التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 19

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أخلاق حامل القرآن ومعامله الطلاب

يتناول هذا الفصل أخلاق حامل القرآن وطالب العلم، مؤكدا على أهمية التواضع والسكينة والحلم في التعامل بين المعلم والطالب. يحذر من استغلال العلم في قضاء الحوائج واستخدام الطلاب، ويشجع على الترفع عن المسألة والتذلل لأهل الدنيا والتوجه إلى الله بالدعاء لقضاء الحاجات.

تحريم استغلال العلم في الأمور الدنيوية

يناقش هذا الفصل تحريم استغلال العلم في قضاء الحوائج الدنيوية، ويذكر أقوال العلماء والصحابة في هذا الشأن. يشدد على الامتناع عن سؤال الناس الحوائج لما في ذلك من استغلال لما عندهم من العلم.

التحذير من الغلو والاستغلال المادي لحفظ القرآن

يتناول هذا الفصل أهمية تعلم القرآن وتعليمه مجانا دون مقابل مادي، ويحذر من الغلو في القرآن والجفاء عنه. يحذر أيضا من استغلال حفظ القرآن لتحصيل منافع مادية أو شهرة.

أهمية النية الصالحة في حفظ القرآن وتعلمه

يشدد هذا الفصل على أهمية النية الصالحة في حفظ القرآن وتعلمه، مؤكدا على أن النية للتقرب إلى الله والعمل به تجعل من تعلم القرآن أمرا محمودا. ينفع به المسلم نفسه وغيره، ويجعل مقصده الانتفاع بهذا العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد الحسين الأجر رحمه الله في كتاب أخلاق وحملة القرآن: قال أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا عبسة بن عبد الواحد، عن عمر بن عامر البجلي، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تعلمون، وليتواضع لكم من تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم. فهذا الأثر فيه حث من عمر رضي الله عنه على تعلم العلم والاتفاق في الدين، وعلى تحلي طالب العلم بالسكينة والحلم، أن يكون متحليا بالتواضع وخفض الجناح، سواء كان الطالب والمعلم، الدارس والمدرس، كلاهما يتحلى بهذا الخلق، أن يكون متواضعا ذا سكينة وحلم، متخلقا بالعفو والصفح وعدم الغضب وسرعة الانفعال، ويتواضع لمن يعلم، يتواضع له، لا يتكبر أن يجلس مع فلان من الناس يعلمه ويقرئه القرآن. وهكذا أيضا يتواضع الطالب للجلوس عند شيخه ومعلمه. قال: ولا تكونوا جبابرة العلماء، يعني: تكون ممن يتصف بالغضب والشدة والقسوة، فيكون من جبابرة العلماء الذين لا ينتفعون بعلمهم، والجهل خير لهم من العلم. قال محمد بن الحسين رحمه الله: فمن كانت هذه أخلاقه انتفع به من يقرأ عليه، يعني: من كان على هذا الخلق من التواضع والسكينة وعدم الترفع وعدم استحقار للآخرين. قال: ثم أقول: إنه ينبغي لمن كان يقرئ القرآن لله جلت عظمته أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وأن لا يستخدمه ولا يكلفه حاجة يقوم بها. يعني: ينبغي لحامل القرآن ومن يعلم غيره العلم والقرآن ألا يجعل هذا العلم ذريعة إلى استخدام الناس واستغلالهم وقضاء الحوائج، يأمر هذا ويأمر ذاك، هذا يوصيه أن يذهب إلى السوق يشتري حاجته، وهذا يوصيه بأمر آخر، وهكذا يستغل الطلاب الذين يدرسون عنده ويقرؤون عليه أو يعلمهم العلم في قضاء حوائجه، فينبغي أن يترفع عن مثل ذلك. قالوا: أختار له إذا عرضت له حاجة أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه، إذا أراد أن يوصي أحدا بشراء شيء أو بقضاء حاجة، فيوصي من لا يقرأ عليه، يوصي من لا يقرأ عليه، لا بأس أن يستعين به بقضاء حاجة. قال: وأحب له أن يصون القرآن عن أن تقضى له به الحوائج، فلا يجعل القرآن ذريعة إلى استغلال الطلاب والنيل شيء من مطامع الدنيا وقضاء الحوائج به. قال: فإن عرضت له حاجة سأل مولاه الكريم قضاءها، إذا حصل له شيء ضاقت به الدنيا أو عنده دين وطالبه صاحب الدين بقضائه، وما عنده ما يسدد به الدين، فيستعين بالله، يقبل على الله سبحانه وتعالى بالدعاء وتضرع بين يديه حتى يسر له قضاء هذه الحاجة. قال: فإذا ابتدأه أحد من إخوانه