كتاب الطلاق 1

الدرس في كتاب الطلاق 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الطلاق وأحكامه

يتناول تعريف الطلاق لغة واصطلاحا، ويشرح حكمه في الشريعة الإسلامية. يبين أن الطلاق قد يكون واجبا أو محرما حسب الظروف.

الطلاق السني والبدعي وألفاظه

يشرح الطلاق السني والبدعي وألفاظ الطلاق، ويوضح أن الطلاق يقع بكل لفظ دل عليه. يفرق بين الطلاق السني والبدعي حسب ظروف الطلاق.

شروط وقوع الطلاق وحالات خاصة

يتناول شروط وقوع الطلاق وحالات الغضب والسكر وغيرها. يبين أن الطلاق يقع من العاقل البالغ، ويشرح آراء الفقهاء في حالات خاصة كالغضب غير الشديد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه «منعج السالكين»: قال في كتاب الطلاق: والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. قال: وطلاقهن لعدتهن، فسره حديث ابن عمر، حيث طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». متفق عليه. وفي رواية: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا». قالوا: هذا دليل على أنه لا يحل له أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر وطئ فيه، إلا إن تبين حملها. نعم، بالآخر، ما ذكر رحمه الله في هذا الكتاب، الطلاق في اللغة: حل القيد. يقال: أطلق الحبل، يعني: فكه وحله. واصطلاحا: هو حل قيد النكاح أو بعضه. إما أن يكون الحل للنكاح كله بكليته، كالطلاق البائن، أو بعضه، كالطلاق الرجعي. والبائن إذا طلقها ثلاثا، أو قبل الدخول، إذا طلقها ثلاثا، هنا ما يملك مراجعتها، خلاص، تبين بينونة كبرى. فإن طلقها، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. أو طلقها قبل الدخول، فحينئذ لا يملك مراجعتها؛ لأن العدة تنتهي، أو ليس عليه عدة أصلا، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾. قال: قال، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، دلت هذه الآية على جواز الطلاق. وكذا قول الله جل وعلا: ﴿الطلاق مرتان﴾. وطلق النبي عليه الصلاة والسلام، وطلق الصحابة، ونقل بعض أهل العلم الإجماع على مشروعية وجواز الطلاق. والطلاق قد يكون واجبا، مثل: إذا كانت المرأة مقصرة في أمور دينها، مضيعة للصلاة، ربما مرتكبة لشيء من الحرام، فمثل هذه يجب طلاقها، ولا يبقيها معه. وقد يكون محرما، كطلاق الحائض، كطلاق الحائض المشيئة، لا يجوز طلاق المرأة حال حيضها، أو في طهر جامعها فيه. وقد يكون مستحبا، وذلك إذا طلبت المرأة الطلاق، يستحب للزوج أن يجيبها، يستحب له أن يجيبها؛ يعني إذا ضاقت به الحياة معها، أو كذا، وطلبت الطلاق، يستحب له أن يجيبها ويطلقها. وقد يكون مكروها، إذا كان من غير سبب، إذا كان من غير سبب؛ لأن الشرع يدعو إلى بقاء النكاح واستمراره، ودوام الحياة الزوجية واستمرار الأسرة، فكونه يطلق من غير سبب خلاف ما قصدته الشريعة، فيكون أقل شيء مكروها. وأما حديث: «أبغض الحلال عند الله الطلاق»، فضعيف، لا يصح. قال: وطلاقهن لعدتهن، فسره حديث ابن عمر، حيث طلق زوجته وهي حائض، ابن عمر، عبد الله رضي الله عنهما، طلق زوجته وهي حائض، فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «مره فليراجعها»، أمره أن يراجعها ويردها. قال: «ثم ليتركها حتى