أعمال أهل الجنة - التوحيد 2

أعمال أهل الجنة - التوحيد 2

الدرس في أعمال أهل الجنة - التوحيد 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله ووجوب طاعته

يتناول هذا الفصل أهمية الإعتقاد بنبوة ورسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ووجوب طاعته وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه. يُبرز أن مجرد النطق بالشهادة لا يكفي بل يجب أن يصاحبه طاعة النبي.

وجوب اتباع شرع الله ورسوله والتحذير من العناد

يشرح هذا الفصل وجوب طاعة الله ورسوله واتباع شرعه كما هو واضح في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويحذر من العناد وعدم الامتثال لرسول الله. يُظهر أن قوة الإذعان والاستجابة لكلام الله ولطاعة رسوله هي مفتاح الفلاح.

أهمية تصديق النبي والابتعاد عن البدع

يتناول هذا الفصل وجوب تصديق كل ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم دون تردد أو تمحيص بالعقل، والابتعاد عن البدع والابتداع في الدين. يُشدّد على أهمية الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من أحكام وشرائع.

ختام وتأكيد على أهمية الإذعان بنبوة النبي

يُشدد هذا الفصل على أهمية الإذعان بنبوة النبي محمد عليه الصلاة والسلام والقيام بحقه من خلال الطاعة فيما أمر والتصديق فيما أخبر والاجتناب عما نهى عنه. يُطلب من الله أن ينفع السامعين بما قيل ويُصلى على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت تنويهًا على الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة حتى يصل إلى الجنة، وأشرنا إلى العمل الأول، وهو توحيد الله جل في علاه، وأشرنا إلى أهم المسائل المتعلقة بهذه اللفظة، بشهادة أن لا إله إلا الله. وفي هذا المقام، إخواني في الله، نذكر كذلك عملاً آخر من أعمال أهل الجنة، وهو أيضًا لا يبعد عن كلمة التوحيد، إذ سيكون حديثنا عن الشطر الثاني من هذه الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. الإعتقاد بنبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام يعتبر من أصول الأعمال التي تدخل الناس الجنان، فبهذه الشهادة يقوم عليها الإسلام وتدور عليها الأحكام، وبها يبتلى الأنام، وهي مفتاح دار السلام. قال عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله وجهه عن النار»، رواه مسلم. وجاء في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أدخله الله الجنة». المراد أن نعلم أن هذه الكلمة العظيمة، وهي الاعتقاد بنبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، لهي من أعظم الأعمال التي تدخل الناس الجنان، فتشهد لله جل وعلا بالوحدانية، وتشهد لنبيك عليه الصلاة والسلام بالنبوة والرسالة. وكما قد أشرنا في درس أمس، من أن كلمة لا إله إلا الله لا تغني بحروفها إلا إذا جئت بمقتضاها، وكذلك هذه الكلمة، فكونك تشهد أن محمدًا رسول الله لا تعني مجرد كلمة تلقى بالألسن، بل لهذه الكلمة روح ولها معاني ولها مقتضيات ينبغي أن تأتي بها، وإلا كانت هذه الكلمة لا تنفعك. ولنا عبرة بأهل النفاق والشقاق ممن كانوا في صدر الإسلام في زمن رسول الأنام عليه الصلاة والسلام، إذ كانوا صباحًا ومساءً يقولون: يا محمد، إنك لرسول الله. لكن، يا تُرى، هل قبلت منهم هذه الكلمة؟ الجواب: لا. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. أين وجه التكذيب؟ هم يقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وربنا سبحانه وتعالى سمى هذه الشهادة بالكذب. أين الكذب؟ الكذب لما وقر في قلوبهم، إذ أن هذه الكلمة يأتون بها بطرف ألسنتهم وهم لا يعتقدون بما فيها. من هنا تعلم، يا عبد الله، أن من الناس من لربما يأتي بهذه الكلمة وليستفيد منها شيئًا. ومن هنا نبه العلماء على اللوازم والمقتضيات التي ينبغي أن تحتف بها هذه الكلمة: «أشهد أن محمدًا رسول الله»، حتى تنتفع بها وتكون هي الوسيلة إلى دخول الجنة. وهذه المقتضيات واللوازم اختصرها العلماء بقولهم: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع. فأس وأساس شهادة نبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام تكمن في الأمر الأول، ألا وهي الطاعة، أن تذعن له بالطاعة، تذعن له بالاتباع بحسن الإنقياد. والآيات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. إن ناسًا من الناس، إخواني في الله، لربما أعرضوا عن رسول الله، أعرضوا عن طاعته وعن اتباعه، فقال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. هذا حال من؟ هذا حال الكافر والمنافق الذي لربما يظهر الإيمان لرسول الله، لكن عند الامتثال لم يمتثل، لا ينقاد، يعرض عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فروى الإمام مسلم في صحيحه أن يهوديًا وهو حبر من أحبارهم، من علمائهم، نادى بأعلى صوته: يا محمد، يا محمد. وكان ثوبان رضي الله تعالى عنه ملازمًا لرسول الله، فغضب ثوبان لقلة أدب اليهود ولصفاقته. قال: فغضبت، فدفعت اليهودي دفعة، قلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال: يا ثوبان، إنما أسميه باسمه الذي سماه به أهله. فقال له عليه الصلاة والسلام: «ماذا تريد؟» قال: يا محمد، جئت أسألك، قال: «أينفعك شيء أحدثك؟» قال: أسمع بأذني، جئت أسألك أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في ظلمة دون الجسر». قال: فمن أول الناس إجازة -أي عبورًا على هذا الجسر- قال رسول الله: «هم فقراء المهاجرين». قال: فما تحفتهم إذا دخلوا الجنة؟ قال: «زيادة كبد النون» -أي كبد الحوت- قال: فما شرابهم عليها؟ قال: «عين فيها تسمى سلسبيلاً». قال: يا محمد، جئت أسألك أيضًا عن الولد، جئت أسألك عن الولد، قال عليه الصلاة والسلام: «ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا مني الرجل ومني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا غلب مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله». حينها قال اليهودي: يا محمد، لقد صدقت، لقد صدقت، ثم ولَّى. وما آمن برسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا هو العناد، وهذا هو الشقاء، أن تظهر عندك، يا عبد الله، ملامح وأمارات نبوة نبيك عليه الصلاة والسلام، ثم تعرض عنه. وهذا حال كثير من الناس في باب الطاعة والامتثال، أنهم لا ينقادون لرسول الله مع علمهم واستيقانهم بنبوته، وأنهم من عند الله جل في علاه. ولهذا ذكر ربنا جل وعلا أن من صفات أهل الإيمان ما يكون من قوة الإذعان: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. الفلاح، يا عبد الله، إنما تكمن في مدى استجابتك لكلام الله ولطاعتك لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن تأمل في أحوال الناس، يرى أن الكثير منهم قد شرق وغرب، فمنهم من يقدم الأهواء، ومنهم من يقدم الآراء، ومنهم من يعظم الأنظمة والقوانين، ومنهم من يأتي بالسوالف والعادات والتقاليد. لا، يا عبد الله، اجعل شرع نبيك عليه الصلاة والسلام هو المهيمن، طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر. كل ما يأتي به تصدقه، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وللأسف في هذه الأزمان، إخواني في الله، ابتلينا بهذه الموجة من موجة الإلحاد التي اكتسحت البلاد وكادت أن تصل إلى جميع العباد، إلا من