الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 475

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 475

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 475، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث سهل بن الحنظلية وبيان طرقه ورواته

يشرح المقطع حديث سهل بن الحنظلية ويبين طرقه ورواته، ويعلق على الروايات ويحدد الصحيح منها. يركز الشرح على معنى الحديث الذي ينهى عن السؤال عند وجود ما يغني الشخص.

حدود المسألة وضوابطها الشرعية وفق الأحاديث النبوية

يتناول الشرح حدود المسألة وضوابطها الشرعية، مبينًا أن من يسأل وعنده ما يغنيه يستكثر من نار جهنم. يشرح معنى الإلحاف في المسألة وما يعتبر غنىً وفقًا للأحاديث.

حكم السؤال والاستعانة بالناس وفق الشروط الشرعية

يشرح الشروط التي تجيز السؤال للناس، مشيرًا إلى أنه لا يجوز إلا في حالات محددة مثل الفاقة أو تحمل ديانة. يُنصح بالتعفف وسؤال الله بدلاً من سؤال الناس.

تحذير الأحاديث النبوية من كثرة المسألة للناس

تحذر الأحاديث من كثرة السؤال للناس، مشيرة إلى أنه يؤدي إلى ذهاب وجه صاحبها يوم القيامة ويسبب سقوط لحمه بسبب الخزي والعار.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله في ذكر طرق حديث سهل بن الحنظلية قال: وقال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن محمد النفيل، وهو أبو محمد النفيل الحافظ، حافظ حران، أنا من الشام، وكان النفيل حافظا كبيرا يشبه بأحمد بن حنبل، بل يقول أبو داود رحمه الله: ما رأيت أحفظ من النفيل. وكان شاذكوني لا يقر بحفظ أحد كإقراره بحفظ النفيل. شاذكوني حافظ كبير، لكنه كان مغرورا، فلهذا لم ينفعه الحفظ. قال: أخبرنا مسكين، مسكين هو ابن بكير، وهو شامي أيضا، قال: أخبرنا محمد بن المهاجر الشامي الحمصي، قال: عن ربيعة بن يزيد، وهو الأيلي، وهو دمشقي ثقة، بل هو حافظ. عانى بكبشة السلولي، وقيل: أن اسمه البراء، أو لم يعرف اسمه. وأما ما ذكره بعض الحفاظ كالحاكم وغيره أن اسمه البراء فهو خطأ، فذاك كوفي، وأما هذا فهو شامي. قال: أخبرنا سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس، فسألاه، فأمر لهما بما سألاه، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا. فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق. هذه الرواية عكس الرواية التي تقدم، والظاهر أن الرواية الأولى أثبت، فعبد الرحمن بن يزيد بن جابر من خيرة أهل الشام وحفاظه، فالذي أخذ الكتاب ولفه في عمامته هو عيينة بن حصن. قال: وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي عليه الصلاة والسلام مكانه، فقال: يا محمد، أتراني حاملا إلى قوم كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس. وهذا كلام الأقرع، ليس كلام عيينة، فعيينة أخذ كتابه ولفه على الرواية التي تقدم. قال: فأخبر معاوية بقوله، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار». وقال النفيل في موضع آخر: «من جمر جهنم». قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: النفيل في موضع آخر: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه، ما يغديه أن يأكل بالغداء، وهو الصباح، ويعشي أي ما يؤكل في وقت العشية، يعني وقت الظهر أو العصر. قالوا: قال النفيل في موضع آخر: أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم. قال: وكان حدثنا به مختصرا على هذه الألفاظ التي ذكرت، قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيل، قال: أخبرنا مسكين يعني بن بكير، قال: أخبرنا محمد بن المهاجر عن ربيعة بن يزيد عن بكبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية. فعلى نفس الإسناد قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه من شدة الجوع، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة». قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح، وفي مسكين بن بكير كلام لا ينزل حديثه عن الحسن. فأخذنا هذا الحديث وتكلمنا على بعض مسائله، بقيت مسائل. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار جهنم». قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه. وربنا جل وعلا قد أثنى على من كان مستور الحال، فقال جل وعلا: ﴿يُحْسِبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه». وقرأوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. واختلفوا في تفسير قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فمن السلف من قال: لا يسألون الناس إلحافا، أي لا يكررون المسألة، فإن سألوا مرة واحدة لا يكررون، أو يسألون مرة واحدة فقط وهم محتاجون. وقيل: لا يسألون الناس إلحافا، أي يتعففون عن المسألة إذا كان عندهم ما يأكلون، إذا كان عندهم ما يأكلون تعففوا عن المسألة. وهذا أقرب إلى الحديث، فقد جاء عند الإمام مسلم من حديث معاوية رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من عنده ما يغديه أو يعشيه فسأل فقد ألحف». فقد ألحف في المسألة لأن عنده ما يغديه أو يعشيه. وأخرج مالك في الموطأ من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال: نزلت قرب المدينة أنا وأهلي، فقالت زوجتي: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واسأله شيئا لعله يعطينا شيئا نأكله. قال: فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فرأيت عنده رجلا وهو يقول له عليه الصلاة والسلام: لا أعطيك، فإنه معك فلا أعطيك. وغضب النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الرجل، فقال: يريد الرجل أن يسألني كأبطا أو كما قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل وعنده ثمن أوقية فإنه يسأل إلحافا». من سأل وعنده أوقية فإنه يسأل إلحافا. فقال الرجل: ناقتي أكثر من أوقية، الأوقية أربعون درهما. قال: ناقتي -هذا الرجل من بني أسد- ناقتي أكثر من أوقية، أي عندي ناقة، فلماذا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أكثر من أوقية؟ قال: فلم أسأله حتى جاء رزق أو شيئا من الغنيمة وغيرها، فأعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أغنانا الله عن المسألة. وقال أيضا في لفظ بعض الحديث قال: «من سأل وعنده عد لأوقية فإنما يسأل إلحافا». وفي هذا الحديث قال: «من سأل وعنده ما يغني فإنما يستكثر من نار جهنم». وخلاصة ما يذكر في هذا الباب كما جاء عن الإمام أحمد وغيره: أن من ليس عنده شيء أو معدم فهذا لا شك أنه يجوز له السؤال، بل أحيانا يجب عليه أن يسأل الناس. ولهذا سئل الإمام أحمد رحمه الله: الرجل ليس عنده شيء، أيستدين أو يسأل الناس أم يصبر؟ قال: بل يسأل، ما دام أنه ليس عنده شيء. وهذا حديث قبيصة: «يا قبيصة، لا تحل المسألة إلا لثلاث: رجل تحمل حمالة -أي أصلح بين قبيلتين فتحمل عليها دينا- فهو يعطى، ورجل أصابته جائحة في ماله فيسأل حتى يعطى قواما -أي يسأل الناس حتى يعطونه ما يقوم به أمره- ورجل أصابته فاقة فشهد له ثلاثة من قومه من ذوي الحجة أن فلانا أصابته فاقة، فإنه يعطى». هؤلاء الذين لهم الحق أن يسألوا. وأما من كان عنده ما يكفيه فإنه له أن يسأل، والأفضل أن يتعفف، حتى الأول، فإن تعفف وأنزل مسألته بالله فإنه أفضل له. كما جاء في حديث أبي ذر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له -وهو حديث صحيح مسلم- قال له: يا أبا ذر، لو أصاب الناس جوع لا يستطيع الرجل أن يخرج من بيته إلى المسجد، فماذا تفعل؟ فماذا تفعل؟ قال: خير لي يا رسول الله، ماذا أفعل؟ قال: «تعفف يا أبا ذر». وجاء في حديث أبي سعيد: «ومن يستعفف يعففه الله». وجاء عند أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصابته فاقة فأنزلها بالله أعطاه الله، ومن أصابته فاقة فأنزلها بالناس وكله الله عز وجل إلى الناس». أي إذا أصابته فاقة فأنزلها على الله، أن يدعو الله ويلجأ إلى ربه جل وعلا، فإن الله عز وجل يعينه. وأما أنزلها على الخلق وعلى الناس، وكله الله عز وجل إلى الناس، أعطوه أو منعوه. والمراد أنه يوكل إلى نفسه، بخلاف من ينزل أمره إلى الله سبحانه وتعالى. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «وإذا سألت فاسأل الله». فخلاصة ما يذكر في هذا الباب: أن الإنسان الأفضل له أن يسأل الله عز وجل في كل شيء. وإن لم يتيسر له شيء وعنده من يكفله من أولاده أو زوجته وكذا، فلا بأس أنه يسأل لهم إذا لم يجد. فإن كان يجد لكنه لا يكفيه، فالأفضل أيضا له أن لا يسأل، وإن سأل لا بأس بذلك. وإن كان يسأل لأجل الاستكثار، فهذا لا يجوز، وهو حرام. وهي مسألة خدوش في وجهه، كما جاء أيضا في حديث أبي هريرة، وفي حديث عبد الله بن عمر: «لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزحة لحم، أن قد سقط منه اللحم كله بسبب مسألته للناس». فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.