من غير مسألة منه فقضاها له، شكر الله تعالى إذ صانه عن المسألة والتذلل لأهل الدنيا، وإذ سهل الله له قضاءها، يعني: إذا تيسر أن يسر الله من قضى له هذه الحاجة من غير أن يسأل وأن يذل نفسه بالمسألة، شكر الله، يحمد الله عز وجل ويشكره على هذه المنة وهذا العطاء. قال: ثم يشكر لمن أجري ذلك على يديه، يعني: من أجرى الله على يديه قضاء هذه الحاجة، فإنه يشكره من باب قول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يشكر الله من لا يشكر الناس، فيقول: جزاك الله خيرا، ويثني عليه على ما قام به من سد حاجته. قال: فإن هذا واجب عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من صنع إليكم معروفا فكافئوه، يعني: تكافئه بشيء، إن كان عندك شيء تعطيه إياه، فهذا أفضل، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه. وقال عليه الصلاة والسلام: من صنع إليه معروف فقال: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء، فقد أبلغ في الثناء، هذا أقل شيء أن تقول له: جزاك الله خيرا. قال: وقد رويت فيما ذكرت أخبارا تدل على ما قلت، وأنا أذكرها ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة إن شاء الله تعالى. قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني، قال: حدثنا الحسن بن ربيع البوراني، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فلما قمت، قال لي: سل عن سعر الأشنان. الأشنان مادة تستخدم في تنظيف مثل الصابون. قال: فلما مشيت ردني، قال: تعال، فقال لي: لا تسل، فإنك تكتب عني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة. يقول: أنت الآن تحضر عندي وتدرس وتسمع مني الحديث، وأنا أكره أن أسأل أحدا ممن يسمع مني الحديث فأكون من يستخدمه في قضاء حوائجه من أجل تعليمه العلم، هذا من باب التورع والترفع عن مثل ذلك والتنزه. وذكر عن منصور بن المعتمر أنه كان لا يستعين بأحد يختلف إليه، يعني: يأتي إليه ويدرس عنده، ما كان يستعين به بشيء من قضاء حوائج الدنيا، ولا يدي أحدا يمشي معه في الطريق، يقول: هو ذا أجلس إليكم، يعني: باب التواضع وعدم الترفع بهذا العلم واستغلال هذا العلم. وهذا الأثر ذكره الإمام الخطيب في الجامع، قال: وحدثنا أبو الفضل، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح، قال: خلف ابن تميم مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة الزيات، هو أحد القراء المشهورين القراء السبعة. قال: فسألته أن يكلم صاحب الدين أن يضع عن أبي من دينه، يعني: توسط له بما له من منزلة ومكانة وعلو رفعة، طلب منه أن يطالب صاحب الدين أن يضع من دين أبيه، يتنازل عن شيء من الدين. قال: فقال لي حمزة رحمه الله: ويحك، إنه يقرأ علي القرآن، صاحب الدين يقرأ القرآن عند حمزة، فقال له: ويحك، إنه يقرأ علي القرآن، وأنا أكره أن أشرب من بيتي من يقرأ علي القرآن الماء. ذكر في ترجمته كما في السيار أنه كان ربما يمر في الطريق فيصيبه العطش، فيمر على بعض بيوت تلاميذه، فيكره أن يسألهم الماء، أن يسألهم شربة ماء، حتى لا يكون هذا من باب الاستغلال في تعليم العلم وإقراء القرآن. فهو يقول له: أنا أكره أن أسأل أحد التلاميذ أن يسقني ماء، فكيف تطلب مني ما هو أعظم من ذلك أن أطلب منه أن يضع شيئا من الدين، أن يضع شيئا من الدين الذي على أبيك، فهذا شيء لا أستطيع له. قال: وحدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا عبد الصمد بن يزيد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ينبغي لحامل القرآن ألا تكون له حاجة إلى أحد من الناس، إلى الخليفة فمن دونه. وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه، يعني: يترفع حامل القرآن من طلب قضاء حوائجه من الناس لما عندهم من القرآن، لما عندهم من القرآن، وينبغي أن الناس يحتاجون إليه، لا هو يحتاج إلى الناس، بل يجعل الناس يحتاجون إليه لتعليمهم القرآن وتعليمهم العلم