الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 648، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بشرح حديث «ليس المعاين كالمخبر» مبيناً أن المعاينة تفوق الخبر مرتبة، وأن اليقين أعلى من مجرد التصديق. يربط بين كمال اليقين والإخلاص، موضحاً أن الأنبياء والصديقين بلغوا درجة يرون فيها الغيب كأنهم يعاينونه، وأن الدعاء بالعفو والعافية يأتي ثمرة لهذا اليقين الراسخ.
يفصل المقطع مراتب اليقين: علم اليقين وهو المعرفة النظرية، وحق اليقين وهو التصديق الجازم، وعين اليقين وهو المشاهدة العينية. يضرب المثل بموسى عليه السلام الذي لم يلق الألواح إلا عند المعاينة، مؤكداً أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تقرير الفرق الجوهري بين سماع الخبر ورؤيته، مع وجوب التثبت في قبول الأخبار.
يؤكد الشيخ ضرورة التثبت من صحة الأخبار قبل قبولها خاصة فيما يطعن في الأعراض، ولا تقبل الرواية إلا من ثقة فاهم. يسوق أمثلة تاريخية كقصة داود الأصبهاني مع الإمام أحمد، والبخاري مع الذهلي، مبيناً كيف أدى النقل عن غير أهل الإتقان إلى اتهامات باطلة للعلماء، وأن المعاينة المباشرة تؤثر في النفس تأثيراً لا يقارن بمجرد السماع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام البزار رحمه الله تعالى كما في كشف الأستار: حدثنا أحمد بن سنان، وهو القطان، إمامنا، أئمة المسلمين وحفاظهم من أهل البصرة. قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح، من عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية، الذي تقدم معنا بالأمس، عن سعيد بن جبير. وسعيد كان من ملازمين لابن عباس، وهو أعلم من روى عن ابن عباس ناحية العلم. سعيد أعلم من أصحاب ابن عباس وأوسعهم علما وتفسيرا، وأكرمة ناحية الأوسع عن ابن عباس خاصة، وأكرمة وأعلمهم سعيد. وأيضا مجاهد وطاوس وعطاء، كلهم علماء، وعطاء من ناحية الفقه هو أفقه هؤلاء، ومن ناحية التفسير فمجاهد هو أيضا أعلمهم بالتفسير. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المعاين كالمخبر». المخبر: أخبر الله تبارك وتعالى موسى أن قومه فتنوا، فلم يلق الألواح، فلما رآهم ألقاها. قال: هذا حديث صحيح، أخرجه ابن حبان من طريق أبي داود، أي الطيالسي، والحاكم من طريق عفان، والطبراني في الكبير من طريق محمد بن عيسى الواسطي، وابن عدي من طريق يحيى بن حميد وهو النرسي، كلهم عن أبي عوانة به. وجاء باللفظ: «ليس الخبر كالمعاين». فقال في الحديث: «ليس المعاين كالمخبر»، أي: الذي يعاين الشيء أمامه ليس كمن يخبر به، ولو كان الذي أخبره ثقة، فمعاينة الشيء غير الخبر. ولهذا غالبا الحكم يكون على المعاينة، والخبر قد يكون صحيحا وقد يكون غير صحيح، وغالبا الخبر بحسب المخبر. ولهذا قال الشاعر: فما رأى كمن سمع. الإنسان عندما يسمع أشياء عن أناس أو كذا ليس كمن يرى. ولهذا الله عز وجل، مع أنه أصدق القائلين وأصدق حديثا جل وعلا، ولا شك في كلامه سبحانه وتعالى، وكلامه كله صدق، إلا أن غالب الناس تجد أنه مع هذا الخبر أن الله عز وجل أخبرنا بالجنة وأخبرنا بالنار، لكن تجد يقين الناس حتى أهل الإيمان يختلف من شخص إلى آخر. فهناك من كمل يقينه، وهؤلاء غالبا الأنبياء كملوا يقينهم، فكان يقينهم كأنهم يرون هذا الشيء الذي يخبر الله عز وجل به. وقيل أيضا أن الصديقين أيضا في هذه المنزلة، كما قال الإمام ابن القيم: أن الصديق ما سمي صديقا إلا لأنه كمل إخلاصه ومتابعته، والإخلاص من ضمنه اليقين، أن