كتاب الأطعمة 5

الدرس في كتاب الأطعمة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آداب الأكل في الإسلام وتفاصيلها

يتناول هذا الفصل آداب الأكل في الإسلام كما ذكرها الإمام الشوكان، حيث يشمل التسمية عند الأكل، والأكل باليمين، وتناول الطعام من حافتي الصحفة. يُفصّل أيضًا الأدلة الشرعية وراء هذه الآداب من الأحاديث النبوية.

تفاصيل آداب تناول الطعام

يتناول هذا الفصل تفاصيل آداب تناول الطعام في الإسلام، حيث يشير إلى جواز أكل الطعام من أنواع مختلفة، ولعق الأصابع بعد الأكل، وتناول اللقمة الساقطة بعد إزالة الأذى عنها. هذه العادات مستمدة من سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

أهمية الحمد بعد الطعام ومعنى الاتكاء

يتناول هذا الفصل أهمية الحمد بعد الطعام ويستشهد بأحاديث نبوية تشجع على ذلك. كما يوضح معنى الاتكاء أثناء الأكل ويفسر الأحاديث النبوية المتعلقة بهذا الشأن، حيث يطلق الاتكاء على الاتكاء على جنب سواء كان على اليمين أو اليسار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام الشوكان، رحمه الله تعالى: باب آداب الأكل. قال: يشرع للآكل التسمية، والأكل باليمين، ومن حافتي الطعام لا من وسطه، ومما يليه، ويلعق أصابعه والصحفة، والحمد عند الفراغ، والدعاء، ولا يأكل متكئًا. فهذه بعض آداب الأكل. قال أولًا: يشرع للآكل التسمية، واختلف العلماء في التسمية هل هي واجب أو مستحب؟ ودلت الأدلة على وجوب التسمية، وما يدل على ذلك ما خرجه الإمام مسلم أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: «إن الشيطان لا يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه». وكذلك جاء في صحيح مسلم في حديث جابر: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء». فدل على أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عز وجل عليه، فدل على وجوب ذلك. وقال النبي، عليه الصلاة والسلام، لعمر بن أبي سلمة: «كل بيمينك، كل مما يليك». وفي هذا الأمر بالأكل باليمين، كما سيأتي. لكن قال له: «يا غلام، سمي الله». وهذا أيضًا يفيد الأمر بالتسمية. وجاء عند الترمذي عن عائشة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال: «أما إنه لو سمي لكفي». لكن الحديث فيه ضعف. وجاء في حديث آخر مثله: أنهم كانوا يأكلون، فجاء أعرابي كأنه يتدافع، فأراد أن يأكل، فرفع النبي، صلى الله عليه وسلم، يده، وقال: «سمي الله». ثم جاءت جارية وأرادت أن تأكل، فرفع النبي، صلى الله عليه وسلم، يدها، وقال لها: «سمي الله». ثم قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان لا يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه». فدلت هذه الأدلة على وجوب التسمية. وأما الأكل مما يليه، فهذا أيضًا مما يجب أو من آداب الطعام. وقبل ذلك الأكل باليمين، الأكل باليمين. صرح بعض العلماء بوجوبه، كما جاء عن ابن حزم وغيره. وإلا أكثر العلماء على أنه مستحب وأنه من الآداب. لكن الأحاديث تدل على الوجوب. ومن ذلك حديث ابن عمر في صحيح مسلم، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». فشبه النبي، صلى الله عليه وسلم، الأكل بشماله كالشيطان الذي يأكل بشماله. وفي حديث سلمة بن الأكوع في صحيح مسلم كذلك: أن رجلًا جاء وأكل مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان يأكل بشماله، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: «كل بيمينك». قال: لا أستطيع يا رسول الله. قال: «لا استطعت». فما منعه إلا الكبر، فشلت يده. منعه الكبر أن يتكبر كيف يغير شيء قد اعتد عليه. وقال أيضًا النبي، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام، سمي الله، وكل بيمينك». فكل هذا أيضًا يدلنا على أن الأكل باليمين يعتبر من الواجبات. قالوا: ومن حافتي الطعام لا من وسطه. أي من طرف الطعام، لا يأخذ من الوسط، وإنما مما يليه الطعام. أن يجعل الوسط آخر شيء. فقد جاء في حديث ابن عباس، وهو حديث إسناده حسن، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافتيه، ولا تأكلوا من وسطه». وجاء في لفظ: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يأكل من أعلى الصحفة»، الصحفة هو الإناء الذي يأكل فيه. قال: «فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها». فلهذا يأكل من حافتي الصحفة، المراد به من أطرافه، ويترك وسط الطعام في آخره؛ لأن البركة كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، تتنزل في وسط الطعام. وأيضًا كذلك يأكل مما يليه، لحديث عمر بن أبي سلمة: «سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». هذا يجب من الآداب. وإذا كان الطعام منوعًا، فهل يأكل مما يليه؟ قال كثير من العلماء: إذا كان الطعام منوعًا، معنى الطعام الذي يليه ليس الطعام الذي يليه أخيه وهكذا. فالأصل أنه أن صاحب الطعام جاء به لأجل أن يأكل من كله، فلهذا لا بأس أن الإنسان يأكل مما كان عند أخيه من نوع آخر. واستدل بعضهم بحديث أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، «كان يتتبع الدباء». كان يتتبع الدباء. فلا بأس أن الإنسان إذا أحب شيئًا من الطعام، ولو كان طعامًا واحدًا، فما بالك إذا كان قد تنوع الطعام؟ فلا بأس أنه يتناول يده ويأكل من الطعام الآخر. وأما لعق الأصابع أو الصحفة، فقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك. ومنها ما أخرجه الإمام مسلم في حديث أنس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، «كان إذا طعم طعامًا لعق أصابعه الثلاث». لأنه كان يأكل بثلاثة أصابع، في الوسطى والسبابة والإبهام، أو يدخل الخنصر بدل الإبهام. فكان يأكل بثلاثة أصابع، فكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يلعق هذه الأصابع الثلاث. وقال: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان». وقال أنس: وأمرنا أن نسلت القصعة. وقال النبي، عليه الصلاة والسلام: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة». نسلت أي نلعقها، نخرج ما بها من الطعام. وجاء في الصحيحين في حديث ابن عباس، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها هو أو يلعقها غيره». من أولاده أو من زوجته. وهذا غالبًا يحصل في الثريد، الثريد هو الطعام المفتوت، فيحتاج لأن يكون في يده فتات الطعام، فلا يمسح يده قبل أن يلعق أصابعه. وليس من السنة مثلًا أن الإنسان عند كل لقمة يلعق أصابعه، لا، هذا ليس من السنة. بعضهم يظن أن هذا سنة كلما أكل لقمة لعق أصابعه، لا، يلعق أصابعه في آخر الطعام، إذا انتهى من الطعام يلعق أصابعه قبل أن يمسح يده؛ حتى لا يخرج ما كان من طعام في يده لعل البركة في ذلك الطعام. وأيضًا في هذا الحديث سنة أخرى، وهي أن الطعام إذا وقع لا يدعه، خاصة الطعام الذي يستطاع أن يفصل عن التراب. إذا كان الطعام لا يستطاع أن يفصل عن التراب، فهذا لا يستطيع الإنسان أن يأكله؛ لأنه سيأكل ترابًا. لكن الطعام الذي يستطاع أن يفصل بينه وبين التراب، فإنه لا يتركه للشيطان. ولهذا عمران بن حصين، رضي الله عنه، لما سقطت لقمة وكان عنده دهاقنة النصارى -والظاهر هذا حصل في بعض المناطق التي فتحت من مناطق الشام- فأكل عمران، فسقطت عليه لقمة، فأخذها وماط عنها الأذى وأكلها، وهؤلاء الدهاقنة ينظرون إليه. الدهقان هو تجار النصارى غالبًا. فكان هؤلاء الدهاقنة ينظرون إليه، فقيل له: هؤلاء ينظرون إليك يضحكون أو كذا. فقال: سمعت النبي، عليه الصلاة والسلام، يقول: «إذا سقطت لقمة أحدكم فلا يدعها وليمت عنها الأذى ويأكلها». أفأتركها لهؤلاء؟! يعني: لسخرية هؤلاء أترك سنة النبي، عليه الصلاة والسلام؟! وهذا يدل على أن الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا يطبقون السنة، ما يخافون في الله لومة لائم، ولا يحبون أن يكون هناك مثلًا في المجلس من سيقول كذا وكذا. يعني: بعض الناس يترك السنة لأجل أنه قد يقال كذا وكذا في المجلس، أنه يقال: إن هذا المجلس فيه تجار كذا، فيه مسؤولين، فيترك السنة لأجل هذا، فهذا خطأ. فكان عمران طبق السنة، وهؤلاء الدهاقنة ينظرون إليه، فقال: أترك سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لأجل هؤلاء؟! فلهذا يلعق الإنسان أصابعه، ويلعق صحفته، هذا من السنة. لكن ليس أن المراد يكلف الإنسان نفسه في الطعام، هذا ليس من السنة. يعني: يقول: أطبق السنة، فيطبق السنة، وأيضًا يطخم نفسه في الطعام، هذا خطأ؛ لأن هذه التخمة مضرة على الإنسان. التخمة: هي الشبع الكثير، حتى أن الإنسان لا يستطيع أن يتحرك من كثرة الطعام، يسمونه تخمة. فهذا لا ينبغي أن يفعله الإنسان، يأخذ كفايته. ولا بأس إذا شبع من الطعام، الشبع من الطعام ليس محرمًا، ولا هو مكروهًا أبدًا. وإنما كرهه بعض العلماء إذا كان