وإقرائهم وهكذا قضاء حوائجهم. قال: وحدثنا حامد بن شعيب البلخي، قال: حدثنا سريج بن يونس، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي وأبو النظر عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: مكتوب في التوراة: علم مجانا كما علمت مجانا. يعني: كما أنت تعلمت مجانا ما دفعت مالا لمن يقرئك القرآن ويعلمك كتاب الله، فأنت كذلك علم كتاب الله لغيرك مجانا، لا تأخذ منه مقابلا، لا مالا، ولا كذلك استغلال الطلاب في قضاء الحوائج الدنيوية. قالوا: أخبرنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا شجاع بن مخلد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبراني، قال: قال عبد الرحمن بن شبل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا القرآن، اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به. والحديث أخرجه الإمام أحمد، وصححه علامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يحث النبي عليه الصلاة والسلام على قراءة القرآن، على تلاوته وقراءته وتعلمه وتعليمه، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه. لا تغلوا في القرآن، الغلو مجاوزة الحد، مجاوزة الحد والتنطع، والجفاء التفريط والتضييع. الناس مع القرآن على ثلاثة أقسام: إما أن يكون جافيا، عنده شيء من الغلو وزيادة مجاوزة الحدود فيما أمر الله عز وجل أو نهى عنه. وإما أن يكون مفرطا مغيعا لا يبالي بالواجبات فيتركها، ولا يبالي بالمحرمات فيفعلها. والقسم الثالث: الوسط بين الغالي والجافي، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقصد أي العادل. قال: ولا تأكلوا به، أي: لا تأكل بالقرآن، لا تجعل حفظك للقرآن من أجل أن تنال به شيء من عرض الدنيا من أكل أموال الناس، أو كذلك التوصل إلى المال بحفظك للقرآن. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ﴾ أي: تجعل قصدك من حفظ القرآن هو نيل حطام الدنيا، هذا المذموم. قال: ﴿وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ﴾ لا تستكثر بالقرآن، لا تحفظ حتى يقال: حافظ، وتقرأ ليقال: قارئ، وتتعلم القراءات ليقال: فلان ما شاء الله متفنن في جمع القراءات وقراءتها وإحسان تلاوتها أو غير ذلك، هذا مذموم، هذا مذموم. الاستكثار من الشيء لغير قصد الانتفاع، هذا مذموم، سواء كان في القرآن أو كان في الحديث، وأخذ العلم. المشايخ ربما يكثر من أخذ العلم عن المشايخ ليس لقصد الانتفاع، وإنما ليقال: أن فلان عنده مشايخ كثر، مشايخ كثر، لأجل الافتخار بهذا، هذا أيضا مذموم. فالاستكثار من كل شيء لغير قصد الانتفاع، فإنه مذموم. يقول إمام القيم رحمه الله: قال والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية. يعني: في قول الله جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يقول: فكل تكاثر يلهي عن الله وعن الدار الآخرة، وداخل في عموم هذه الآية. قال: فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرا وتفاخرا، يعني: ما يتعلم لأجل أن ينتفع ويرفع الجهل عن نفسه، ويعمل بهذا العلم وينفع غيره، وإنما لأجل الفخر، اختيل عالم، ويفتخر بهذا. قال: وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، لأن هذه أمور دنيوية، أما يتكاثر بأمر ديني هو قربه وطاعة، هذا أعظم إثما. قال: فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها، أي: للدنيا، قال: وكاثر بأسبابها. ذكر هذا رحمه الله في كتاب عدة الصابرين. فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ﴾ فالواجب على المسلم إذا أكثر من أخذ القرآن، ومن تعلمه، ومن جمع القراءات، هذا أمر طيب، لكن يجعل مقصده من ذلك الانتفاع، أن ينتفع بهذا. فإذا كانت نيته لله جل وعلا، وقصد الأجر والثواب والانتفاع بذلك، ينفع نفسه وينفع غيره، فهذا أمر، يعني: لا بأس به، وأمر محمود طيب. نقف هنا إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.