فضل شهر الله المحرم وما شرع فيه

الدرس في فضل شهر الله المحرم وما شرع فيه، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ظهر يوم الخميس 29 ذو الحجة 1443هـ الموافق 28 يوليو 2022م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الأشهر الحرم وصيام شهر المحرم

شهر الله المحرم هو أحد الأشهر الحرم التي ذكرها الله في القرآن، ويستحب صيامه بعد رمضان كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. وقد اتفق الصحابة على جعله أول شهر في السنة الهجرية.

أحكام وفضل صيام يوم عاشوراء

يوم عاشوراء هو يوم نجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، وصيامه يكفر سنة ماضية. يستحب صيام التاسع مع العاشر مخالفة لليهود كما ورد في سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

خطورة التعلق بالأموات ودعائهم

التعلق بالأموات والصالحين ودعاؤهم من دون الله يعتبر شركًا بالله عز وجل، وتنفي الآيات القرآنية قدرتهم على كشف الضر أو تحقيق النفع. يجب على المسلم الحذر من الوقوع في هذا الشرك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فتعلمون أيها الإخوة أننا مقبلون على شهر عظيم، شهر من الأشهر الحرم التي ذكرها ربنا جل وعلا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾. وهذه الأشهر الحرم ربنا جل وعلا خصها بأن الإنسان لا يظلم فيها نفسه، معنى يبتعد عن الظلم، ظلم النفس بالذنوب والمعاصي، فإن الآثام في هذه الأشهر تكون عظيمة، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾. وهذه الأشهر كما بيّنها نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين في حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا». الزمان استدار منذ أن خلق الله عز وجل السماوات والأرض، فأيضًا استدار كذلك. فقال: «إن الزمان استدار مثل ما خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». فهذه الأشهر الحرم التي عناها ربنا جل وعلا: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب مضر. ونحن الآن في شهر ذي الحجة، ونستقبل شهر الله المحرم، هكذا سماه النبي عليه الصلاة والسلام، نسبه إلى الله، «شهر الله المحرم»، فدل على أن فيه مزية وفضيلة. وقيل: إن شهر الله المحرم سمي محرمًا لأن العرب كانوا يتفقون على تحريمه، أن كلهم يحرمون هذا الشهر، فلا يتقاتلون فيه ويعظمونه، فلهذا سمي محرمًا. واتفق الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر رضي الله عنه لما أراد أن يؤرخ التاريخ الهجري، اتفقوا على أن أول شهر هو شهر الله المحرم، وجعلوا التاريخ من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجعلوا أول شهر في السنة هو المحرم. فلهذا اتفقت الأمة، أمة الإسلام، على هذا، على أن أول شهر هجري يعتبر «شهر الله المحرم». ومشى المسلمون على ذلك، فأول سنة هجرية التي اتفق عليها الصحابة رضي الله عنهم هي تبدأ من شهر الله المحرم، واحد محرم يبدأ السنة الهجرية. وهذا كما قلنا باتفاق الصحابة، وأيضًا اتفقت عليه الأمة، وأرخوا التاريخ الهجري على ذلك، على أن أول يوم في السنة الهجرية هو أول محرم. ولم يختص ذلك اليوم بشيء من الخصائص التي جاءت في هذا الشهر، أو جاءت في النصوص، لم يأت نص أنه يختص بهذا اليوم مثلًا بشيء. ولهذا لم يأت أنه يجعل عيدًا أو يجعل يوم إجازة أو كذا، فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما جاء في شهر الله المحرم مما جاء مما شرعه الله عز وجل أولًا الصوم، الصوم يستحب في شهر الله المحرم، فقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: «أي صيام أفضل بعد رمضان؟ قال: صيام شهر الله المحرم». فليس هناك شهر يستحب صيامه كله إلا المحرم. وبعض العلماء قال أيضًا: وشعبان. لكن من ناحية حث النبي عليه الصلاة والسلام على صيام شهر بعد رمضان، حث على صيام شهر الله المحرم. وأيضًا فيه من الفضائل ما يوم عاشوراء، نجى الله عز وجل فيه موسى وقومه، وأغرق الله عز وجل فيه فرعون وقومه. وهو يوم عاشوراء، وكان يومًا تعظمه أهل الجاهلية فيصومونه، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة عن عائشة وعن غيرها. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصومه وهو في مكة. ولما جاء إلى المدينة رأى اليهود يصومون ذلك اليوم، فقال: «ما بالهم يصومون ذلك اليوم؟» قالوا: يقولون إن الله عز وجل نجى فيه موسى وقومه. فقال: «نحن أحق بموسى منهم»، لأن موسى نبي من أنبياء الله، ونحن أهل الإيمان أحق به منهم، لأنهم بدلوا وغيروا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منهم»، فصامه وأمر بصيامه. وجاء في حديث ابن عباس، وحديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبعث إلى القرى -أي القرى التي كانت قرب المدينة- يبعث إليهم أن: «من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن لم يصبح صائمًا فليمسك، فإن اليوم يوم عاشوراء». يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بأن يصومونه. ثم لما فرض رمضان، فإن النبي عليه الصلاة والسلام خير في