بواعث الخلاص من الذنوب 19

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية تنقية القلب لقبول الرحمة والهداية

يشرح الإمام ابن القيم أهمية تفريغ القلب وتنقيته من الذنوب والمعاصي لقبول غيث الرحمة والهداية، ويضرب مثلا بالأرض التي تحتاج إلى التنقية والتفريغ لتنبت الزرع الحسن. كما يشير إلى أهمية تطهير القلب من المعاصي والذنوب لكي يصل إليه الخير والهداية.

أثر الذنوب والمعاصي على القلب وضرورة التوبة

الذنوب والمعاصي تسبب سواد القلب وتجعله غير قابل للهدى، ولذا يجب على العبد أن يعتني بقلبه وينقيه بالتوبة والاستغفار، وأن يبادر بالتوبة عند ارتكاب الذنوب ليزيل الشوائب من قلبه ويعمر الإيمان فيه.

المواظبة على الطاعات واجتناب المعاصي لتحصيل الخير

ينبغي على العبد أن يكون دائما مواظبا على فعل الطاعات واجتناب المعاصي، مع التوبة والإنابة إلى الله عند الوقوع في المعاصي. هذا هو حال العبد في سائر أوقاته وأحواله، وبهذا يبلغ العبد إلى أكمل الأحوال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثامن عشر من بواعث الخلاص من الذنوب، قال: أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث الرحمة، وتنقيته من الدغل شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلا فارغا قابلا ينزل فيه، وإن فرغه حتى أصابه غيث الرحمة، لكنه لم ينقه من الدغل، لم يكن الزرع زرعا كاملا، بل ربما غلب الدغل على الزرع، وكان الحكم له. وهذا كالذي يصلح أرضه ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر، وينتظر نزول الغيث، فإذا طهر العبد قلبه وفرغه من إرادات السوء وخواطره، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص، وعرضه لمهاب برياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان جديرا في حصول المغل. وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن جل جلاله في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة. فهكذا يمثل رحمه الله هذا القلب بالأرض التي يهيئ الإنسان هذه الأرض لزراعتها، فهو ينقيها ويصفيها من كل ما يشوب هذا الزرع، ويكون سببا في عدم نباته وعدم حسنه وكماله. كذلك قلب العبد يحتاج إلى تصفية وتنقية وتخلية، بأن يخلي هذا القلب ويصفيه من إرادات السوء وقصد المعاصي والذنوب، وكذلك أيضا قصد فعلها. فإنه إذا نقى هذا القلب من هذه الإرادة الفاسدة وهذه العزيمة السيئة، فإنه يتهيأ لقبول غيث الرحمة، أي ما ينزل على القلب من الآيات والمواعظ من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يكون سببا لحياة هذا القلب وقبوله للهدى والخير. وهكذا الأرض إذا نقيت وصفيت ونزل عليها غيث الماء، فإنها تنبت النبات الحسن والزرع والكلأ الطيب، وتظهر الثمار أنيعة بسبب ذلك. وأما إذا أهملها صاحبها، لم ينقها من دغلها، ولم يصفيها، ولم يصفها، فإذا نزل عليها الغيث، لم تنتفع بهذا الغيث لوجود الموانع التي تمنع من طلوع هذا الزرع ونبات هذا النبات في هذه الأرض. وهكذا حال القلب. قال: ولا سيما إذا اجتمعت الهمم وتساعدت القلوب، وعظم الجمع كجمع عرفة، وجمع الاستسقاء، وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها الله تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مفضية إلى مسبباتها. بل هذه الأسباب في حصول الرحمة أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبباتها. ولكن العبد لجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب، والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه. يعني أن الإنسان بسبب جهله يغلب الأشياء التي يشاهدها وتدرك بالحواس بالروية والسماع ونحو ذلك على الأشياء التي تغيب، تكون أمورا غيبية أمرها إلى الله جل وعلا، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فهو قد يلجأ إلى هذه الأشياء الظاهرة الحسية أكثر من لجوه إلى ما قد علمه الله سبحانه وتعالى وخفي عليه. قال: ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه، لرأى العجائب، فإن فضل الله لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو أزال ذلك المانع، فسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعتشة المجدبة سكر وسد كثيف، فصاحبها يشكو الجدب والنهر إلى جانب أرضه. وهذا أيضا مثل آخر ضربه الإمام ابن القيم رحمه الله، مثل الهدى والخير والذي هو غيث الرحمة بالنهر، النهر الواسع الكثير الذي يمر على الأرض فيسقيها ويذهب ضماؤها. وكذلك أيضا يحصل الري لها، وقد يوجد في بعض الأراضي ما يمنع دخول ما في هذا النهر إلى هذه الأرض، كوجود حواجز، ووجود أشجار مثلا، أو كثيب ضخم من الرمل أو الحجارة يمنع من وصول الماء، فصاحب هذه الأرض يشكو الجدب ويشكو القحط وعطش الأرض، مع أن النهر بجانبه والغيث قريب منه. وهكذا حال من يشكو عدم الهداية وعدم صلاح قلبه وعدم تقواه وعدم وصول الخير إليه، مع أن الخير موجود وقريب منه، والهدى وفضل الله سبحانه وتعالى منه قريب، ليس ببعيد. لكن السبب هو وجود المانع في قلبه الذي يمنع من قبول هذا الهدى والخير، ما في هذا القلب من محبة المعاصي ومحبة الذنوب والقصد والسعي والإرادة على فعلها، فهذه مانع مانع من وصول الهدى إلى قلبه، فلو أزالها ونقى قلبه منها، لوصل إليه هذا الخير ووصل إليه هذا النهر الذي يسقي قلبه بغيث الرحمة. قال المعلق -فقه الله-: الأمر الثامن عشر: التخلية قبل التحلية. قال: بين المصنف رحمه الله قاعدة عظيمة، وهي أن تفريغ القلب من درن الشرك والبدعة والمعصية شرط لحصول الخير والبركة. نعم، فالتخلية قبل التحلية، التخلية: التصفية والتنقية أولا، صف ونقي، ثم بعد ذلك ماذا تدخل ما أردت إدخاله في هذا الأمر؟ فأنت إذا أردت أن تزرع أرضا، هل تزرعها وفيها الحصى وفيها الشوك مثلا، والأشياء التي تمنع من نبات الزرع؟ الجواب: لا، أو لتنقيها وتصفيها وتخليها من هذه الأشياء، ثم تحليها بالزرع. فالتخلية قبل التحلية. كذلك من أراد أن يحلى قلبه ويصل إليه الهدى والنور، فلابد أولا أن يصف هذا القلب من موانع قبول الهدى والخير، كالمعاصي والشرك والبدع والمحدثات. قال: وضرب رحمه الله لذلك مثلا محسوسا، وهو أن من أراد أن يزرع زرعا، فعليه أولا أن ينقي الأرض من الأدران، ويهيئها للزراعة، فإنها بعد ذلك ستكون أرضا صالحة للإنبات والإثمار، وعليه أيضا أن يتعاهد النبات، وأن يحميه مما يضره، فيبعد عنه النباتات والحشرات المؤذية والتي قد تنخر فيه وتمرضه، وبذلك يسلم له زرعه وينمو خيرا. وهذا كذلك حال القلب، إذا أراد أن ينمو هذا القلب بالإيمان والهدى والصلاح والخير، فلابد أن يصفيه وينقيه من أدرانه وأوساخه التي هي الذنوب والمعاصي. قال الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، أي من الذنوب والمعاصي والمحرمات. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ورجع سُقل قلبه -يعني عاد كما كان أبيضا نقيا-». قال: «وإذا زاد، ازدادت -يعني كلما ازداد ذنبا أو شيئا زاد هذا السواد في قلبه- حتى يعلو قلبه -يعني ذنب بعد ذنب وشيء بعد شيء ومعصية بعد معصية- يسود هذا القلب، فيكون قلبا أسود مربادا، كما في حديث حذيفة في مسلم: كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه». هذه آثار الذنوب والمعاصي، كيف سيصل الخير والهدى إلى مثل هذا القلب؟ كيف سينتفع بالآيات التي يسمع، سواء كانت من آيات الوعد بوصف الجنة وما لأهل الإيمان من الثواب والأجر، فيشتاق إلى ذلك الثواب وذلك المقام، أو آيات الوعيد التي فيها التخويف والترهيب من عذاب الله وعقوبة الله؟ كيف سيعقل له الزجر، وقد سود قلبه -عياذا بالله- من كثرة الذنوب والمعاصي؟ ثم قرأ النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. فإذا أراد العبد أن ينتفع بالهدى، فلابد أن يعتني بقلبه، ينقيه أولا، ثم يتعاهد هذا القلب. الإنسان بشر، ليس بمعصوم، قد يزل وقد يخطئ وقد يذنب، لكن الواجب المبادرة بالتوبة، المبادرة بالتوبة، لا يصر على الذنوب ولا يصر على فعل السيئات. قال الله عز وجل: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. هكذا المؤمن، المؤمن بشر، هو معرض للخطأ والزلل، لكن سرعان ما يبادر بالتوبة والاستغفار والندم وترك هذا الذنب وعدم الإصرار على فعله، فهو يتعاهد قلبه من هذه الشوائب التي تشوب القلب وتمرض القلب، يزيل هذه الشوائب بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، كمن يتعاهد أرضه وزرعه بإزالة الموانع التي قد تمنع من نبات الزرع وحصول الكمال لهذا الزرع. قالوا: فهكذا يجب أن يكون حال المؤمن، فيجتهد أولا بتنقية قلبه، بتصفيته من أنواع الشرك والمعاصي، ليعمر الإيمان في قلبه ويثمر، ثم يجتهد بعد ذلك بتعاهد هذا الإيمان وتصفيته مما قد يشوبه من الذنوب والمعاصي، فيبادر إلى التوبة والاستغفار، لأن التوبة تمحو الذنوب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام -في حديث عمر بن العاص-: «أما علمت يا عمر أن التوبة تجب ما كان قبلها؟» التوبة تمحو ما كان قبلها من الذنوب والسيئات والمعاصي. والله عز وجل يقول: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾. فهكذا التوبة، يعني تبدل السيئات حسنات. فهو إذا تعهد قلبه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، يزيل هذه الموانع من قلبه، وهي الذنوب والمعاصي والسيئات. قال: والتخلص منها بالإقلاع عنها، ليزداد الإيمان نموا في قلبه، وتنزل عليه الرحمات والبركات. فلابد أن تكون التوبة توبة صادقة، توبة صادقة، يندم على ما فعل وحصل منه، ويعزم أنه لا يعود إلى هذا الذنب، ويقلع عن هذا الذنب ويتركه ويجتنبه. فإذا كان كذلك، فإنه بهذا يعتني بصلاح قلبه واستمرار وصول الخير إليه والانتفاع بالهدى والخير الذي يسمعه. وهكذا ينبغي أن يكون حال العبد في سائر أوقاته، وفي سائر أزمانه، وفي سائر أحواله، أن يكون دائما مواظبا على فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فإن وقع في شيء من ذلك، بادروا بالتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، حتى يبلغ إلى أكمل الأحوال. طيب الله هنا، صلى الله وسلم على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.