الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يذكر الإمام الآجري أقسام قراء القرآن الثلاثة حسب الإمام الحسن البصري، ويوجّه نصائح لأهل القرآن بإخلاص نياتهم. يُشدد على أهمية التخلق بالقرآن والخشوع أثناء تلاوته.
يُنصح أهل القرآن بإخلاص نياتهم ويحذرون من جعل القرآن وسيلة لتحصيل الدنيا أو طلب الشهرة، مع التأكيد على أهمية التواضع وعدم التكبر بفضل العلم أو حفظ القرآن.
يُشدد على أهمية الإخلاص في قراءة القرآن والتواضع لله، ويُحذّر من التكبر بفضل العلم أو حفظ القرآن، مع الإشارة إلى أن الإخلاص هو سبيل الحصول على الأجر والثواب العظيم.
تم اختتام الفصل الحالي وسيتم البدء في الفصل التالي بعد العيد بإذن الله، حيث سيتناول أخلاق من يقرأ على المقرأة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتاب أخلاق حملة القرآن: حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، قال: حدثنا إبراهيم بن مهدي، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن خيرون، قال: حدثنا العباس بن بكار الضبي، قال: حدثنا عيسى بن عمر النحوي، قال: أقبلت حتى أقمت عند الحسن -أي البصري الإمام الحسن بن أبي الحسن البصري- قال: بس سمعته يقول: قراء هذا القرآن ثلاثة رجال؛ فرجل قرأه فاتخذه بضاعة، ونقله من بلد إلى بلد -يعني جعله كالبضاعة يتأكل به- حاله كحال التاجر الذي يتنقل ببضاعته من بلد إلى بلد يتأكل بها، والمعنى أنه ما أراد بهذا القرآن إلا الدنيا. قال: ورجل قرأه فأقام على حروفه وضيع حدوده، يقول: إني والله ما أسقط من القرآن حرفا. فهذا الصنف الثاني من يحسن تلاوة القرآن، فهو لا يخطئ في تلاوته أو في قراءته، يجيد قراءة القرآن ونطق حروفه وألفاظه، لكنه في المقابل ضيع حدوده -يعني ضيع أوامره ونواهيه-، فتجد يخالف أوامر القرآن ويقع في نواهي القرآن، وهذا خلاف المقصود من تعلم القرآن؛ هو إقامة حدوده والتخلق بأخلاقه. قال: كثر الله بهم القبور، وأخلى منهم الدور، فوالله لهم أشد كبرا من صاحب السرير على سريره، ومن صاحب المنبر على منبره. ويريد بصاحب السرير الملك والرئيس والأمير الذي يفتخر على غيره بالملك، يفتخر على غيره بالملك. فهؤلاء أشد كبرا من صاحب السرير؛ لأنهم ممن يحسن بهم الظن لحملهم للقرآن، فيكون مقصدهم يعني الدنيا، أو كذلك لا يقيمون ما يجب إقامته من حدود الله جل وعلا، فلا شك أن ضررهم أعظم على المجتمع من أمثال أولئك من أهل الغنى والترف. قال: ورجل قرأه فأسهر ليله وأضمأ نهاره، ومنع به شهوته، فجثوا في برانسهم، وركدوا في محاريبهم، بهم ينفي الله عز وجل عن العدو، وبهم يسقين الله تعالى الغيث. ويريد بهم الذين عملوا بالقرآن، فقاموا به الليل وصاموا به النهار، وامتنعوا من شهوات أنفسهم طاعة لله جل وعلا، وأقبلوا في محاريبهم على طاعة الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء يرجى منهم الخير، بهم يتقى أو ينفي الله جل وعلا العدو، وبهم كذلك يسق الله سبحانه وتعالى الناس الغيث -أي بدعائهم- بدعائهم واستغاثتهم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»، وفي رواية: «بدعوتهم وإخلاصهم». قال: وهذا الضرب من أهل القرآن أعز من الكبريت الأحمر -يعني قليل من يكون على هذا الوصف-، والكبريت الأحمر يعني جوهر ثمين ونادر، تضرب به العرب المثل في الشيء الذي يندر حصوله. وهذا الأثر -يعني فيه إسناده- شيء من الضعف، فيه العباس بن بكار الضبي وهو متهم بالكذب، وهكذا إبراهيم بن مهدي كذلك، لكن للأثر أسانيد وطرق أخرى. قال: وقال محمد بن الحسين -من محمد بن الحسين الملقب الآجري رحمه الله-: الأخبار في هذا المعنى كثيرة، ومراد من هذا نصيحة لأهل القرآن؛ لألا يبطل سعيهم، إنهم طلبوا به شرف الدنيا حرموا شرف الآخرة، إذ بذلوه لأهل الدنيا طمعا في دنياهم، أعاذ الله حملة القرآن من ذلك. يقول: الأخبار في هذا المعنى كثيرة -يعني في ذنب من حمل القرآن لأجل الدنيا ولم يخلص فيه لله سبحانه وتعالى-، وأراد بذلك رحمه الله النصيحة لأهل القرآن؛ كل من اعتنى بالقرآن أوفقه الله لقراءة القرآن أو لحفظه وحمله، أن يخلص في هذه العبادة وهذه الطاعة، وأن يحذر من أن يكون أخذه للقرآن من أجل حطام الدنيا ومتاعها الزائل؛ حتى لا يبطل سعيه، لأنه لو قصد به الدنيا لذهب عمله ذهابا منثورا، لم ينتفع به، لم ينتفع به، بل ربما عذب -عياذا بالله- بسبب ذلك. كما تعلمون في حديث أبي هريرة في مسلم: «أول ما تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر منهم رجل قرأ القرآن، أصبح قارئا، فجيء به فقرره الله بنعمه، فيقول: يا رب قرأت فيك القرآن وعلمته الناس، فيقول الله عز وجل له: كذبت، وإنما قرأت القرآن ليقال قارئ، انظروا وتعلمت العلم ليقال عالم، وقد قيل، حصل لك الذي تريد من المدح والثناء والسمع والرياء، فيؤمر فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار. انظروا كيف ضاع سعيه وذهب أجر عمله بسبب سوء نيته، وكذلك عدم الإخلاص في عبادته. قال: إنهم طلبوا به شرف الدنيا حرموا شرف الآخرة -يعني من أراد بالقرآن شرف الدنيا الرفعة والمدح والثناء- قد يحصل له ذلك، لكن في المقابل سيضيع عليه شرف الآخرة؛ الرفع في الآخرة والأجر والثواب العظيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى لحامل القرآن، سيذهب عليه هذا الأجر والثواب. قال: إذ بذلوه لأهل الدنيا طمعا في دنياهم، أعاذ الله حملة القرآن من ذلك. قال: فينبغي لمن جلس يقرأ المسلمين أن يتأدب بأدب القرآن، يقتضي ثوابه من الله تعالى -يعني يريد بذلك ما عند الله، ليس في قلبه ولا في نيته أن يتأكل بالقرآن وأن يأخذ أموال الناس بذلك-، قال: يستغني بالقرآن عن كل أحد من الخلق، متواضع في نفسه؛ ليكون رفيعا عند الله جلت عظمته. وكلما تواضع العبد لله رفعه الله سبحانه وتعالى. قال: حدثنا علي بن إسحاق بن زياد، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: سمعت أيوب -أيوب بن أبي تميمة السختياني- يقول: ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعا لله جلت عظمته. وهذا الأثر صحيح: ينبغي للعالم أن يضع الرماد على رأسه تواضعا لله. وليس مراده بذلك رحمه الله حقيقة ذلك -يعني أن يأخذ الرماد ويضعه على رأسه-، وإنما مراده أن يتواضع، مراده أن يتواضع لله، وإلا ليس بهذا الفعل -يعني قرب وطاعة يتقرب بها إلى الله أن يأخذ التراب أو يأخذ الرماد ويضعه على رأسه-، لكن المراد من ذلك أنه ينبغي أن يتواضع، وأن لا يترفع بما أتاه الله سبحانه وتعالى من علم، ومما فضله الله سبحانه وتعالى على غيره من الخلق؛ بحمل العلم أو حفظ القرآن وحسن تلاوة وقراءة، إلى آخر ذلك من فضل الله سبحانه وتعالى على عبده من علوم الشريعة التي اختصه الله سبحانه وتعالى بها، فينبغي أن يزيد تواضعه، وأن يعظم كذلك خفض جناحه للناس، وأن لا يكون مترفعا متكبرا على الخلق. انتهى هذا الفصل، وبعده -إن شاء الله- باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرأة، نقراه إن شاء الله بعد العيد بإذن الله. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.