الإخلاص يشتمل على اليقين، لأنه ما في إخلاص إلا بيقين، فإذا لم يكن هناك يقين فغالبا لا إخلاص، أن ما يتحقق الإخلاص إلا بيقين. ولهذا تجد أن من العلماء من يفسر حديث الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، منهم من يفسر «كأنك تراه» باليقين، ومنهم من يفسر بالإخلاص، لأن الإخلاص ما يأتي إلا باليقين. ولهذا جاء في حديث أبي بكر لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سل الله العفو والعافية، فإنه ما أعطي عبد خير ما أعطي أحد خير من العافية بعد اليقين». وجاء في رواية: بعد الإخلاص، في رواية: بعد اليقين، وفي رواية: بعد الإخلاص، لأن الإخلاص يستلزم اليقين، فإن الإنسان لا يخلص إلا إذا أيقن. فلهذا الصديق هو من كمل الاتباع وكمل الإخلاص، ولا يكمل الإنسان الإخلاص إلا إذا كمل اليقين. فلهذا تجد مع هذا الأمر كما قلنا أن الأنبياء يجعلون خبر الله عز وجل كالمعاين، لكن تجد أيضا الاختلاف. فهذا موسى كما ذكر ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم، موسى من خيرة أنبياء الله عز وجل، ومن فضلهم الله عز وجل برسالاته وكلامه. إلا أنه لما أخبره الله عز وجل لم يلق الألواح، لكن وقع في نفسه، وأيضا لم يشك في خبر الله، لكن لما رآهم يعبدون العجل، لما رآهم يعبدون العجل أمامه، ألقى الألواح. وفي نسخة: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾. فهذه الألواح كان قيل أن فيها التوراة، وقيل فيها كلام الله، فألقاها موسى، ثم كلمهم وغضب عليهم. قال: فلما رآهم ألقاها. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يثبت أن الخبر ليس كالمعاينة. لهذا الله عز وجل سمى معنى رؤية أهل النار للنار عين اليقين. معنى ذكر ربنا جل وعلا حق اليقين، وإنه لحق اليقين. هناك حق اليقين، وهو أن الإنسان يوقن في الدنيا أن هناك جنة ونار، وإنه لحق اليقين. لكن سماه الله عز وجل أن ما يرى الناس ذلك بأعيانهم سماه عين اليقين، كما قال الله عز وجل في سورة التكاثر: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾. قيل أن الأول للكفار والثاني للمؤمنين، وقيل إنه للتأكيد لتأكيد الأمر: كلا، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين. علم اليقين: أن هناك جنة ونار. قال: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾. أنا لا شك بعد ذلك ترونها أمامكم. هذا سماه الله عز وجل عين اليقين. وحق اليقين: أي حقيقة هذا الشيء ومآله وما يؤول إليه. فحقيقة اليقين وعلم اليقين وعين اليقين، فأولها العلم، ثم الحقيقة. الإنسان عندما يعلم الشيء قد يصدقه وقد لا يصدقه، فإن صدقه واطمأن له فهذا حق اليقين، وإن لم يصدقه فهذا كمعاناة تكذيب. لكن بعد ذلك إن رأى ذلك بعينه فهذا عين اليقين، وهذا للمؤمن وللكافر. لكن ذكرها الله عز وجل لأهل النار من باب التهديد أنهم سيرون هذه النار أمامهم، فبعد ذلك لا يكذبون ولا أيضا يشكون في أمر الله جل وعلا وخبره. فلهذا كما ذكرنا في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن هناك فرق بين أن يسمع لسان الخبر وبين أن يعاين. فلهذا غالبا لسان يسمع أخبار لا يأخذ بها إلا إذا كان من يخبره ثقة، إلا إذا كان من يخبره ثقة. وإلا كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. الإنسان إذا جاءه خبر ينظر من هذا المخبر، فإذا كان هذا المخبر قد علم عنه الكذب، علم عنه الفسق، فلا يأخذ كلامه حتى يتأكد، حتى يتأكد. ومعنى ذلك أن المؤمن أو الثقة والصادق