رحم ربنا جل في علاه. ومن فتح الآفاق للنظر عبر الشاشات والقنوات، فينظر إلى هذا العالم الخارجي على شتى محتوى من ملل وحضارات، وما اكتنفه من ضلالات. والكل يتكلم بمعتقده، وهذا المسلم القابع تحت الشاشة يقلب قناة وقناة: إلحاد بعد إلحاد. ثم بعد ذلك يأتي من يأتي ويشكك في عذاب القبر، من يشكك في معجزات بعض الأنبياء، من يتردد: هل الملائكة عالم حقيقي أم أنه عالم معنوي -بمعنى الخير- وهكذا. قس ما نسمعه ممن يتردد في عدالة الصحابة: هل الصحابة كلهم عدول أم فيهم... فيهم... كل ذلك، إخواني في الله، إن من فتح عندما فتح الناس الآفاق على هذه الشاشات والقنوات، وأخذوا يأخذون أخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت المجهر، ويعرضون أقواله وأخباره وآثاره على العقل البشري. إن قبل فذاك، وإن لم يقبل ركنه على جنبه. هذا ليس من الإذعان، يا عبد الله، وليس من التصديق بنبوة نبيك عليه الصلاة والسلام. صدق، صدق بكل ما يقوله، بشرط أن يصح ذلك عنه، دخل هذا العقل أو لم يدخل، وافق الواقع أو لم يوافق. تقبلها، يا عبد الله، نبيك لا يتكلم من جهده الشخصي، بل هو وحي السماء يتنزل عليه. جاء في صحيح مسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أخي يشتكي بطنه، قال نبينا: «اسقه عسلاً». فذهب فرجع قال: يا رسول الله، إني سقيته عسلاً فما زاد إلا استطلاقًا. زاد قاله نبينا: «اذهب واسقه عسلاً». فذهب وسقه عسلاً، لكن المرض زاد على ما يرى. فقال: يا رسول الله، إني سقيته عسلاً فما زاد إلا استطلاقًا. قال عليه الصلاة والسلام: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب وسقه عسلاً». فسقه فبرئ. صدق، يا عبد الله، بكل ما يخبر به نبيك عليه الصلاة والسلام، سواء وافق الواقع أو العقل أو لم يوافق. وهكذا، يا عبد الله، التحذير من البدع. ولهذا قال العلماء: من مقتضيات «محمد رسول الله» عليه الصلاة والسلام: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع. جاءنا نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه الملة العظيمة، بأصولها، بفروعها، بكلياتها، بتفريعاتها. ما عليك، يا عبد الله، إلا الاتباع. وما آتاكم الرسول فخذوه. اكتفينا بهذا. أما من أراد أن يزايد على هذا الدين باشتهاداته وببدعه وضلالاته، فهذا كأن لسان حاله غير راضٍ، غير مقتنع بما آتاه نبينا عليه الصلاة والسلام من شريعة. لا، يا عبد الله، احرص على أن تنقاد لنبيك في كل صغيرة وكبيرة مما جاء به من أحكام وشرائع. وكذلك فضائل الأعمال، وما عليه الناس للأسف من هذا الانبهار بمثل هذه الطقوس والمراسيم والأذكار والأوراد، فهي مردودة على أصحابها كائنًا من كان. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فهو رد يرد هذا عليه في حياته، ويرد عليه كذلك بعد مماته، وفي ساحة الحشر إذا برز الحوض المورود، وكان نبينا عليه الصلاة والسلام على هذا الحوض يستقبل أمته، إذ بثلة من أمته يمنعون، يصدون عن الحوض، يصدون عن الحوض. فيقول نبينا: «أمتي، أمتي، لماذا؟ لماذا هؤلاء يبعدون عني وعن حوضي؟ أمتي، أمتي». فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وفي رواية: «إنهم بدلوا وغيروا، بدلوا وغيروا». فيا عبد الله، لا تغير ولا تبدل. فعباد الله، إخواني في الله، لأن نعلم أن من أهم الأعمال التي تدخل الناس الجنان، بعد القيام بحق «لا إله إلا الله»، الإذعان بنبوة نبيك عليه الصلاة والسلام، والقيام بحقه بما سمعت مما ذكره العلماء من الطاعة فيما أمر، والتصديق فيما أخبر، والاجتناب فيما نهى عنه وزجر، وباتباع سنته عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.