الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 44، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأ النبي دعوته سرًا واستمرت ثلاث سنوات، حيث دعا كل صحابي من يثق به سرًا، مما أدى إلى دخول أفراد من قبائل مختلفة في الإسلام. هذه الفترة كانت حاسمة في بناء أسس الإيمان لدى الأوائل.
ركز النبي في دعوته السرية على التربية العقدية والتعامل الحكيم مع الكفار، حيث بدأ بالتوحيد والصلاة والأخلاق وتجنب المصادمة. يُستفاد من ذلك أهمية الحكمة في التعامل أثناء الدعوة.
انتقل النبي من الدعوة السرية إلى الجهرية بعد فترة، ويُناقش المقطع الحكمة من هذا الانتقال ويحذر من جعل السرية أسلوبًا دائمًا. يُشدد على أهمية الجهر بالدعوة كما فعل النبي.
يُختتم بالدعاء بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه. هذا يعكس أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام المواعظ.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأولاً هذا تذكير بمحاضرة الليلة المقامة في مسجد بحارثة في منطق الدفيقة بين مغرب وعشاء. ومواصل إخواني في الله حول الأرجوزة المئية وما ذكره الناظم -رحمه الله تعالى- من أبياته. فلا زلنا مع قوله -رحمه الله تعالى- «ثم دعا في أربع الأعوام بالأمر جهرةً إلى الإسلام». وقلنا لو أن التصويب والتعديل لهذا البيت بقوله «ثم دعا في رابع الأعوام بالأمر جهرةً إلى الإسلام». وذكرنا الفائدة من هذا البيت أن الناظم -رحمه الله تعالى- أشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر بالدعوة السرية ثلاث سنوات. وأشرنا في مبحث أمس إلى أهم المسائل المستفادة من حقيقة هذه الدعوة: كيف بدأت، ومتى بدأت، ومن الذي تأثر بها عندما دعا نبينا صلى الله عليه وسلم خلال هذه السنوات الثلاث. ومما كذلك أذكره، ونحن في خضم هذه المرحلة من مراحل دعوته، وهي المرحلة السرية والتي دامت ثلاث سنوات من حياته عليه الصلاة والسلام، حيث دعا الناس سرًا دون علانية. هذه الدعوة وهذه المرحلة تميزت -إخواني في الله- بعدة أمور أحب أن أشير إليها. فإن مما تميزت به الدعوة السرية في حياته عليه الصلاة والسلام أنها اتسمت بالدعوة الفردية، أي أن كل فرد من أفراد الصحابة رضي الله تعالى عنهم قام بما يستطيع على القيام به من دعوة من يثق به: هذا مع أهله، هذا مع ولده، ذاك مع زوجه، بعضهم مع مواليه. الكل يسر لمن يحب بأمر هذا الدين، فكانت الدعوة تسير سيرًا من خلال هذه الاجتهادات الشخصية الفردية. ومن هنا كان ذلك ناسبًا أن يدخل في دين الله أفراد وإن تنوعت عشائرهم وإن تنوعت قبائلهم. فمثلاً كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من بني تيم، وكان عثمان من بني أمية، والزبير بن عوام -هؤلاء ممن دخلوا في الإسلام- والزبير بن عوام كان من بني أسد، ومصعب بن عمير كان من بني عبد الدار، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من بني هاشم، وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وسعيد بن زيد من بني عدي، وعثمان بن مضعون من بني جمح. وهكذا تجد أن أفرادًا من قبائل شتى تأثروا من خلال هذه الدعوة الفردية. وإن هذا -إخواني في الله- مما يدلك على الهمة التي قام بها هؤلاء الصحابة من الرعيل الأول في