دائمًا. والأفضل للإنسان يجعل لشربه ولهواه أيضًا شيئًا مما يكون في بطنه؛ حتى يستطيع الحركة، ويستطيع أيضًا هضم الطعام، تستطيع المعدة تهضم طعامها. فلهذا يشرع، ومما يستحب لعق أصابع والصحفة. كذلك أيضًا أخذ اللقمة وإزالة ما بها من وسخ أو ما علق بها من تراب. ثم ذكر أن مشروعية الحمد عند الفراغ والدعاء، أنه إذا فرغ من الطعام حمد الله عز وجل. قد جاء في صحيح مسلم بحديث أنس، رضي الله عنه، أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: «إن الله يحب أن العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها». وجاء كذلك في حديث أبي أمامة عند البخاري أن النبي، صلى الله عليه وسلم، «كان إذا رفع مائدته قال: الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع، ولا مستغني عنه ربنا». فهذا أيضًا مما ثبت في البخاري عن أبي أمامة. وجاء أيضًا في حديث أبي سعيد، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أكل أحدكم طعامًا أو شرب شرابًا، فليقل: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». وجاء في حديث ابن عباس: «اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه». ولكن حديث ابن عباس فيه ضعف. وجاء أيضًا صح عن معاذ بن أنس، وأيضًا فيه ضعف. لكن جاء عند أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، «كان إذا أكل طعامًا قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة». وهذا من فعله، صلى الله عليه وآله وسلم. وجاء في حديث معاذ بن أنس أنه من قوله، وصحيح أنه من فعله، «كان يقول إذا أكل طعامًا: اللهم الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة». فكل هذه الأدعية جاءت عن النبي، عليه الصلاة والسلام، في الحمد بعد الطعام. وما لم يكن فيه حمد، فيحمد الله عز وجل ثم يدعو بهذا الدعاء. مثلًا إذا صح حديث ابن عباس: «اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه». لكن لم يصح فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. قال: «ولا يأكل متكئًا». معنى الأكل متكئًا. نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أو النبي، صلى الله عليه وسلم، أخبر أنه «لا يأكل متكئًا». قال: «أما أنا فلا آكل متكئًا». كما عند البخاري في حديث أنس. كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يأكل أكل المتواضعين. وجاء أو جاء للنبي، صلى الله عليه وسلم، بطعام، فجثا على ركبتيه، فجثا على ركبتيه. فقال له أعرابي: لم تجلس هكذا؟! قال: «إن الله بعثني عبدًا متواضعًا، ولم يبعثني ملكًا جبارًا». أو كما قال، عليه الصلاة والسلام. فلهذا من الجلسات التي ثبتت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في الطعام الجثو على الركبتين. وأما الاتكاء، فكان النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يأكل متكئًا. وما جاء في النهي عن الاتكاء لا يصح. يعني جاء حديث نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الاتكاء، وهو لا يصح. وإنما صحيح أن النبي، صلى الله عليه وسلم، يخبر عن نفسه، وقال: «أما أنا فلا آكل متكئًا». فدل على أن الاتكاء ليس محرمًا، لكنه الأفضل أن لا يأكل الإنسان متكئًا. واختلفوا في الاتكاء، هذا ما هو المقصود بالاتكاء هنا؟ فقال الخطابي: الاتكاء هنا اتكاء التربع. قال: الاتكاء هنا اتكاء التربع، مثل هكذا. يعني هذا يسمى اتكاء التربع. فقال: كأنه يريد المزيد من الطعام. وحمله بعض العلماء على كل اتكاء، حتى اتكائه باليد أيضًا يحمل هذا. والصحيح الذي رجحه ابن القيم وغيره: أن الاتكاء يحمل على المعروف في اصطلاح الناس، وهو الاتكاء على جنب. الاتكاء على جنب، مثلًا يأكل وهو متكئ، يأخذ مثلًا مثل ما يحصل كثير من الناس، يكون معه بساط مثلًا أو معه شيء يأكل مثله محمل خفيف، تجده يتكئ ويأكل. فهذا ليس فيه شيء من ناحية أنه هل هو حرام؟ لا، ليس حرامًا. لكن الأفضل أن لا يفعل ذلك، أن لا يفعل ذلك. لكن إن فعله ما في شيء. وإنما النبي، صلى الله عليه وسلم، يحذر عن نفسه أنه كان لا يأكل متكئًا. والظاهر أن الاتكاء هنا كما ذكر أكثر أهل العلم هو الاتكاء على جنب؛ لأن هذا المتبادر من اللفظ. أما اتكاء التربع، لا، لا يتبادر، أو لا يأخذ من اللفظ إلا بتأويل. فالمتبادر من اللفظ أن الاتكاء يطلق على الاتكاء على جنب، الاتكاء على جنب، سواء كان على اليمين أو على اليسار.