صيامه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «فمن شاء صامه، ومن شاء لم يصمه». وجاء في حديث قتادة أنه قال: «النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن صيام يوم عاشوراء، قال: احتسبوا على الله أن يكفر سنة ماضية». يكفر يوم صيام عاشوراء سنة مضت، فلهذا فهذا أجره عظيم. وأيضًا لما كان في آخر زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى أن اليهود مستمرون على صيام عاشوراء، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». لأن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، فمات النبي عليه الصلاة والسلام في تلك السنة، صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا قال العلماء: إنه يشرع صيام تاسع من محرم، وكذلك العاشر من المحرم. وأما حديث الذي جاء عنده أبو داود: «صوم يوم قبله ويوم بعده»، فهو لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما يستحب صيام عاشوراء، والأفضل أن يصوم يوم تاسع قبله -يعني التاسع من محرم- هذا أفضل، أن يصوم التاسع والعاشر، فهذا الذي شرعه الله عز وجل في هذا الشهر، شهر الله المحرم، مع أيضًا تحريمه. وأما الاحتفالات والزيارات التي يحدثها بعض المسلمين أو بعض من ينتسب إلى الإسلام، فإنها زيارات غير مشروعة، وخاصة إذا كانت تتعلق بأناس يعظمون كتعظيم الله جل وعلا، ممن يدعي أنهم أولياء أو كذا، فهذا مما لا يجوز، بل قد يصل إلى الشرك بالله والعياذ بالله، أن يدعى هؤلاء من دون الله. والآيات العظيمة التي بيّنها ربنا جل وعلا صريحة في أن من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو قد أشرك به سبحانه وتعالى. كما قال جل وعلا: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا﴾. ما يستطيع أحد أن يكشف الضر عن أحد، سواء كان مرضًا أو غيره، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله، ولا يحولون أيضًا من حال إلى حال، ما يستطيعون هذا، إنما هذا من الله عز وجل. فمن طلبه من غير الله، فهو أشرك مع الله. من طلب إزالة المرض من ولي أو من ميت أو من غيره أنه يزيل عنه المرض، فهو قد جعله شريكًا مع الله جل وعلا، لأن هذه الأمور يختص بها ربنا سبحانه وتعالى، فهو الذي ينفع ويدر، جل وعلا النافع والضار هو الله. فمن اعتقد في غيره أنه يحول أو يكشف الضر عنه، فإنه قد جعله إلهًا مع الله جل وعلا. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾، أي: هل هناك إله مع الله عز وجل يستطيع أن يفعل هذه الأمور؟ فكيف بعد ذلك يدعى بشر ويدعى ميت ويعتقد أنه يفعل مثل هذه الأشياء؟ فلهذا هذه الزيارات التي تفعل في هذا الشهر، هذه أيضًا من الأمور المنكرة العظيمة. وإذا صحبتها مثل هذه الدعوات، يدعى من دون الله عز وجل، فهي أيضًا أعظم. ولا يقال: إن هؤلاء من الصالحين، حتى ولو كان من الصالحين، فالآية دلت على أن هؤلاء الذين يدعونهم من دون الله هم من الصالحين كذلك، لكن الله عز وجل نفى أن يكونوا يستطيعون كشف الضر أو غيره. ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورًا﴾، أي: هؤلاء الذين تدعونهم هم يتقربون إلى الله، كيف أنتم تدعونهم وتتقربون إليهم، وهم يتقربون إلى الله عز وجل؟ وهذا دل على أنهم من الصالحين. وهذا يدل أيضًا على، أو يرد على كثير ممن يتعلق بالمقبورين وبالأموات، وأنهم من الصالحين لباس أن ندعوهم وأن نفعل ونفعل بهم لأنهم من الصالحين، وهذا عين المحادة لله عز وجل. لأن الله عز وجل ذكر أن هؤلاء من الصالحين يبتغون الوسيلة إلى ربهم ويتقربون ويخافون ربهم ويرجون رحمته ويخافون عذابه. والله عز وجل قطع العلاقة بينهم وبين أن يدعوا من دون الله عز وجل. وقال الله عز وجل: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾. وهذه الآية آية عظيمة، يقول الإمام ابن القيم: إنها قصمت ظهر المشركين. فربنا جل وعلا يقول: إن هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله، أي من كانوا، لا يملكون مثقال ذرة، شيء حقير صغير، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، أن ليس لهم شرك أبدًا، لا هم شركاء لله عز وجل في خلقه وفي هذه الدنيا أو ما خلقه الله عز وجل من السماوات والأرض. وما له منهم من ظهير، أي: لا أحد يعاون الله عز وجل سبحانه وتعالى، بل هو وحده جل وعلا الذي عنده هذه الأمور سبحانه وتعالى. وقل: ﴿من بيده ملكوت كل شيء﴾، فهو بيده جل وعلا. وكما قال الله عز وجل: ﴿ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾، عن أهل الشرك وأهل الجاهلية، كانوا يعلمون أن الذي يدبر الأمر هو الله وحده لا شريك له، ليس له معاون ولا ظهير جل وعلا. فهذه الزيارات من المنكرات التي تحصل، ولا ينبغي للمسلم أن يعاون مثل هؤلاء، ويظن أنها كما يقول بعضهم عادات، هذه ليست عادات، عادات لا تتعلق بالدين، إذا كانت عادات تكون في أمور الدنيا. أما أمور مثل هذه الأشياء، وزيارة القبور على أنها عبادة، فكيف تكون عادة؟ فلهذا ينبغي أن يتأمل مثل هذا الكلام. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ويجعلنا هداة المهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. وجزاكم الله خيرًا.