أنهم بذلوا ما يستطيعون على بذله من دعوة الناس إلى دين الله. وفي ذلك فائدة عظيمة إذا علمت أن هؤلاء إنما دعوا إلى الله جل وعلا خلال هذه الحقبة الزمنية من الدعوة السرية، مع أن وسائل الإعلان غير متاحة. إذ لا يمكن لأحد منهم أن يقوم في مجمع من مجامع الناس فيشهر بهذا الدين، بل هذا مُنع. وإنما كانوا يتسترون فيما بينهم، ومع ذلك أثمرت هذه الدعوة. وبهذا تعلم -يا عبد الله- أن ما يدعيه بعض الناس إذا طلب منهم الدعوة إلى الله وإلى تبليغ دين الله، وكان من حجة بعض الناس أنه يقول: «إن لي المنبر، إن لي الخطابة، إن لي هذه الجموع والحشود». يا عبد الله، وهل الدعوة لا تنحصر إلا في هذه المجامع؟ هذه الدعوة السرية أمامك دعوة فردية خالصة، ما كان هناك مجامع الناس، ما كان هناك حشود ولا وفود ولا هناك جماهير من الناس. وإنما هذا يذهب إلى بيت فلان، وذاك يذهب إلى مولى من مواليه، وذاك يذهب إلى قريب من أقربائه، وكل يؤثر بالآخر بأخلاقه، وبما أعطاه الله جل وعلا من فهم لهذا الدين، فأثروا وأثمروا. ولهذا نعلم -إخواني في الله- مما يستفاد من الدعوة السرية بركة الدعوة الفردية، وأنها تثمر إذا وجدت منك -يا عبد الله- إخلاصًا وتفانيًا في دين الله. فلا حجة بعد ذلك لمن يحتج بأنه ما ينفعه للدعوة لأن وسائل الإعلام لم تتح له، هذا ليس بعذر -يا عبد الله-. ولنا عبرة في هذه المرحلة كذلك مما يستفاد، ومما تميزت به هذه الدعوة والمرحلة السرية من حياته عليه الصلاة والسلام، ما كان من الاهتمام بالتربية العقدية والتربية الدينية الشرعية. وقد أشرنا في دروس خلت إلى أن الدعوة السرية كانت تدور على ثلاثة مسائل: التوحيد متعلقة بأمر الاعتقاد، والصلاة متعلقة بأمر الشريعة، والأخلاق متعلقة بأمور المعاملات. هذه الأصول هي التي بدأها نبينا عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله منذ أول ظهور الدعوة في العهد السري. فكانت هذه الأمور التي دعا إليها نبينا، وستظل كلبداية أولى إذا انغرست في الأذهان وفي الصدور وفي القلوب، أثمرت هذا الإيمان الراسخ الذي رأيناه بعد ذلك في حق الصحابة الأول والرعيل الأسبق ممن آمن برسول الله عليه الصلاة والسلام. وبهذا -إخواني في الله- نعلم أن الإنسان إذا أراد أن يربي جيلاً من الأجيال، سواء كان معلمًا أو كان مدرسًا أو كان تربويًا، فليعتني بمثل هذه الأصول. فمن الخطأ ما نجده مثلاً في بعض المربين في حق الناشئة إذا أراد أن ينشأ على النشأة الشرعية، لو ربما يبدأ معهم بالطرائف، يبدأ معهم باللعب بالدوريات، يلعب، ما يبدأ معهم بالتمثيليات، يبدأ معهم بالأناشيد، يبدأ معهم بالرحلات. هذا ما يثمر -يا عبد الله-. النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ في دعوته بدأ بهذه الأصول المهمة التي يبنى عليها دين الإسلام: العقيدة والشريعة والأخلاق والمعاملة. ليس هذا فقط في البدء، حتى في المنتهى، حتى إن نبينا لما خرج من هذه الدنيا كان يدور على هذه المسائل الثلاث في آخر حياته، كان يوصي أمته قائلاً: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». التوحيد هو في الرمق الأخير. ومن وصاياه ما جاء في الصحيح أنه كان يقول: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم». الصلاة الشريعة، وما ملكت