ماذا سيقول عني الناس

ماذا سيقول عني الناس

المحاضرة بعنوان ماذا سيقول عني الناس، محاضرة للنساء والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 3 صفر 1448هـ الموافق 17 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطر سؤال الناس وأهمية الجمع بين العلم والعمل

يحذر المحور من انشغال المسلم برضا الناس وسؤال "ماذا سيقولون؟" الذي يؤدي إلى معصية الله، مؤكداً أن غاية المؤمن رضوان الله وحده بتطبيق الشريعة علمًا وعملًا. ويبين أن تميز الأمة يكمن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الموعظة، لا في مجرد القول النظري، مستدلاً بآيات الفاتحة وذم من يقول ما لا يفعل.

تطبيق توحيد الألوهية ومعنى لا إله إلا الله

يفصل المحور الفرق بين التوحيد العلمي النظري (الربوبية والأسماء والصفات) والتوحيد الإرادي العملي (الألوهية/العبادة) الذي هو المقصود شرعًا. ويوضح أن النطق بالشهادة دون تحقيق مقتضاها بترك دعاء غير الله والاستغاثة به لا ينفع، مستشهداً برفض كفار قريش لتطبيق "لا إله إلا الله" ومبادرة الصحابة للطاعة العملية.

تطبيق الصحابة للشرع وترك عادات الجاهلية

يعرض المحور نماذج حية من سيرة الصحابة في المبادرة بترك تقاليد الجاهلية وعاداتها فور ورود الوحي، كإحرام العمرة، والوقوف بعرفة، وإبطال الربا، وتحريم الخمر، والحجاب، وتغيير معاملة الحائض. ويختتم بتصحيح النبي صلى الله عليه وسلم لمفهوم الجماع المخالف لليهود وإنزال آية "نساؤكم حرث لكم"، مؤكداً طاعة الصحابة لله ورسوله دون الالتفات لأعراف الآباء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أما بعد، فيا أيها الإخوة والأخوات، وكل من يسمع كلامي، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لكل خير، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أقوالنا وأفعالنا، وعلى طاعته سبحانه وتعالى. ففي هذا الوقت -إن شاء الله تعالى- أردت أن أتكلم على مقولة انتشرت بين الناس، وسبب هذه المقولة، وأيضًا أتعرض إلى أصل هذا الموضوع. وهذه المقولة هي قول كثير من الناس: «ماذا سيقول الناس عني؟ ماذا سيقول الناس عني؟ وأي شيء الذي يقول الناس عني إذا لم أفعل أو إذا فعلت؟». فهذه -أيها الإخوة والأخوات- هذه المقولة أحيانًا تتسبب في رد ما أنزل الله جل وعلا، وأحيانًا تتسبب في معصية الله سبحانه وتعالى. أحيانًا قد يقع الإنسان في شيء يغضب الله من أسباب الشرك والمعاصي وغير ذلك، بسبب هذه الكلمة: «ماذا سيقول الناس عنه؟ وماذا هل سيرضى عنه الناس أم أنهم ما سيرضوا؟». والأصل -أيها الأخوات، وكذلك من يسمع- الأصل في هذا أن العبد يطلب رضى الله جل وعلا، فإن رضى الله سبحانه وتعالى هي غاية العبد المؤمن، غاية العبد المؤمن أنه يرضي الله جل وعلا. ولهذا، رضوان الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، ورضوان من الله أكبر. أي أن العبد لا يفكر في أي شيء، وإنما أعظم ما يفكر فيه هو رضوان الله: هل يرضي الله أم لا يرضي؟ وهل يرضى عني الرب جل وعلا أو لا يرضى؟ هل هذا يسخط الرب أو لا يسخطه؟ فإن هذا مهم جدًا. وأصل هذه المسألة: أن شريعة الله عز وجل جاءت بأمرين اثنين: بتطبيق نظري وهو التعليم، وتطبيق عملي وهو العمل. فلهذا، هذه الأمة -أمة الإسلام- ما بلغت ما بلغت من السؤدد، ومن الخيرية، ومن التفضيل الذي فضلها الله عز وجل على الأمم، إلا لأنها عملت بما تعلمت، وأطبقت تطبيقًا نظريًا وعمليًا. فلهذا فازت على الأمم. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. أي تطبقون هذا؛ لأن الآمر بالمعروف يطبق الشريعة، والناهي عن المنكر يطبق ما نهى الله عز وجل عنه. ليس كلامًا، وليس الدعاء، وإنما تطبيقًا. قال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. ولهذا أيضًا، ربنا جل وعلا لما ذكر الطريق المستقيم الذي سلكته هذه الأمة، بيّن أنه طريق العلم والعمل، طريق العلم والعمل الذي سلكه الأنبياء، وسلكه الصديقون، وسلكه الصالحون من قبلنا. فلهذا نقرأ في الفاتحة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. فهذه الآية بيّنت أن الدين تطبيق بعد علم: علم وعمل، علم وعمل. ولهذا ذم الله عز وجل اليهود والنصارى: فاليهود عندهم علم لكنهم لم يعملوا بعلمهم، والنصارى لا علم عندهم لكنهم عملوا بغير علم. فلهذا صاروا من أهل الضلال: ضلوا وأضلوا. فقال الله عز وجل: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. وهذه الأمة أمة علم وعمل، ولهذا هم الذين مدحهم الله عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، أي أهل العلم والعمل. من هؤلاء الذين أنعم الله عز وجل عليهم؟ في قوله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾. فربنا سبحانه وتعالى بين أن هذه الأمة لما كانت أهل علم وعمل كانت على الصراط المستقيم. فلهذا، الله عز وجل أنكر على من يتقول الأشياء ولا يعمل بها، فقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. كبر مقتًا، أي كبر غضب؛ المقت هو شدة الغضب. ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. فلا يكون عندنا التطبيق العلمي دون التطبيق العملي. فدين الله جل وعلا قائم على الأمرين معًا. من أخذ بحدهما وترك الآخر، فإنه لا يستقيم على الصراط المستقيم. ولهذا، يجب على كل مسلم أنه يكون مطبقًا لشريعة الله جل وعلا. الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾. فهذه القاعدة العظيمة، وهو التطبيق العملي لشريعة الله جل وعلا، هي الأمر الذي أراده الله، فأثنى على من فعله. ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ عن هذه المواعظ، وهذه المحاضرات، وهذه الدروس التي نسمعها، بل والآيات العظيمة التي نقرأها في كتاب الله، وحديث رسول الله صلوات الله وسلام عليه. هذه كلها تحتاج إلى عمل، تحتاج إلى أن نطبقها عمليًا بقدر الاستطاعة: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. فلهذا، إذا لم تطبق هذه الآيات والأحاديث، والأوامر والنواهي التي تأتي من الشرع، نفعل الأمر ونجتنب النهي. إذا لم يكن هذا الأمر يطبق بين أهل الإسلام، فمن الذي سيطبقه؟ إذا لم يكن نحن طلبة العلم الذين نسمع المواعظ، ونسمع المحاضرات، ونحفظ القرآن، وأيضًا نراجع في القرآن، إذا لم نطبق هذه الأمور ونطبق شريعة الله وما نسمعه، فمن الذي سيطبق هذا الإسلام؟ فإن الإسلام إنما يكمن بتطبيقه، يكمن ويعلو بتطبيق أهله له. إذا لم يطبق أهله هذا الإسلام، تجد الفساد... بعيد، أو تجد أن الفساد يدب بينهم، يدب بينهم الجهل، يدب بينهم المعاصي والشرك، والعياذ بالله. كل ذلك لأنهم لم يعملوا ولم يطبقوا ما قد علموه. فلهذا، لنسأل أنفسنا: نحن، من الذي سيطبق هذا الدين؟ فجاءت الآيات: الله عز وجل بيّن لنا أن الأمم السابقة ما طبقوا هذا الدين، ولو أنهم طبقوا لكانوا في رغد من العيش، ولكانوا في طمأنينة من العيش، ولكانوا لهم صولة وجولة. لهذا قال جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾. هكذا قال الله عز وجل على اليهود: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾، لكنهم ما أقاموها، ما أقاموا هذا. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾. فالله عز وجل يبين أن هؤلاء الناس جميعًا لو طبقوا شريعة الله في أنفسهم، وطبقوها في أعمالهم، وطبقوها في مجتمعاتهم، لساد الخير، ولساد أيضًا كذلك الرغد من العيش، وأيضًا اطمأنت قلوبهم. ولهذا -أيها الأخوات- تجد أن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لما كان الصحابة يعملون بما جاء في شريعة الله جل وعلا، وكذلك رباهم النبي عليه الصلاة والسلام على هذا التطبيق. حتى في التوحيد: العقيدة، العقيدة تحتاج إلى تطبيق. الآن من تأمل في عقيدة المسلمين، بل عقيدة أهل السنة، يجد أن أهل السنة يعتقدون عقيدة عظيمة توافق الكتاب والسنة. لكن من ناحية التطبيق، تجد فيها تقصيرًا كبيرًا. من ناحية التطبيق، تجدهم بعيدين عن هذه العقيدة. فمثلًا، من العقيدة التي يعتقدها أهل السنة وجميع أهل الإسلام أنهم -مثلًا- يدعون محبة الله. معنا كل واحد يدعي أنه يحب الله. فمعلوم أنه جاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان يقول: «إن أناسًا ادعوا محبة الله، قالوا: نحن نحب الله، فابتلاهم الله عز وجل بهذه الآية: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾». الله عز وجل هنا امتحنهم: إن كنتم تحبون الله فاتبعوا نبيه. هذا دليل على محبة الله. أما الدعاء، فكل واحد يدعي ما أراد. لهذا، النصارى واليهود ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾. فلهذا، فليس العبرة هو في الادعاء. وأنا -مثلًا- أقول: «أنا أحب الله، أنا أخاف، لا أخاف أحدًا إلا الله». لكن لو جئنا في التطبيق العملي: لماذا تقدم محابك على محب الله؟ هذا ليس محبة لله. الإنسان يقول: «أنا أحب رسول الله». كم الآن الناس، ومن الفرق التي تدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم؟ بعض الناس -مثلًا- يقول: «هؤلاء ما يفعلون المولد لأنه ما يحبون النبي». يعني يتهم أهل السنة بهذا. طيب، نقول له: «أنت، أيش الذي تعمله يدل على أنك تحب النبي عليه الصلاة والسلام؟». هذا الدعاء محبة، تجد في أمور بسيطة لا يتبع فيها السنة، بل يخالف أمر الله وأمر رسوله. حتى عند الدعوة: الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾. أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. بل أنهم يختارون مختار الله، ويحبون ما يحب الله. فما دام أن الله عز وجل يحبه كذا، فنحن نحبه. ما ننظر إلى: «ماذا سيقول الناس عنا؟» ما إذا فعلنا هذا الأمر وهو قد يكون معصية لله عز وجل، أيضًا فيه إصراف لا يحبه الله، فيه كذا... وهذا يحصل: سواء كان في الأحزان أو في الأفراح، يحصل في الأحزان أو في الأفراح، أو في المناسبات، أو في غير ذلك. في الأعياد، تجد أن مخالفة أمر الله عز وجل كثيرًا لأجل أن يجاري الناس، وأن يجاري العادات. أحيانًا بعض العادات تكون شركًا بالله جل وعلا. بعض العادات تكون مخالفة لأمر الله، بعيد عن شرع الله. مثل هذه الزيارات التي يدعون زيارات الأولياء وغيرها، زيارات كذا وكذا. هذه الزيارات التي يفعلونها، غالبًا يفعلونها طاعة لأوليائهم. والله عز وجل لم يأمر بها أبدًا. وإنما ما جاء في الشرع أنك تذهب وتزور أهل المقابر جميعًا، ما تخص أحدًا منهم، تزور إلا من كان خاصًا لك: مثل أبيك، مثل أمك، مثل كذا. أما تزور قبرًا خاصًا يجعل له زيارة خاصة في سنة أو في أيام أو في كذا، فهذا لا يعرف في دين الله جل وعلا. فتجد هؤلاء يذهبون إلى هذه المقابر ليس لأجل أن يدعونهم، بل هم يعتقدون أنهم لا يحتاجون إلى دعاء. هم يعتقدون أن هؤلاء المقبورين لا يحتاجون إلى أن يدعى لهم لأنهم أولياء الله، لأنهم فعلوا وفعلوا. فلهذا فهم يذهبون لزيارتهم لأجل النفع. وهذا لا يذكره أحد منهم: لأجل النفع، أنهم ينتفعون بهؤلاء المقبورين. وهذا لا شك أنه اعتقاد في غير الله جل وعلا، اعتقاد في غير الله أنه يجلب النفع أو يدفع الضر. فهذه من الجرائم: هذه الزيارات، لأنها تخدش في توحيد الله جل وعلا. أيضًا، كذلك من هذه الأمور التي لا تطابق الشرع، وتجد الإنسان يفعلها عادة: أيضًا ما يحصل أحيانًا في بعض الأفراح من الغناء ومن الطرب، وكذلك في بعض الأحزان والمآتم من النياحة ومن كذا. فيظن بعض الناس وبعض النساء أن هذا من العادات، وليس كذلك. بل هذه محرمات. النائحة إذا لم تتب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النائحة إذا لم تتب، يقام عليها يوم القيامة بسربال من قطران ودرع من جرب». سربال من قطران، حتى القطران هذا شيء يشعل، ودرع من جرب، أي يلبس النحاس، الجرب والنحاس حتى يستعل في جسدها. النائحة إذا لم تتب، يقام عليها يوم القيامة بسربال من قطران ودرع من جرب، حتى... معنى يشعل عليها النار، والعياذ بالله، إلا إذا تابت إلى الله جل وعلا ورجعت. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يبغض صوتين، أو قال في لفظ: صوتان ملعنان: صوت رنة عند نعمة، أي غناء عند نعمة، وصوت نياحة عند حزن». صوت نياحة عند حزن، معنى المرابه: نياحة. فلهذا ينبغي للمسلم أن لا يبالي بالناس إذا كان فيه غضب الله جل وعلا. فلهذا تجد أن الشريعة كما قلنا اهتمت بالتطبيق العملي كثيرًا. حتى لو نظرنا كما قلنا إلى شرع الله جل وعلا وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فقبل ذلك لو نظرنا إلى توحيد الله: توحيد الله جل وعلا كما يدرسه كثير من طلبة العلم وطالبات العلم. توحيد الله جل وعلا: توحيد علمي خبري، عن علم وخبر، أو ما نقول: بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. هذا التوحيد: توحيد علم، تطبيق علمي ونظري، ليس فيه تطبيق عملي، وإنما تطبيق نظري: أنك تعتقد أن الله عز وجل هو الخالق، هو الرازق، هو المحيي، هو المميت، هو النافع، هو الضار. تعتقد أن الله عز وجل له الأسماء الحسنى وصفات العلى. هذا كله أمر نظري واعتقاد، تعتقده في قلبك. لكن ما هو عمله وتطبيقه؟ العمل هو توحيد الألوهية، هو توحيد العبادة، التوحيد الإرادي الطلبي الذي أراده الله عز وجل من الناس وطلبه سبحانه وتعالى. فلهذا، التوحيد الطلب أو توحيد الألوهية هو التطبيق لتوحيد الربوبية والأسماء والصفات. التطبيق النظري: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. والتطبيق العملي: هو توحيد الألوهية. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾. اعملوا، طبقوا. لماذا؟ قال: ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. يعني: هو الذي خلقكم، اعبدوه. لماذا تعبدونه؟ لأنه الذي خلقكم وخلق من كان قبلكم. هو الخالق جل وعلا، اعبدوه. وهو الذي طلب منكم هذه العبادة لأجل أنه هو الذي خلقكم، فهو الذي يستحق العبادة. فكيف تصرفون هذه العبادة لغيره؟ وهذا معنى هذه الآيات. قال: ﴿ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾. فلهذا، فهذا التطبيق: النبي عليه الصلاة والسلام في مكة جلس ثلاثة عشر سنة وهو يدعو الناس إلى تطبيق توحيد الله جل وعلا. ليس فقط التطبيق النظري، وليس فقط العلم، بل تطبيق عملي. من أول ما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام، بل الأنبياء جميعًا: الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. عمل وهو العبادة. لابد من العبادة لله، أنك تعبد الله وحده لا شريك له، لا تعتقد في غير الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يدور في الأسواق ويأتي مجامع الناس، ويقول عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. أي: دارتم الفلاح، فقولوا هذه الكلمة. ليس قولا فقط، ليس قولا فقط، وإنما هي اعتقاد: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله. ولهذا لما اجتمع كفار قريش عند أبي طالب، وقالوا له: «يا أبا طالب، إن ابن أخيك يسب آلهتنا، ويفعل ويفعل. ماذا يريد؟ هل يريد مالًا نعطيه؟ هل يريد كذا نفعل الذي يريده؟ لكن يترك آلهتنا». فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أريد منكم إلا كلمة واحدة». فقال أبو جهل: «والله نعطيك عشرًا، ليس كلمة واحدة، نعطيك عشر كلمات، ليس واحدة». فقال: «قولوا: لا إله إلا الله». فهم عرفوا هذه الكلمة: أيش معنى هذه الكلمة؟ «قولوا: لا إله إلا الله». فقال أبو جهل وغيره: «أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟» أنا لو قلنا «لا إله» أي: نفينا كل إله، وقلنا «إلا الله» أي: ليس هناك إله حق إلا الله سبحانه وتعالى، ولا إله إلا معبود. فإذا قلنا «لا إله إلا الله»، فإننا اعترفنا بأنه بأن هذه الآلهة التي معنا آلهة باطلة. فلهذا قالوا: «أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن هذا لشيء عجاب». فلهذا فهم أنكروا التطبيق العملي لهذه الكلمة. ولهذا الآن تجد كثيرًا ممن يدعي الإسلام، سواء كان من الروافض أخزاهم الله، أو من الصوفية القبورية، أو غيرهم، تجد أنهم يقولون: «لا إله إلا الله»، بل قد يقولونها مرات، أنا أكثر من مئة مرة أو كذا. لكنهم لا يطبقونها تطبيقًا عمليًا. تجد أنهم يشركون مع الله، يصرفون العبادات لغير الله: سواء كان في الدعاء، يدعون غير الله، يستغيثون بغير الله في الكرب، يريدون من غير الله عز وجل أن يفرج عنهم. عندنا هنا يدعون المحضار، العيد، الروس، وكذا. وأيضًا في عدن، ابن علوان، في كذا، في بقاء، في شتى بقاع الأرض. الروافض أخزاهم الله، تجد أيضًا أنهم يدعون الحسين، يدعون آل البيت، وكذا. فلا يدعون الله، لا يدعون الله إلا في الرخاء، لا يدعون الله إلا في الرخاء. أما في الشدة، فهم لا يدعون الله، وإنما يدعون من يعتقدون فيه أنه ينفعهم غير الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء مهما قالوا هذه الكلمة، ما طبقوها. مهما قالوا هذه الكلمة، فهي يقولونها قولًا نظريًا فقط. وأيضًا يقولون: «نحن نعبد الله، ما نعبد غير الله»، وهم يصرفون العبادة لغير الله جل وعلا. بعض الناس يظن أن الدعاء ليس عبادة، مع أنه جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام صرح أن الدعاء هو العبادة. وقال الله عز وجل: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾. أنا قال: «ادعوني»، وقال: «عبادتي». ومعنى ذلك أن الدعاء هو العبادة، كما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية. وأيضًا في كلام نبي الله إبراهيم أيضًا كذلك: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. أي: هو قال «دعاء»، وسماه الله عز وجل «عبادة». فلا شك ولا ريب عند أهل الإسلام مما تبينت به النصوص أن الدعاء هو العبادة. فكيف يدعى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؟ من النفع والضر، والجلب: جلب الخير ودفع الضر وكشفه. فإن ذلك كله إنما هو بيد الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾. أي إله مع الله؟ هل هناك إله مع الله يفعل هذه الأشياء؟ يكشف الضر، ويكشف السوء، وأيضًا يجعلكم خلفاء الأرض، يجعلكم أحياء في هذه الأرض، يستخلفكم فيها. لا أحد يفعل ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه بيده كل شيء جل وعلا. فلهذا، فلابد من أن نطبق ما جاء عن الله جل وعلا، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى يرضى الله عنه. فكما قلنا: نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جلس بمكة وعلم الناس التوحيد، وكذلك دعاهم إلى تطبيق هذا التوحيد. ولهذا تجد أن الرجل من الصحابة رضي الله عنهم، عندما يعتقد أو يدخل الإسلام، يعلم أن هذا الإسلام هو إسلام طاعة لله ولرسوله. فلهذا تجد يدعن بالطاعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيأتيه ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا أفعل إذا فعل بي المشركون كذا؟» ماذا أفعل؟ ويأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله لنا يا رسول الله» في الأذية وفي كذا. فكانوا يعتقدون أن الأمر لله، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لابد أن يطاع. يأتي الرجل كما جاء في حديث عمر بن عبسة، يقول: «يا رسول الله، أريد أن أسلم معك، فماذا تدعو؟» قال: «أدعو إلى صلة الأرحام، وأن يعبد الله... أو كسر الأوثان، وأن يعبد الله عز وجل وحده لا شريك له». قال: «ومن معك؟» قال: «حر وعبد». قال: «أريد أن أكون معك». قال: «اذهب إلى بلدك، فإذا رأيتني ظهرت فأتني». فأطاع هذا الرجل، وهو عمر بن عبسة رضي الله تعالى عنه. أيضًا كذلك تجد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عندهم تطبيق عملي لشريعة الله جل وعلا. ما عندهم تأنٍ، ولا تفريط، ولا أيضًا كذلك نرى... لعل هذا يغضب، أو نرى كيف الناس يقولون، أو كيف عادات الناس. لا، عندهم تطبيق. جاءتهم أشياء ما كانوا يعرفونها في الجاهلية، جاءتهم أشياء ما كانوا يعرفونها في الجاهلية، بل كانوا يعرفون ضدها، لكنهم طبقوها ائتمارًا بشرع الله جل وعلا. كان -مثلًا- في الحج: كانوا يقولون: «أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور». هذا كان في الجاهلية. يقولون: «من جاء بعمرة في وقت الحج»، معنى: في أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة، الذي يأتي بعمرة في هذا، عندهم من أفجر الفجور. والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالعمرة مع أيام الحج، فطبقها الصحابة رضي الله عنهم، وهم يعلمون أن هذا يخالف ما كان عليه عادة الجاهلية. أيضًا كذلك: النبي عليه الصلاة والسلام، وقريش ما كانوا يقفون بعرفة. فوقف النبي عليه الصلاة والسلام عرفة، ووقف معه بنو هاشم وبنو مخزوم، ومن كان من أهل الإسلام، وقف بعرفة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كان يخالف عادات الجاهلية. أيضًا أشياء كثيرة من هذا القبيل، لو أننا سردناها لأخذت علينا الوقت، فيها سردها. كثيرًا من الأشياء كانت تخالف عادات الجاهلية. ولهذا ألف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتابًا لطيفًا طيبًا، سماه «مسائل الجاهلية». سماه «مسائل الجاهلية»: معنى العادات التي اعتاد أهل الجاهلية وهي مخالفة للإسلام. النبي عليه الصلاة والسلام خطب في الناس خطبة عظيمة في حجة الوداع، وقال: «إن أمر الجاهلية كله تحت قدمي، أنا لا أبالي به». أمر الجاهلية كله تحت قدمي، أنا مما حصل من الشرك، ومن الربا، ومن كذا. قال: «حتى أضع ربانا، وأول ربا ربا العباس، أنا ما أحاب أحد، أول ربا من في بني هاشم هو ربا العباس، أيضًا أضعه تحت قدمي، ما أبالي به. باطل، باطل، ولو حصل في الجاهلية». فلهذا، النبي أخذ الصحابة رضي الله عنهم هذا. فكل ما كان في الجاهلية نسوه، وعبدوا الله عز وجل، ولم يبالوا ما حصل في الجاهلية. الرجل يخالف أباه، يخالف أمه، يخالف أهله، يخالف مجتمعه، لأجل أن يستقيم على أمر الله جل وعلا. ما كانوا يخادعون، ما كانوا يغدرون، ما كانوا يكذبون، ما كانوا يغشون، إلا النذر اليسير الذي يحصل في الناس. وإلا الصحابة المعروفون ما كانوا يفعلون مثل هذه الأشياء، بل يطبقون ما أمر الله وما أمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لا ينظرون إلى عادات الناس، ولا ينظرون إلى ما يبثه الناس أو يقوله الناس عليهم، ما يبالون، بل يطبقون الإسلام. بل حتى النساء: النساء كن كذلك. الخمر كانت عند أهل الجاهلية أمر مهم جدًا، معنى: يشربون الخمر كأنهم يشربون الماء. فجاء تحريمها، وإن كان تحريمها الله عز وجل جعله تدريجيًا حتى تتقبله النفوس، لشدة تعلق الناس بالخمر. لكن أهل الإيمان، تجد أنهم تعلقت قلوبهم بالله، فما كانوا يحتاجون إلى هذه الخمر، مع أنهم كانوا من أشد الناس شربًا لها. ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «اللهم يدعو الله عز وجل، اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا». نزلت قول الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾. فبينا أن فيها نفعًا وفيها ضررًا، والضرر فيها أكثر. لكن لم يحرمها حتى نزل قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾. قال الصحابة: «انتهينا يا رب». في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت أسقي أبا طلحة ومعه ناس، أسقيهم الخمر. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام من ينادي في الناس: ألا إن الخمر قد حرمت، ألا إن الخمر قد حرمت. قال أبو طلحة: يا أنس، اذهب واسكب هذه القلال، القلال التي فيها الخمر. قال: اذهب واسكبها». ولهذا جاء في صحيح مسلم عن جابر قال: «لما حرم الله عز وجل الخمر، جرت المدينة بالخمر، جرت شوارعها بالخمر، أن كلهم خمر. لكن لما سمعوا الأمر، أخرجوا هذه الخمر من بيوتهم». أيضًا كذلك النساء: في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «يرحم الله نساء الأنصار، لما أنزل الله عز وجل الحجاب، قال: خرجنا في صلاة الفجر كأنهن الغربان، أنا لا يرى منها أن شيئًا، تحجبنا. وكان الناس في فقر، قد لا تجد المرأة حجابها. ولهذا كان النساء ما يخرجن كثيرًا، وإنما يخرجن للصلاة، يخرجن للصلاة، فتحتاج إلى الحجاب. والمرأة التي لا تخرج وليس معها حجاب، ما تخرج. لكن لما أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجن في العيد، قالت: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: المرأة ليس عندها حجاب. فقالت: لتلبسها أختها حجابها. معنى: إذا كانت أختها معها حجاب آخر، تلبسها. معنى: تستعين بها في هذا اللباس، الحجاب. فقالت عائشة: فخرجنا نساء الأنصار كالغربان، لا يرى منهن شيئًا، لا يرى منهن شيئًا مثل الغربان. الغربان الذي ينظر الغراب يرى أسود كله. فلبسنا الحجاب وتحجبنا كلهن، فلا يرى منهن شيئًا، امتثالًا لأمر الله. مع أنه ليس هذه عادة أهل الجاهلية، وليس هي عادة الأنصار». فلهذا تجد أن الشرع يحتكم، أو هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم يحتكمون بالشرع. هناك عادات كثيرة، حتى في بين الزوج وزوجته، بين كذا، بين معاملة الناس بينهم البين. كانوا يتعاملون بها، لما جاء الشرع بخلافها، قطعوها، قطعوها وابتعدوا عنها. بل كانوا أحيانًا تجد أن عاداتهم أخذت عادات اليهود. مثلا: كان الأنصار رضي الله عنهم كانوا يتبعون اليهود في مسألة الحائض. في مسألة الحائض: إذا حاضت المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانت اليهود إذا حاضت المرأة لا يآكلوها ولا يشاربوها ولا يجالسوها». معنا: هذا إذا حاضت المرأة عندهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام أبطل هذا كله، وإنما ذكر فقط أنه لا يجوز أن تجامع المرأة بحيضها. هذا الذي لا يجوز، أما كله: مأكلتها، ومشربتها، وكذا، كله جائز. كان الأنصار يفعلون هذا، فلما سمعوا النبي عليه الصلاة والسلام يذكر هذا، تركوا، تركوا ما كان على عادة الجاهلية أو عادة اليهود، وأخذوا بعادة الإسلام. حتى جاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير -رضي الله عنهما-، وهذا بشدة اتباعهم لأمر الله، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: «يا رسول الله...» وقالوا: «يا رسول الله، إن اليهود يحرمون كذا وكذا من الحائض، أفلا نأتي الحائض نخالفهم؟ أفلا نأتي الحائض؟». فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من كلامه، لأن هذا حكم الله. حتى خرجا من عند النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إليهما بلبن، حتى يعلمهما أنه لم يغضب عليهم، وإنما غضب من الكلام في تلك الساعة الذي يكون فيه مخالفة لأمر الله. ولكن تجد أن قلوبهم صافية، هم يريدون فقط أن يخالفوا اليهود والنصارى على ما كانت عاداتهم. في حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم قال: «كانت اليهود يقولون: أن الرجل إذا جاء امرأته على جنب، جاء الطفل أحول». وهكذا كان يعتقدون الأنصار. فأنزل الله عز وجل: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾. فتركوا ما كان اليهود عليه، ورجع