يأخذ كلامه، لكن إذا كان في كلامه شك، أو في كلامه عدم المعاينة وعدم السماع، أي أنه أخبر به ولم يسمعه بأذنه، أو أنه عرف أنه قليل الفهم، أحيانا بعض الناس فهمهم قاصر، فتجد أنه يخبر من شيء عن إنسان وهو ضريب منه، وهو لم يتكلم به، وإنما يخبر على حسب فهمه. وهذا كثير من الأشياء والفتن التي حصلت بسبب هؤلاء، فتجد يأخذ كلام لا يفهمه ويقول: فلان يقول بكذا، أو أنه يتوهم الكلام، أو أنه سمع لكن سمعه لم يكن صحيحا، وغيرها من هذه الأشياء. فلهذا فالتثبت لا بد منه، التثبت لا بد منه، إلا كما قلنا إذا عرف أن هذا الذي أخبره إنسان ثقة، وأيضا فاهم ويعرف هذه الأمور، فيأخذ بكلامه على هذا، إلا إذا كان في هذا الشيء طعن في آخر، فلا ينبغي له أن يطعن بسبب الخبر إلا إذا تأكد أن هذا الخبر صحيح، أو يعرف أن هذا الذي جاء به أو جاء بالخبر يفهم هذه الأمور ويعرف هذه الأمور، فهذا يأخذ بكلامه، ولو كان طعنا في غيره. إذا كان مثلا ذكر مسألة عن غيره، مثل ما دخل لما دخل داود الأصبهاني صاحب المذهب الظاهري عند الإمام أحمد، فقال لعبد الله أو لصالح: استأذن من أبي عبد الله. وعبد الله بن أحمد يعرف أن أباه في نفسه شيء عليه، فقال: هناك رجل يستأذن. فقال: من هو؟ قال: يقال له داود. قال: داود ابن من؟ فقال: داود، يقال أنه من أصبهان، على ما يريد أن يصرح له. فقال: من داود الأصبهاني؟ قال: نعم. قال: لا تدخله، فإنه قد أخبرني محمد بن يحيى الذهلي أنه يقول باللفظ، يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال داود: قل لعبد الله يقول لأبيه: هذا مفترى عني. فقال محمد بن يحيى الذهلي: أوثق منك. معنى أنه ما جاء بهذا الخبر إلا لأنه صحيح. فالمهم أنه إذا تأكد الإنسان أن هذا الذي أخبره إنسان ثقة، وأيضا يفهم مثل هذه المسائل، وكذا أحيانا الإنسان ما يفهم مثل هذه المسائل يأتي بأشياء غريبة، مثل ما حصل بين محمد بن يحيى الذهلي والبخاري، فالذي وشى بالبخاري إلى الذهلي، وناس ما يفهمون المسائل وما يفهمون الكلام. البخاري سئل عن اللفظ: هل هو مخلوق أو ليس بمخلوق؟ البخاري رحمه الله كان يتقي بكلام السلف، يرى أنه ما يريد أن يتكلم في هذه المسألة لأن السلف لم يتكلموا فيها، فكان يقول: أفعال العباد مخلوق. وهذا كلام صحيح، وهو كلام أهل السنة، كان يقول: أفعال العباد مخلوق، أي ما كان فعله العبد فهو مخلوق. وأما الكلام: كلام الله، كلام الله، كما يقول بعض أهل السنة: القول قول الباري، والصوت صوت القارئ، الصوت صوت القارئ، لكن القول هو قول الله عز وجل. فقال البخاري: أفعال العباد مخلوق. فقام بعضهم وقالوا: أنه يقول أن لفظي بالقرآن مخلوق. وهذا كذب. ولهذا كان يقول رحمه الله: «من قال عني من أهل نيسابور أني قلت أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كاذب». هكذا قال رحمه الله، وهو من أورع الناس وأزهدهم وأصدقهم. فكان يقول رحمه الله: «من قال عني أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق من أهل نيسابور فهو كاذب»، لأنه لم يقل هذا، وإنما قال: أفعال العباد مخلوق. لكن لما كان هؤلاء ما يفهمون الكلام، نقلوا إلى محمد بن يحيى أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فخلاصة ما يقال: أن الخبر ليس كالمعاينة، والإنسان أحيانا يخبر بالشيء، ولو أخبره الثقة، لكن المعاينة غير الإخبار، يتأثر بها الشخص أكثر من الإخبار. المعاينة يتأثر بها الشخص أكثر من الإخبار. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.