الدرس في شرح العقيدة الواسطية 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المحور يشرح معاني أسماء الله الحسنى الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن، ويبين أهمية التلازم بينها ومعاني الإحاطة الزمانية والمكانية. كما يشير إلى أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأسماء هو التفسير الصحيح.
هذا المحور يبين دلالة أسماء الله الحسنى على صفاته مثل العلو والقرب والعلم والحكمة، ويتناول معاني بعض الأسماء مثل الظاهر والباطن والحي والحكيم والخبير. كما يتطرق إلى مفهوم التوكل على الله وأركانه.
المحور يشرح معنى لفظ الخبير ويبين أنه يعني العليم ببواطن الأمور والعلم التفصيلي الدقيق، ويرتبط بالعلم الخاص بمسائل معينة. كما يشير إلى أن الخبير هو من يمتلك معرفة عميقة ومتخصصة.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا ما يتعلق بأسماء الله وصفاته المذكورة في كتابه، فذكر هذه الآية التي اجتمعت على عدة أسماء: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. وها هنا عندي أربعة أسماء: الأول والآخر والظاهر والباطن. وهذه الأسماء كلها يختص بها الرب عز وجل، فلا يسمى إلا هو، فالله هو الأول والله هو الآخر والله هو الظاهر والله هو الباطن. فهذه أسماء اختص بها الرب سبحانه وتعالى. الأمر الثاني أن هذه الأسماء اضطرب فيها الناس، أي في تفسيرها ومعناها، واتسعت العبارات، خاصة عند المتكلمين وعند المتصوفة. ونحن في غنى عن هذه التعريفات الشاذة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر هذه الكلمات وفسر هذه الأسماء، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء». هذا من الذي فسر هذه الكلمات هو نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو أعلم بمراد الله. فمن يفسر هذه الأسماء بتفسيرات غير هذه التفسيرات مردود عليه، كائنا من كان. الفائدة الثالثة تذكر في هذا المقام أن اسم الأول واسم الآخر يطلقان على الله من غير تلازم، فلك أن تقول: الله هو الأول جل في علاه، ولك أن تقول: الله هو الآخر سبحانه وتعالى. إلا أنه في اسمي الظاهر والباطن قال العلماء: لابد من التلازم، فلا تقول: إن الله هو الظاهر ثم تسكت، أو أن الله هو الباطن سبحانه وتعالى تسكت. لا، بل تقول: الله هو الظاهر والباطن. لأن معنى الأول لا يظهر إلا بمعنى الثاني. وهذا مثل اسم النافع الضار، فالله هو النافع والله هو الضار، لكن لا تأتي بهذين الاسمين على انفصال، بل تقول: الله هو النافع الضار. الفائدة الأخرى المتعلقة بهذه الأسماء أن هذه الأسماء قد اجتمعت على معاني الإحاطة، فالأول والآخر فيهما الإحاطة الزمانية، والظاهر والباطن فيهما الإحاطة المكانية. فهذه الأسماء الأربعة اجتمعت على أنواع الإحاطة. قال عليه الصلاة والسلام: «أنت الأول فليس قبلك شيء»، فالأول فيه معنى الأزلية، أي أن الله لم يزل سبحانه، فهو أول الشيء لم يسبق بغيره سبحانه. واسم الأول له أثر على مخلوقاته، بمعنى أن كل مخلوق وكل موجود إنما هو حادث بعد الله. وأنتبه هنا على مسألة وهي أن بعض الناس قد يعبر عن الأول بلفظ أخرى وهو القديم. وهذا يأتي عند كثير من المتكلمين، يقولون: الله هو القديم. هل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ما ينبغي أن يسمى الله بالقديم؛ لأن القديم لا يعطي معنى الأول، اسم القديم لا يعطي معنى الأول؛ لأن القديم يستلزم أنه قد قورن بغيره، فهو أقدم من غيره. قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى: وأما إدخال القديم في أسماء الله فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام، وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف. فهذا مستنكر عند أئمة السلف، فلا يستخدم اسم القديم. قال: وأنت الآخر فليس بعدك شيء، أي أن الله هو المنتهى سبحانه، فليس بعده شيء. فكل الخلائق لها أجل تنتهي إليه، كل شيء هالك إلا وجهه. وقال سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾. قال: وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وإسم الظاهر فيه دلالة على علوه وعلى الفوقية. فهو الظاهر على جميع عباده، أي عال عليهم. والمراد أن علو الله علو ذات وعلو قهر وعلو قدر. ثم قال نبينا: وأنت الباطن فليس دونك شيء. وإسم الله الباطن فيه دلالة على القرب والمعية. ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، وهو معكم أينما كنتم. فهذا الباطن يدل على القرب والمعية. قال المؤلف رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهذا فيه إثبات لصفة العلم. وقد مر معنا بأن علم الله علم شامل، علم كامل الشمول، الماضي والحاضر والمستقبل، شمل العلم بالعالم العلوي والعلم بأحوال العالم السفلي. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، هذه الآية أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لتقرير باب الأسماء والصفات، وأننا نثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾ إثبات لإسم الحي. والتوكل هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب. إذن التوكل يقوم على أمرين اثنين: صدق الاعتماد على الله، والأخذ بالأسباب. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وهو الحكيم الخبير. هذه الآية فيها إثبات لإسمين من أسماء الله: الحكيم والخبير. أما الحكيم فهو فعيل، صيغة مبالغة من الحكم أو من الإحكام. فالله عز وجل ذو الحكم، وهو الذي يحكم في خلقه، ويحكم في أهل السماوات والأرض. وحكمه فيهم نافذ. والمعنى الثاني من الحكيم أنه مأخوذ من اسم المحكم، أي ذو الحكمة. والحكمة هي وضع الشيء في مواضعه لغايات حميدة. أما لفظ الخبير فهو بمعنى العليم ببواطن الأمور، فاسم الخبير من لوازم العلم، لكنه أخص مسائل العلم، إذ أن الخبير هو العلم التفصيلي. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.