونعم الوكيل» التي قالها إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مؤكداً أن التوكل ينجي العبد من كل كرب.

التوكل على الله وكفايته للعبد المتوكل

يؤكد المقطع أن من يتوكل على الله ويرد أموره إليه يكفيه الله سبحانه وتعالى، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾، وهذا المعنى متحقق في الحديث المذكور سابقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله، أبو يعلى الموصلي أحمد بن علي بن المثنى، مسند أبي يعلى. وأبو يعلى هذا كما قلنا: أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، وأبو يعلى مشهور في كتب الحنابلة، أبو يعلى الفراء. قال: قال الإمام أبو يعلى: حدثنا عثمان، وعثمان هو ابن أبي شيبة، عثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي، أخو الإمام الحافظ الكبير أبي بكر، أبي بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف. وعثمان أيضًا حافظ، إلا أنه أقل من أبي بكر، ليس في مرتبة أبي بكر بن أبي شيبة. وكان عثمان أيضًا يتكلم أحيانًا في الرجال، لكنه متعنت. قال الإمام علي بن المديني: إن عثمان بن أبي شيبة، وكذلك أبو نعيم الفضل بن دكين، لا يرضون عن أحد. إن رضوا عن أحد والوضع فيتمسك به، وإلا فكلامهم غالبًا لا يعتبر عند العلماء؛ لأنهم يتعنتون في الجرح. قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير. جرير بن عبد الحميد الضبي، وعثمان كوفي، وجرير كذلك كوفي. وإذا وجد جرير في الإسناد الكوفي فهو جرير بن عبد الحميد الضبي، وإذا كان في الإسناد البصري فهو جرير بن حازم، فإذا كان في الإسناد المدني فهو أبو زرعة بن عمر بن جرير، يُقال أن اسمه جرير، لكن الغالب أنه يأتي بكنية: أبو زرعة بن عمر بن جرير، جده جرير بن عبد الله البجلي الصحابي اليمني. قال: حدثنا جرير عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران. وهذا الإسناد غريب؛ لأن أكثر من روى هذا الحديث رواه عن مطرف عن عطية العوفي عن أبي سعيد، إلا جرير فقد رواه عن الأعمش عن أبي صالح. وجرير يعتبر من حفاظ أصحاب الأعمش. قال: وأخرجه ابن حبان. قال: عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كيف أنعم أو قال: كيف أنعم، وصاحب الصور قد التقم، كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ؟» قيل: قلنا: يا رسول الله، ما نقول يومئذ؟ قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». قال: هذا حديث صحيح. وأخرجه ابن حبان كما في «الإحسان». «الإحسان» هذا لشعيب الأرنعوت ومن معه، أي: «الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان»؛ لأن صحيح ابن حبان ليس مرتبًا، رتبه الإمام ابن حبان، محمد بن حبان البستي، أبو حاتم، رتبه بترتيب مبتكر على الأنواع، نوعه أفرده وهو معنا، لم يرتب كتاب مسند كترتيبه معنا، ترتيب غريب لا يعرفه أهل العلم. ويقال أن ابن حبان كان عنده في المنطق والفلسفة وكذا، فلهذا حصل هذا الترتيب منه. فلهذا الإنسان إذا أراد فائدة أو أراد حديثًا لا يستطيع أن يأتي به من صحيح ابن حبان مباشر، فقام هؤلاء العلماء وبعض أهل الحديث كشعيب الأرنعوت وغيره ممن كان معه، فرتبوا صحيح ابن حبان على الأبواب وسموه «الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان»، وهو كتاب قيم. قال: فقال رحمه الله، أي ابن حبان: أخبرنا عبد الله بن البخاري ببغداد، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، فذكر إلى قوله: «ونعم الوكيل»، أي: لم يذكر عبارة «على الله توكلنا». قال: ثم قال: أخبرنا أبو يعلى عن عثمان بن أبي شيبة بسناد نحوه، قال: «قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل». فالظاهر أن هذا الحديث تفرد به عثمان عن جرير، وإلا فقد رواه جماعات من العلماء كسفيان الثوري، سفيان بن عيينة، وغيرهم، رووه عن جرير عن مطرف بن عبد الله عن عطية العوفي عن أبي سعيد، ورواه أيضًا غير مطرف عن عطية العوفي عن أبي سعيد. فالشيخ هنا اعتمد على هذا الإسناد لأنه إسناد الصحيحين، هذا الإسناد هو إسناد الصحيحين، عن البخاري ومسلم قد رويا عدة أحاديث بهذا الإسناد. والحديث جاء عند أحمد والترمذي وابن ماجه كما قلنا من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد، وعطية ضعيف، لكن هذا الإسناد صحيح، وجعله الشيخ مقبل عمدة في هذا الباب، وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله جعله شاهدًا لحديث عطية، أي أن الحديث ثابت عن أبي سعيد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم وحنى جبهته». صاحب الصور هو الملك الذي ينفخ في الصور، والذي اشتهر عند العلماء أنه إسرافيل، الذي اشتهر وليس هناك حديث يدل عليه، لكن هذا اشتهر عند العلماء حتى صار كالإجماع، وإلا فليس هناك حديث صحيح يدل على أن الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل. وقول النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «كيف أنعم»، أي: كيف أستمتع بالنعم، كيف أستمتع بالنعم في حياتي، وكيف أجد هذا النعيم والسرور، وهذا الأمر قد أقلقني: «صاحب الصور قد التقم وحنى جبهته»، وهذا باب الخوف الشديد. كذلك حياة القلب؛ فإن القلب يحيى كلما تذكر الموت، تذكر القيامة، فهو حياة للقلب ويقظة له. وأما الذي يغفل عن هذه الأمور فغالبًا يغفل قلبه، وأيضًا ينهمك في الملذات وينهمك في النعيم والسرور وغيره، وهذا ينسيه كثيرًا من الخير. وكذلك أيضًا يغفل قلبه عما أوجب الله عز وجل عليه. وكلما تذكر الإنسان هذه الأمور كلما كان قلبه حيًا ويقظًا. ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكيس الناس قال: «أكثرهم استعدادًا للموت، أكثرهم استعدادًا للموت». وقال في حديث أبي هريرة: «اذكروا هاذم اللذات - يعني الموت - فإنه ما ذكر في شيء ضيق في شيء واسع إلا ضيق، وفي شيء واسع إلا وسع». وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الإنسان المسلم والمؤمن يعلم أنه راجع إلى الله، ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، فما دام أنه راجع لله فيعمل لله جل وعلا. وكلما غفل عن هذا الأمر كلما - كما قلنا - ترك بعض ما أوجب الله عليه، بل أحيانًا كما ذكر الله عز وجل عن النصارى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، وقال: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. فهؤلاء النصارى نسوا حظًا مما ذكروا به، تغافلوا عن أمر الله عز وجل، فلهذا حصل منهم ما حصل. وأيضًا حتى أنهم تركوا ما أوجب الله عز وجل عليهم من الإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه موجود في كتبهم، وهذا بسبب أنهم تركوا أشياء كثيرة من الشرع. فالتغافل، فالنتيجة في ترك أو التغافل عن الموت والتغافل عن ما يكون في الرجوع إلى الله، فإنه يغفل القلب، وهذا نتيجته أنه يترك ما وينسى ما أمر الله عز وجل به أو ينسى بعض الفرائض، وهذا أيضًا يضر الإنسان. وكلما تغافل أو غفل كلما كان ضررًا عليه. قال: «كيف أنعم، وصاحب الصور قد التقم وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر أن ينفخ». وهذا يدل على أن الأمر قريب. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ»، وأشار بأصبع السبابة والإبهام، أو السبابة والوسطى، عن أن النبي عليه الصلاة والسلام بُعِث مع الساعة، الساعة قريب. فلهذا: «صاحب الصور قد التقم القرن». القرن هو الذي ينفخ فيه الصور. ومعلوم أن الله عز وجل ذكر نفختين: نفخة الصعق ونفخة البعث. ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾. نفخة صعق ونفخة بعد، ونفخة الفزع. وأكثر أهل العلم على أنها هي نفخة الصعق، فيصعق الناس في هذه النفخة فيموتون، ثم ينفخ فيهم أخرى، ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَأَقُومُ فَأَرَى مُوسَى مُتَعَلِّقً بِالْعَرْشِ، فَأَقُولُ: هَلْ اسْتُثْنِيَ أَمْ أَنَّهُ قَامَ قَبْلِي؟» فـ «هل استثني» معناه في قوله جل وعلا: ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾، أم أنه قام قبلي؟ فالله عز وجل استثنى في صعقة الصور، والله أعلم هل بعد ذلك يصعقون هؤلاء الذين استثنوا أو لم يصعقوا. والحديث تدل على أنهم يصعقون، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، ويبقى ﴿ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾، ويقول الله عز وجل: «أنا الملك، أين الملوك؟» ثم بعد ذلك يخلق الله عز وجل الملك الذي ينفخ في الصور، فينفخ في الصور، فيقوم الناس ويبعثون. «ينتظر متى يؤمر أن ينفخ». قيل: قلنا: يا رسول الله، ما نقول يومئذ؟ يعني: إذا دركنا هذا الأمر، وإذا دركنا الصعق وقامت القيامة، فماذا نقول؟ قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». «حسبنا الله ونعم الوكيل» هذه كلمة عظيمة، فيها الاستعانة بالله عز وجل، فيها التوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن العبد يفوض أموره إلى الله سبحانه وتعالى. فما أراده الله عز وجل كان، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. فما دام أن الله عز وجل كافيه فيكفيه من كل شيء، فهو الذي ينجيه من ذلك اليوم، من أهواله ومما يحصل فيه. فلهذا يقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». ففيه الأمر، أو فيه كما قلنا: أن هذه الكلمة كلمة عظيمة، وفيها تفويض الأمر إلى الله عز وجل. جاء في البخاري عن ابن عباس أنه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، قالها إبراهيم لما أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه لما قال لهم الناس: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. وقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل». فمن توكل على الله عز وجل وفوض أموره إلى الله لم يخب، بل ربنا سبحانه وتعالى كافيه. وهذا الحديث في عظيم التوكل على الله حتى في الأيام العصيبة وفي الأمر العصيب، فإن العبد يفوض أموره إلى الله فهو الذي ينجيه من كل أمر. وهذا في كل أمر، هذا أعظم الأمور: قيام الساعة، فما بالك بما هو دونه؟ فإن العبد إذا تمسك، أو إذا توكل على الله وأرجع أموره إلى الله عز وجل، فإنه كافيه سبحانه وتعالى، ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.