أيمانكم الأخلاق. هذه الأصول الثلاثة بدأ منها بدأ، وبها اختتم صلى الله عليه وسلم. فالشخص -إخواني- إذا كان مربيًا وأراد أن يربي من هم تحت يده على الأمور العظيمة، فليحرص على هذه الأصول المتينة: التربية على الشريعة، التربية على العبادة والتعبد، التربية على العقيدة والتوحيد، التربية على الأخلاق والمعاملات. وما دون ذلك -يا عبد الله- فهو إضاعة للأوقات. كذلك مما نستفيده، وهذا مما تميزت به الدعوة السرية في حياته الدعوية عليه الصلاة والسلام، ما كان من تجنب المصادمة مع الكفار. هذا نبي الله، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو من هو، أيده الله جل وعلا بوحي السماء، الوحي يتنزل عليه ليل نهار، رب الأرض والسماوات معه، يؤيده بتأييده، وينزل عليه كلامه ووحيه. هل كان ذلك بدعوى وكان كافيًا في أن النبي صلى الله عليه وسلم يبارز الكفار بالتشهير وبفضح المعتقدات وبكثير من الأمور وبالرد عليهم؟ لا، وإنما جنح إلى الدعوة السرية، سكت صلى الله عليه وسلم لأن الوضع ما يسمح، أمره ما يسمح، وهو من هو عليه الصلاة والسلام بمقامه السامي، ومما كان من تعلقه بربه سبحانه وتعالى. لكنه أخذ بالأسباب، أخذ بالأسباب. لهذا -إخواني- الفائدة من الجهل المبين أن من الناس من يتجاهل مثل هذه الظروف. مثالنا نحن في مثل هذه الأزمان من حال الضعف والوهن الذي ابتلي به أهل الإسلام بسبب ابتعادنا وبعدنا عن دين الله جل وعلا، وترك الكثير منا لتعاليم دينه، ابتلينا بالذي ابتلينا به من الضعف والوهن، وأن أمم الشرق والغرب من أهل الشرك والكفر هم الذين بيديهم السيادة والقيادة والريادة. ثم بعد ذلك نحن مع ضعفنا يأتي الواحد منا ومن يبارز من هم أقوى منه شوكة وأعظم منه دولة، ثم بعد ذلك تأتي المصائب وتحل علينا، هذا من الجهل المبين بدين الله جل وعلا. انظر -يا عبد الله- إلى نبيك صلى الله عليه وسلم، هو من هو، أفضل خلق الله، بل نبي من أعظم أنبياء الله، بل هو أعظم الرسل على الإطلاق على القول الصحيح، ما هناك نبي يدانيه ولا يساميه في فضائله ومناقبه. ومع ذلك ما اتكل، ما اتكل على الذي أعطاه الله من هذا الفضل ومن هذا المقام، وإنما أخذ بالأسباب، علم أن وضعه لا يسمح، لا يسمح لا بالظهور ولا بالبروز. ولهذا انشغل عليه الصلاة والسلام بالدعوة السرية. ولهذا -إخواني في الله- فمن وجد من نفسه ضعفًا ومن نفسه وهنًا لا يبارز من هو أعظم منه، ولو كانوا كفارًا. ومن هنا قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وهو يستفيد من هذه الدعوة التي سار عليها نبينا عليه الصلاة والسلام: «قال فمن كان من المؤمنين في أرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف، قال فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عن من يؤذي الله ورسوله». لماذا يأخذ بآيات الصفح والعفو مع أننا نحن أهل الإسلام، أهل دين نحن أسمى الأديان وأجل الشرائع؟ لماذا نعطي الدنية؟ لأن هذا ما يسمح. أنت مستضعف، أنت مستضعف -يا عبد الله- إما زمانًا أو مكانًا. فكانت الحكمة التي نستلهمها من هذه الدعوة التي سار عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، ولو كنت من كنت -يا عبد الله- بإيمانك وتقواك، لكنك في وضع لا يسمح لك بالبروز، فلا تبارز ولا تجاهر، فضلاً عن من يأتي بالمشاكل على أهل الإسلام فيقتلهم هنا ويفجرها هنا مع ضعفه، ثم تأتي اللعنة على أهل الإسلام قتلاً وتقتيلاً وسفكًا وتشريدًا، فهذا ليس من الحكمة بشيء. ولهذا نبينا عليه الصلاة والسلام اشتغل في دعوته في أول مراحله بالدعوة السرية، جنب نفسه وأصحابه ودعوته المصادمة مع ماذا؟ مع أهل الكفر وأهل الشرك. وأخيرًا -إخواني في الله- مما نستفيده من الدعوة السرية أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بهذه الدعوة لفترة معينة كما قلنا بإجماع العلماء لثلاث سنوات، ثم بعد ذلك تركها وما رجع إليها، واشتغل بالدعوة الجهرية، وجاهر الله وجاهر خلق الله بما يدين الله جل وعلا به من عقيدة وشريعة وعلم. فمن الخطأ -إخواني في الله- أن يعكس بعض الناس هذا المفهوم، فنبينا إنما احتاج إلى الدعوة السرية لفترة مؤقتة، فترة محدودة، فهو أمر طارئ، أمر طارئ احتاج إليه نبي لفترة من الزمن ثم تركه. أما ثم واشتغل بالأصل، وما هو الأصل؟ «فاصدع بما تؤمر»، صعد على الصفا، صعد على المروة، صعد على كل جبل وتل، ودعا الناس جهرًا إلى دين الله، وبارز وبارز الخصوم والأعداء والكفار والمشركين واليهود والنصارى والزنادقة وعباد الأصنام والأوثان بهذا الدين، ما استخفى بعد ذلك. لكن تجد أن من خطأ بعض الجماعات أن يعكس هذا المفهوم، أصبحت الدعوة السرية هي الأصل عنده، دعوته مكمنها في السر، في الحلقات السرية، خلف الكواليس، خلف الدهاليس، في أماكن بعيدة لا يراه أحد، يختلي بأصحابه، يختلي بأتباعه بمريدين، يعطيهم الذي يعطيه. هذا هم على كم استمر على هذه الحالة؟ سنة، عشرات السنين. بل نعرف من الجماعات من لربما منذ منشأه إلى هذه الأزمان عشرات السنين تنقضي عليه وهو ينشغل بهذه الدعوة السرية، وما اشتغل بدعوة الناس، وإنما حقه أنه يربي يربي الناس على فكره وعلى مذهبه. وهذا من الجهل العظيم بما كانت عليه سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، ما اشتغل بالدعوة السرية إلا لفترة معدودة فقط وللحاجة الماسة احتاج إليها، وبعد ذلك تركها. أما ما نراه من عليه كثير من الجماعات ممن سلك مسلك الحزبية، حينما جعل العهد والقوة والغلبة إلى من يأتي عنده في الحلقات السرية خلف الدهاليس خلف الكواليس، ويربيهم سنوات على هذه المنظومة المبتدعة، وهي بدعة ما أنزل الله بها من سلطان. ولهذا قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- «إذا رأيت الخاصة يتناجون من دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة». إذا رأيت الخاصة يتناجون من دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة. وأي ضلالة أعظم -يا من تنشغل بمثل هذه الحلقات- وحجتك أنك لا تريد أعداء الدين أن يعلموا بتخطيطك وبما تهيئه وتصب إليه؟ ونقول لك -يا عبد الله- ليس العيب أنك تخفي أمرك على الكفار وعلى أعداء الدين، لكن العيب والعار أنك تخفي أمرك على العلماء. ولا المصيبة هنا، المصيبة هنا الداهية أن هذا الذي ينشغل بالذي ينشغل به أهل العلم لا يدرون عنه، وما الذي يخطط به، وما الذي يلقيه؟ فدل أنهم على تأسيس بدعة وضلالة. هذا -إخواني في الله- فوائد مستفادة نستفيدها مما تميزت به الدعوة السرية في حياته عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.