تطهر»، يعني: من هذه الحيضة التي طلقها فيها، «ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد»، يعني: إن شاء يبقيها، وإن شاء طلق قبل أن يمس، يعني: قبل أن يجامعها في هذا الطهر. قال: «فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»، يعني: أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء أن يطلق الرجل المرأة في طهر لم يجامع فيه. يعني: جاتها الحيضة، ثم طهرت من هذه الحيضة، وهنا إذا أراد أن يطلقها يطلقها في هذا الطهر قبل أن يمسها، هذا يسمى عند أهل العلم الطلاق السني. الطلاق ينقسم إلى قسمين: طلاق سني، وطلاق بدعي. الطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامع فيه. والطلاق البدعي: أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر جامع فيها، هذا يسمى طلاق بدعي. أو يطلقها وهي حامل، من اختلف فيها العلماء، هل يسمى طلاق سني أم لا؟ منه من قال: يسمى طلاق سني، ومنهم من قال: لا يسمى طلاق سني، لكنه جائز أن يطلق بعد أن يتبين الحمل، فحينئذ نعلم أنه لا يجوز أن يطلق حال حيضها أو في طهر جامع فيه. فإن فعل ذلك، هل يقع هذا الطلاق؟ هل يحسب؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. وجمهور علماء على أنه يحسب، على أنه يحسب طلقة؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «مره فليراجعها»، معنى أن الطلاق وقع، ولهذا أمره بالمراجعة. وكذلك سئل ابن عمر: هل حسبت تطليقة؟ قال: نعم. قاله في رواية: «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا»، قال: وهذا دليل على أنه لا يحل له أن يطلقها وهي حائض، أو في طهر وطئ فيه، إلا إن تبين حملها، إذا تبين حملها، فلا بأس حينئذ أن يطلقها. قال: ويقع الطلاق بكل لفظ دل عليه، من صريح لا يفهم منه سوى الطلاق، كلفظ الطلاق، وما تصرف منه، وكناية إذا نوى بها الطلاق، أو دلت القرينة على ذلك. إذن، عندنا ألفاظ الطلاق على قسمين: ألفاظ صريحة، وألفاظ كناية. اللفظ الصريح: لفظ الطلاق، وما تصرف منه: طالق، طلقتك، أنت مطلقة. ونحو ذلك. فاللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية في قول جمهور أهل العلم، فمتى ما قال: أنت طالق، وقع الطلاق. فإن قال: أردت غير الطلاق، أردت أنت طالق من قيد، أو أنت طالق من حبل، فهنا إذا يعني عملته المرأة بدينه، وصدقته في ذلك، فلا بأس. لكن لو ترافع عند الحاكم، أو القاضي، سيعامله بصريح اللفظ؛ لأن هذا اللفظ لا يحتمل سوى الطلاق. وأما ألفاظ الكناية، فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية، مثل: «إلحقي بأهلك»، إذا قال: «إلحقي بأهلك»، هذا اللفظ يحتمل الطلاق، ويحتمل عدم الطلاق. أو قال لها: «ما بيني وبينك منتهي، الحياة بيننا انتهت»، ونحو ذلك من العبارات، ليس الصريحة في الطلاق، فهذه إذا نوى بها الطلاق وقع، وإن لم ينوِ الطلاق لم يقع. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لإمرأة ابن تلجون، لما دخل عليها واستعاذت منه، قال: «إلحقي بأهلك». ورد في مسلم بذلك الطلاق، وطلقها بذلك. كذلك في البخاري أيضا، في قصة كعب بن مالك بالصحيحين، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم يعني المخلفين في غزوة تبوك أن يهجروا زوجاتهم، قال لزوجته: «اذهبي فالحقي بأهلك»، ولم يعد هذا طلاقا، لم يعد طلاقا. فدل على أن مثل هذا اللفظ لا يقع به الطلاق إلا بالنية. قال: ويقع الطلاق منجزا، أو معلقا على شرط. فقوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، فمتى وجد الشرط الذي علق عليه الطلاق وقع. يقول: يقع الطلاق منجزا، مثل: أنت طالق، هذا غير معلق، أنت طالق، أنت مطلقة، طلقتك، هذا يقع الطلاق مباشرة. والمعلق يعلقه بحصول شيء، مثل قوله: إذا جاء الوقت الفلاني فأنت طالق، يقول: إذا جاء وقت صلاة العصر فأنت طالق، إذا غربت الشمس فأنت طالق، إذا جاء فلان من السفر فأنت طالق، ونحو ذلك. فمتى ما حصل هذا الشرط وقع الطلاق، إذا نوى به الطلاق. أما إذا لم ينوِ به الطلاق، وإنما أراد بذلك الحث أو المنع، كان يقول لها: إن لم تفعلي الأمر الفلاني فأنت طالق، إن لم تخرجي مثلا في الساعة الفلانية فأنت طالق، هو لم ينوِ الطلاق، وإنما أراد أن يحثها على الخروج، أن يحثها على الخروج، فهذا فيه خلاف من أهل العلم. من يعده طلاقا، وهو قول الجمهور. ومن أهل العلم من يقول: إذا لم ينوِ الطلاق فلا يعد طلاقا، وإنما يكون بمنزلة اليمين، فيكفر كفارة يمين. وهذا قول شيخ الإسلام رحمه الله، وجماعة من أهل العلم؛ لأن مثل هذا اللفظ يعني ليس بطلاق صريح، وإنما علق الطلاق بهذا الشرط، وهو لم ينوِ ما أراد الطلاق، وإنما أراد أن يحثها، كأنه يقول: والله إن لم تفعله كذا فأنت طالق، أو سأطلقك، كأنه حلف على فعل هذا الشيء، إن لم تفعله أن يطلق، فلهذا قال: إذا لم ينوِ الطلاق، فتكون بمنزلة اليمين، فيكفر كفارة يمين. يا تناتي، الآن ذكر ما الذي يقع طلاقه، وما الذي لا يقع. الطلاق يقع من العاقل البالغ. العاقل البالغ، فالمجنون لا يقع طلاقه؛ لأنه ليس له عقل. الصبي إذا كان دون سن التمييز، فلا يقع طلاقه باتفاق؛ لأنه لا يعقل معنى الطلاق إذا كان دون سن التمييز. وأما إن كان مميزا، ففيه خلاف، والصحيح أنه يقع إذا كان يعلم معنى الطلاق، وطلق، فإن الطلاق يقع. وأما حديث: «رفع القلم عن ثلاثة، والصبي حتى يحتلم»، هذا فيما يتعلق بالإثم، هذا فيما يتعلق بالإثم. لكن فيما يتعلق بالأحكام الوضعية، فإنها يعني تصح من الصبي، كضمان المتلفات، وضمان الجنايات، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضا وقوع الطلاق. بالنسبة للسكران، لو طلق الإنسان وهو سكران، هل يقع طلاقه؟ في هذا تفصيل. إن كان لا يعقل ما يقول، سكر حتى زال عقله، فلا يعقل، ولا يدري ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنه يلحق بالمجنون الذي لا عقل له. وأما إذا كان يعقل ما يقول، فيقع طلاقه. ومثله الغضبان الذي غضب غضبا شديدا حتى يعني أصبح لا يعقل ما يقول، فهذا لا يقع طلاقه. وأما كان الغضب يسيرا، وهو يعقل ما يقول، فيقع الطلاق. تأتي حالة ثالثة بين الحالتين بالنسبة للسكران والغضبان، أن يكون عنده غضب، وهو يشعر بما يقول، لكن لم يتمالك نفسه، لم يتمالك نفسه، فتلفظ بالطلاق. فهذه الحالة هي وسط بين هاتين الحالتين. في مثل هذه الحال، هل يقع منه الطلاق؟ يقال: ما دام أنه يشعر بما يقول، وبما يتلفظ، فحينئذ يقع الطلاق. يقع الطلاق. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.