كتاب الطلاق 2

الدرس في كتاب الطلاق 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الطلاق وطلاق الحائض

يتناول هذا الفصل أحكام الطلاق وخصوصًا حالات وقوع الطلاق بدون تلفظ، واستثناءات طلاق الحائض، وحكم الطلاق الثلاث. يناقش أيضًا آراء أهل العلم في هذه المسائل.

الطلاق البائن والرجعي وأحكامه

يفصل هذا الفصل في الطلاق البائن والرجعي، حيث يشرح الحالات الأربع للطلاق البائن ومفهوم الطلاق الرجعي وأحكامه، ويشير إلى أحكام الرجعية والإشهاد على الرجعة.

الإيلاء وأحكامه وآثاره

يشرح هذا الفصل مفهوم الإيلاء وأحكامه، حيث يحلف الرجل على ترك وطء زوجته، ويوضح الإجراءات في حالة امتناعه عن وطءها بعد إنذاره، وكفارة الإيلاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، مر معنا في درس الماضي أن الطلاق إما أن يكون باللفظ الصريح كطالق ومتصرف منه، أو بلفظ غير صريح مع النية إذا كان اللفظ يحتمل الطلاق. إذا لابد في وقوع الطلاق من التلفظ، لكن استثنى أهل العلم صورتين يقع فيها الطلاق وإن لم يتلفظ. الصورة الأولى إذا وقع الطلاق عن طريق الكتابة، إذا كتب أنت طالق ولم يتلفظ، قالوا: فإذا نوى الطلاق فإنه يقع، فالكتابة مع النية يقع بها الطلاق. والصورة الثانية إذا كان المطلق أخرس لا يتكلم، فإنه إذا أشار بإشارة يفهم منها الطلاق فإنه يقع، إذا الإشارة من الأخرس يقع بها الطلاق. كذلك أيضا علمنا أن طلاق الحائض لا يحل، لا يحل للرجل أن يطلق زوجته وهي حائض أو في طهر جامع فيه. واستثنى أهل العلم من طلاق الحائض حالات يقع فيها الطلاق ولا يكون محرما حينئذ. ومنها ما لو طلقها وهي حامل ويخرج منها الدم، ويخرج منها الدم على القول بأن الحامل تحيض. أو على القول بأن الحامل لا تحيض، لكن على هذا القول هو طلقها وهي تحيض، فحينئذ لا يكون هذا الطلاق بدعيا لأن الاعتبار هنا بحال الحمل. الصورة الثانية في الخلع، إذا اختلعت المرأة وهي حائض، فهذا كذلك لا يحرم. وأيضا إذا حكم الحكمان بالطلاق والفراق وكانت حائضا، فكذلك يقع الطلاق. وكذلك أيضا إذا حصل الفراق من جهة المولي، إذا طلق المولي، فكذلك يقع الطلاق. لأن هناك أربع حالات تستثنى من طلاق الحائض: ما إذا كانت حاملا، أو إذا حصل الطلاق عن طريق الحكمين، أو إذا حصل الطلاق أو الفراق عن طريق الخلع، والحالة الرابعة إذا كان الطلاق من جهة المولي. قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه: ويملك الحر ثلاث طلقات، فإذا تمت له لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره بنكاح صحيح ويطأها. لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. بمعنى أن تحرم عليه حتى تتزوج بغيره. فقوله: يملك الحر، خرج به العبد، إذا العبد لا يملك ثلاث طلقات وإنما يملك طلقتين. وهذا قول جمهور أهل العلم أن الحر يملك ثلاث طلقات، وأما العبد فلا يملك إلا طلقتين. يقول: فإذا تمت له يعني تمت هذه الطلقات الثلاث لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، يعني هذه الزوجة التي طلقها ثلاثا لا تحل له بعد إيقاع الطلقات الثلاث حتى تنكح زوجا غيره بنكاح صحيح ويطأها. لابد من حصول الوطء، والجماع يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة امرأة رفاعة لما جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم تريد أن ترجع إلى زوجها الأول وقد نكحت زوجا غيره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنت براجع له حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلا عسيلتك». يعني الزوج الجديد لابد من حصول الجماع والوطء، لابد من حصول الجماع والوطء. فإذا حصل ذلك أنت زوجت بنكاح صحيح. ليش قال بنكاح صحيح؟ ليخرج ما إذا حصل النكاح عن طريق التحليل، نكاح التحليل الذي يقصد منه تحليل المرأة لزوجها، فهذا لا يحصل به الحل للرجوع إلى زوجه الأول. طيب تأتي هنا مسألة، عرفنا أن الزوج الحر يملك ثلاث طلقات. طيب إذا أوقع هذه الثلاث في لفظ واحد: أنت طالق بالثلاث، أو طلقتك ثلاثا. أو طلقها في أوقات متفرقة من غير أن يتخلل لها رجعة، مثلا طلق في الصباح، ثم في الظهر، ثم في الليل. أو اليوم طلق، وبكرة طلق، وبعد غد طلق. هل تعد هذه ثلاثا فتبين منه وتحرم عليه؟ أم تعتبر طلقة واحدة؟ هذا خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم وقول الجمهور يرون أن هذه تعتبر ثلاث طلقات، وأنها تحرم عليه حينئذ حتى تنكح زوجا غيره. واستدلوا بحديث ركانة لما طلق امرأته ثلاثا، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا ركانة ما أردت إلا واحدة؟ فردها إليه النبي صلى الله عليه وسلم». قالوا: فقوله: «ما أردت إلا واحدة»، معنى لو أراد الثلاث لوقعت ثلاثا. وذهب جماعة آخرون من أهل العلم أنها تعتبر طلقة واحدة. واستدلوا بحديث ابن عباس في الصحيح: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر الثلاث واحدة». فلما تساهل الناس بذلك قال عمر: «لو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم». فهذا الحديث يعني يصرح ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن طلاق الثلاث كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر الثلاث واحدة. يعني يطلق ثلاثا تعتبر طلقة واحدة، وتعتبر بقية الطلقات كالتأكيد في هذه الطلقة إذا لم تتخلل لها رجعة. لكن عمر من باب السياسة لما رأى الناس يتساهلون في إيقاع الطلاق الثلاث ألزمهم به وجعلها ثلاثا. فهذا القول هو الأرجح أن طلاق الثلاث يعتبر طلقة واحدة إذا لم تتخلل لها رجعة. قال: ويقع الطلاق بائنا في أربع مسائل. هذه إحداها، الطلاق إما أن يكون طلاقا بائنا وإما أن يكون طلاقا رجعيا. الرجعي الذي يملك فيه الزوج إرجاع زوجته كما سيأتي. والطلاق البائن الذي لا يملك فيه الرجل إرجاع زوجته، تبين منه وتنفصل عنه. وينقسم الطلاق البائن إلى قسمين: بينونة كبرى وبينونة صغرى. الطلاق البائن إلى قسمين: أن تحرم المرأة على زوجها فلا يملك نكاحها حتى تنكح زوجا غيرك كما مر معنا في الصورة الأولى. وهي هذه الصورة الوحيدة لتكون فيها المرأة أو يكون فيها الطلاق طلاقا بائنا بينونة كبرى إذا طلقها ثلاث طلقات. الطلقة الأولى ثم راجع، ثم الثانية ثم راجع، ثم الثالثة. فهنا تحرم عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. هذا يسمى بينونة كبرى. وبقية الصور تسمى بينونة صغرى. قال: وإذا طلق قبل الدخول هذه الصورة الثانية من صور الطلاق البائن. إذا طلق قبل الدخول لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾. فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الرجل يتزوج المرأة ثم طلقها قبل أن يمسها يعني قبل أن يدخل بها، فليس عليها عدة. ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ بمعنى بمجرد أن يوقع الطلاق عليها تبين منه، فلا يملك رجاعها إلا أن يتزوجها بعقد ومهر جديد. تسمى هذه بينونة صغرى. قال: وإذا كان في نكاح فاسد هذه الحالة الثالثة أو صورة الثالثة من الطلاق البائن. إذا كان في نكاح فاسد، كان تزوج امرأة بلا ولي. أو تزوج امرأة مثلا بعدم التوفر ببقية شروط النكاح، كان يكون بغير رضاها. أو كذلك لم يحصل في هذا النكاح شهود ولا إعلان، فيكون فاسدا. فهنا إذا طلق يكون هذا الطلاق طلاقا بائنا، ما يملك رجاعها. قال: وإذا كان على عوض هذه الصورة الرابعة. إذا كان على عوض يعني قالت المرأة: طلقني. قال: ما أطلق إلا بمقابل. قالت: خذ هذا المال أو هذا المهر، فأخذها وطلقها. هنا الآن طلاق على عوض، فحينئذ ما يملك رجاعها، يكون الطلاق بائنا. هذه الصور الأربع يكون فيها الطلاق طلاقا بائنا. قال: وما سوى ذلك يعني من صور الطلاق فهو رجعي. ما سوى ذلك عندنا الصورة الأولى إذا طلق ثلاثا يعني إذا طلق طلقتين يكون رجعيا. كأن يطلق المرة الأولى ثم يراجعها، ثم يطلق الثانية. وهنا يملك إرجاعها لأنه يملك ثلاثا إنما طلق طلقتين، فيكون الطلاق هنا رجعيا. الطلاق الرجعي هو إعادة مطلقة غير بائن على ما كانت عليه بغير عقد. هذا هو الرجعي. قاله: ما سوى ذلك. طيب الحالة الثانية في الطلاق البائن قبل الدخول، إذا طلقها بعد الدخول فيكون طلاقا رجعيا. وهكذا إذا طلقها في نكاح صحيح، أو طلقها بلا عوض فيكون طلاقا رجعيا. قال: فهو رجعي يملك الزوج رجعة زوجته ما دامت في العدة. بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. بعولتهن يعني أزواجهن أحق بردهن في ذلك، يعني إذا حصل الطلاق الرجعي فالزوج أملك وأحق لإرجاع زوجته إن أرادوا إصلاحا، إذا كان المقصود من ذلك وصول الإصلاح. لكن هل هذا شرط؟ يعني لابد من قيد إرادة الإصلاح؟ أو أن هذا من باب الحث والترغيب أن يكون يعني أن يكون ذلك عن طريق الإصلاح؟ شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لابد من قيد الإصلاح، يعني لو راجع وهو يقصد بذلك الإضرار بها من باب تطويل العدة عليها، طلقت طلقة الأولى وهي ممن تحيض، فبقيت يعني شهرين ونصف. وفي أثناء الحيضة الثالثة راجعها مثلا، هو لا يريد بهذا إرجاعها وإنما من باب الإضرار بها حتى تطول العدة. هل يملك هذا ويصح منه هذا الرجوع؟ يقول شيخ الإسلام: لا لابد من قيد الإصلاح إن أرادوا إصلاحها. وجمهور أهل العلم يقولون: يصح وإن لم ينوي الإصلاح وإن أراد الإضرار بها. لظاهر الأدلة أن الزوج يملك إرجاع زوجته. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فهو وإن رجعها بقصد الإضرار بها فإنها ترجع. طيب بماذا تكون الرجعة؟ الرجعة إرجاع زوجته إما أن يكون باللفظ وإما أن يكون بالفعل مع النية. يكون بالفعل مع النية، واللفظ كان يقول: راجعتك، أو غير ذلك من الألفاظ الدالة على هذا المعنى: راجعتك أو أعدتك أو رددتك أو نحو ذلك من الألفاظ. وبالفعل مع النية أن يجامعها بنية الرجوع، هنا ترجع. قال: والرجعية حكمها حكم الزوجات إلا في وجوب القسم. الرجعية حكمها حكم الزوجات، هي زوجة ما زالت زوجة هذا الرجل الذي طلقها طلاقا رجعيا. ولهذا يجوز لها أن تتجمل له وأن تتزين له. والأصل في الرجعية أن تبقى عند زوجها في البيت. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وفي سورة الطلاق قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يعني قد يتغير الحال، يندم الرجل تندم المرأة فيحصل التقارب والرجوع بسهولة. لأن المرأة عنده في البيت موجودة، بخلاف ما لو خرجت وذهبت عند أهلها، فتزداد الأمور تعقيدا وتزداد المشكلة. والرجعية هي زوجة، النفقة على الزوج، المأكل والمشرب إلى آخره. لهذا كان من حكمة الشارع أن تبقى الرجعية عند زوجها. قال: إلا في وجوب القسم، يعني في حكم الزوجات في النفق وفي المسكن وفي الملبس وفي المأكل وفي المشرب في غيرها من الزوجات إلا في القسم. يعني إذا كان عنده أكثر من زوجة وطلق واحدة منهم يسقط حقها من القسم. يسقط حقها من القسم هذا هو المشهور عند أهل العلم. وذلك أنه طلقها، هي الآن في حال عدتها لا يناسب أن يأتي إليها ويقسم لها. وهي تعتبر مطلقة إلا إذا أراد إرجاعها فقسم لها أو جامعها بنية الرجوع فحينئذ ترجع. قال: والمشروع إعلان النكاح والطلاق والرجعة والإشهاد على ذلك. بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. نعم المشروع إعلان النكاح لحديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف». هذا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام بإعلان النكاح. إعلان النكاح يكون بكل ما يشهر ويعلن ويظهر هذا النكاح. فمن إعلان النكاح مثلا إذا حصل عقد النكاح أمام الناس في ساحة واسعة مثلا أو في صالة. كذلك أيضا من إعلان النكاح الوليمة لما يرى الناس وناس يتجمعون يقولون: ماذا في هذا البيت؟ قالوا: زواج عندهم وليمة. هذا من إعلان أيضا تعليق السرج على البيت كعادتنا هنا في العرف هذا من إعلان النكاح. كذلك الضرب على الدف مثلا في داخل البيت فيسمع ضرب الدف في عرف أن في هذا البيت نكاح. ونحو ذلك من أمور المباحة التي يحصل بها الإعلان. فهذا من الأمور الواجبة. وإذا حصل الإعلان كفى هذا عن الشهود. كفى هذا عن الشهود لأن هذا أبلغ في إظهار وإشهار النكاح من شاهدي عدل. قال: والطلاق والرجعة يعني يريد إعلان الطلاق والرجعة والإشهاد عليهما. الإشهاد على الطلاق والرجعة مستحب. يعني إذا طلق الرجل يستحب أن يشهد على هذا الطلاق. يشهد الثنين يقول: أنا طلقت امرأتي. وإذا راجعها كذلك يشهد على الرجوع على سبيل الاستحباب. قال: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة». رواه الأربعة إلا النسائي. والحديث جاء من طريق عبد الرحمن بن حبيب وفيه لين. وجاء أيضا مرسلا للحسن البصري وسنده صحيح. فهذا المرسل مع هذا الحديث المرفوع الضعيف يحتمل التحسين لهذا حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بمجموع الطرق. وسدل به جمهور أهل العلم على وقوع الطلاق والنكاح والرجعة ولو لم يحصل بذلك نية. لأن هذه الأمور ليس فيها تلاعب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد». يعني العزم فيها والجد فيها جد. وكذلك هزلهن إذا حصل على سبيل الهزل والمزاح فإنه يقع. قال: أو في حديث ابن عباس مرفوعا: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رواه ابن ماجه. الحديث أعله بعض الحفاظ كأبي حاتم وغيره. لكن لهذا الحديث شواهد كثيرة بالكتاب والسنة تدل على الصحة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وسدل بهذا الحديث على أن من أوقع الطلاق خطأ أوقع الطلاق خطأ. أراد أن يقول لامرأة: أطلقي الناقة أو أطلقي الشاة، فقال: طلقتك خطأ. هنا ما يقع الطلاق لأنه لم يقصد الطلاق. كذلك لو أكره على الطلاق، قيل له: طلق وإلا أوجعناك ضربا أو قتلناك أو كذا، فطلق مكرها لا يقع الطلاق. لا بد أن يقع على سبيل القصد والعمد. أو مثلا قال: علق الطلاق إن دخلت بيت فلان فزوجتي طالق. ثم نسي ودخل ناسيا هو معذور. أو أخطأ يظنه بيت آخر فدخل هذا البيت الذي علق به طلاق زوجته فهنا لا يقع. باب الإيلاء والظهار واللعان. قال: الإيلاء فالإيلاء أن يحلف على ترك وطء زوجته أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر. فإذا