الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 65، الدرس الخامس والستون:من( قال الإمام البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن سلام أخبرنا الفزاري ... فقالوا:شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي الشيخ قصة لقاء عبد الله بن سلام بالنبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن أمور لا يعلمها إلا نبي. أجاب النبي عن هذه الأسئلة موضحًا تفاصيلها.
يروي المقطع قصة إسلام عبد الله بن سلام اليهودي بعد أن أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة اليهود بشكل صحيح. هذا يدل على صدق نبوته.
المقطع يبرز دلالة إقامة الحجج على صدق رسالة الإسلام. النبي صلى الله عليه وسلم أجاب أهل كل فئة بما يوافق علمهم، مما يدل على صدقه.
يشرح كيفية الجمع بين الأحاديث المختلفة المتعلقة بأشراط الساعة. أشراط الساعة متفاوتة ويمكن أن تكون بعضها آخر بالنسبة لبعض والأول بالنسبة لبعض آخر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال رحمه الله تعالى: قال البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام، وهو البيكندي، قال: أخبرنا الفزاري عن حميد، وهو الطويل، قال: عن أنس رضي الله عنه قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. وذكر في بعض الروايات أن عبد الله بن سلام لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنه النبي الذي أخبر به وعلم عنه، فلذلك لما دخل المدينة وكان أول ما نزل عليه الصلاة والسلام نزل قباء، تقدم إليه عبد الله بن سلام إلى قباء. وبه تعرف الفرق بين طالب الحق والمتقاعص عنه، فالذي يطلب الحق لا يضيعه الله سبحانه وتعالى، بل يوفقه إليه ويسر له أسبابه. قال: فأتاه، وقوله: فأتاه، كما قلنا جاء في بعض الروايات أنه انتظره مع من انتظره عند مقدمه عليه الصلاة والسلام في هجرته في طرف المدينة وكان إلى قباء. قال: فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خبرني بهن آنفا جبريل". قال: فقال عبد الله: "ذاك عدو اليهود من الملائكة"، يعني هكذا تعتقد اليهود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب". وجاء في بعض الروايات أنها تخرج من قعر عدن. قال: "وأول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت". وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماءه كان الشبه له، وإذا سبق ماءها كان الشبه لها. ولا ينافي هذا ما سبق في التذكير والتأنيث، فهذا في الشبه وذاك في التذكير والتأنيث. قال: أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك -يعني اتهموني بما ليس في-. قال: فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟" قالوا: "أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا". نحتاج أن ننظر في أصل صحيح البخاري، هل هو بالهمزة أو بدون همزة؟ هل هو "أخيرنا" أو "خيرنا"؟ فإن ثبت ففي هذا رد على الصرفيين، إذ يقولون: لا يأتي "خير" و"شر" أفعل تفضيل، وصيغ تفضيل بأخير لأن "خير" أصلها "أخير"، وصار فيها تحويل صرفي فصارت "خير". و"شر" أصلها "أشر"، وصار فيها تحويل صرفي فصارت "شر". فلا يقال: فلان أشر من فلان، ولا فلان أخير من فلان، لكن يقال: فلان خير من فلان، وفلان شر من فلان. إن شاء الله انظروا وتأكدوا هل هذا موجود في أصل صحيح البخاري. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟" قالوا: "أعاذه الله من ذلك" -يعني ما يمكن أن يسلم-. قال: فخرج عبد الله إليهم فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله". فقالوا: "شرنا وابن شرنا" ووقعوا فيه. أورد شيخنا رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة التي تدل على صدق رسالته ونبوته في هذا الفصل، في الأسئلة التي أجاب بها أهل الكتاب، وأجاب من سأله عن أمور غيبية. ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ثلاثة أشياء ما كان له بها علم، ولا يعلمها إلا من علمه الله، فأجاب بما كان فيه موافقة الصواب، وعلم هذا الصحابي أن مثل هذا لا يقوله إلا نبي، فأسلم بسببه، فكان سببًا في إسلام هذا اليهودي. وما أكثر نظائر هذا المعنى التي توقع في قلب كل منصف، مهما كان دينه ومهما كانت ملته، أن يؤمن به نبيًا ورسولًا عليه الصلاة والسلام، لأن مثل هذا لا يكون إلا بوحي من الله، وليس في إمكان الإنسان مهما بلغ من العلم ومهما أحاط بالمعرفة أن يجمع ما جمع علوم الناس جميعًا. فكونه يجيب أهل كل فئة ودين وطائفة بما يوافق ما عندهم من العلم، ولا يعترض عليه بأدنى اعتراض، هذا يدل أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا قليل من كثير مما هو بهذا المعنى، وقد مر معنى كثير وسيأتي بعضه إن شاء الله. وفي الحديث مسائل أخرى كثيرة، من أهمها نقتصر على ثلاث مسائل. في هذا الحديث ما فيه من إقامة الحجج على الخلق، فقد أقيمت الحجج على الخلق أجمعين، لم يعذب معذب إلا وقد قامت عليه الحجة. ولهذا فإن أهل الإنصاف قبلوا هذه الرسالة وهذا الدين لأن الحجة قد قامت، ولا يمكن لمنصف أن يتراجع وأن يتردد في الدخول في هذا الدين إلى بلغه. والحجج متنوعة: حجج شرعية، وحجج عقلية، وحجج كذلك من آيات الله الكونية. وهكذا باعث الفطرة في فطرة كل إنسان، فإنه إذا تأمل في تفاصيل هذا الدين العظيم استيقن أن مثله لا يمكن أن يكون إلا دين الله سبحانه وتعالى. ولهذا لا يزال الناس يسلمون أفرادًا وجماعات، ويدخلون في دين الله أفواجًا، حتى يدخل هذا الدين كل بيت حجر ومدر كما قال عليه الصلاة والسلام، فلا يبقى بيت حجر ومدر إلا ودخله هذا الدين لما فيه من الحجج البالغة. وهذا مثال، وكم قد اكتنز تاريخ الناس من مثل هذه الأمثلة في إسلام من أسلم ممن رأى من الآيات الباهرة والدلائل الواضحة ما يوجب الدخول في هذا الدين. وفيه من المسائل كذلك هذه المسائل الثلاث، وما أجاب بها النبي عليه الصلاة والسلام، وسبق الكلام عليها فيما سبق في حديث سابق. وكل واحد منها فيها من العلم ما حصل به إسلام هذا الصحابي رضي الله عنه أرضاه. وفيه كذلك من المسائل ما تقدم وتكرر من كون اليهود أهل خيانة ومكر، وأهل بهت وحسد، وشد في العداوة والضغناء. فإذا فعلوا هذا في حق من كان فيهم بمثابة العالم وابن العالم، فبهتوه وجحدوا فضله، فكيف بمن هو ليس منهم؟ ولهذا لا يزال هذا خلقهم على مد العصور، فهم أشد الناس بغضًا للناس، وأشد الناس كذلك تحاملًا وعداوة وحقدًا على الناس. ولذلك لا تجدهم في مجتمع إلا وهم منعزلون عنه، لا تجدهم في مجتمع إلا ومنعزلون عنه، هم مجتمع داخل المجتمعات، وهم طائفة في وسط كل أمة لا يختلطون بأحد. ومن عرفهم عرف ذلك عنهم. وهذا يستدعي من أهل الحق الحذر منهم، وكذلك اتقاء شرهم، ومعاملتهم بما يليق بهم. يقول: كيف نجمع بين هذا الحديث والحديث الذي فيه ذكر النار تحشر الناس؟ آخر أشراط الساعة للساعة أشراط كبرى وصغرى، وأشراط الساعة تفاوت، فممكن يجمع بينها بهذا: بأنها بالنسبة لغيرها آخر، وبالنسبة لغيرها في موضع آخر أول، فلا مانع من ذلك.