طلبت الزوجة حقها من الوطء أمر بوطئها وضربت له أربعة أشهر. فإن وطئها كفر كفارة يمين. وإن امتنع ألزم بالطلاق لقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَاءِهِمْ تَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. الإيلاء مصدر آل يؤلي إيلاء. والمراد بالإيلاء أي اليمين. وشرعنا الامتناع باليمين من وطء الزوجة. والإيلاء ثابت بالقرآن والسنة والإجماع. فالله جل وعلا يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَاءِهِمْ تَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. واستدل بعض العلماء بإيلاء النبي صلى الله عليه وسلم حين آل من نسائه شهرا. يعني حلف وأن يمتنع منهن شهرا. وكان هذا هو الإيلاء الشرعي الذي تتعلق به الأحكام كما سيأتي. قال: فالإيلاء أن يحلف على ترك وطء زوجته أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر. إذن لابد من وجود اليمين والحلف. أن يحلف يقول: والله ما أقربك أبدا. أو يقول لزوجته: والله ما أقربك أبدا. يحلف أنه ما يقربها على سبيل التأبيد. يكون الحلف على ترك الوطء: والله ما أجامعك ما أجامعك أبدا. أو لا أقربك أبدا. أو لا أنام معك على فراش أبدا. أما لو قال: والله ما أؤذيك أبدا. هذا ما يعتبر إيلاء. أن الإيلاء ما يكون على الأذية وإنما يكون على ترك الوطء. قال: أو مدة تزيد على أربعة أشهر. يقول مثلا: والله ما أقربك ستة أشهر. أو ما أقربك سنة. هذا يعتبر إيلاء. لكن لو قال: والله ما أقربك ثلاثة أشهر. هذه مدة أقل من أربعة. هذا يعني ما يعتبر إيلاء شرعيا. لأنه له أن يمتنع وتمضي هذه المدة. قال: فإذا طلبت الزوجة حقها من الوطء أمر بوطئها وضربت له أربعة أشهر. يعني مثل مضى ثلاثة أشهر قالت الزوجة: لا ينام معي. قال له: ما لك يا فلان؟ قال: أنا حلفت أني ما أقربها سنة. نقول لك: أربعة أشهر تكمل هذه الأربعة أشهر ثم عليك أن تأتيها وإلا طلق. قال: فإن وطئ كفر كفارة يمين. لأنه حلف أنه ما يأتيها أكثر من أربعة أشهر ستة أشهر سنة. فإذا جاء في الأربعة أشهر معناه خالف يمينه وحنث في اليمين. فيكفر كفارة يمين. قال: وإن امتنع ألزم بالطلاق. يقال له: طلق. لماذا؟ لأن هذا إضرار بالمرأة إذا تركت المرأة من غير جماع أضر بها. وهي تحتاج إلى ذلك لا تستغني عن الرجل. فلأجل رفع الضرر عنها يؤمر بفراقها. إما أن يجامعها ويعاشرها بالمعروف. وإما أن يطلقها ويفارقها وتنظر زوجا غيرها. قال: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَاءِهِمْ تَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يعني انتظار. يؤلون يحلفون أنهم ما يقربون زوجاتهم أبدا أو أكثر من أربعة أشهر. وأخذ هذا من قوله: ﴿تَرَبَّصُوا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي رجعوا. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ الرَّحِيمُ﴾ يغفر الله لهم ما حصل من هذه اليمين. ويكفر كفارة يمين. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أبا قال: ما أرجع. قال له: أطلق. قال: ما أطلق. يطلق الحاكم عنه. إما أن يطلق هو وإما أن يطلق الحاكم عنه. قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. بل للحاكم أن يعزره أو يحبسه حتى يطلق. هذا الآن إكراه بحق. هذا إكراه بحق لأنه أضر بهذه المرأة. طيب إذا طلق هل يكون هذا الطلاق بائنا أو طلاقا رجعيا؟ يكون طلاقا رجعيا. يكون طلاقا رجعيا وليس طلاقا بائنا. صلى الله على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.