الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 20

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف التدليس وأحكامه

التدليس هو أن يروي الراوي الحديث عن شخص لم يلتق به مباشرة، وقد يكون لغرض التورية أو لإخفاء حال الراوي عنه. يختلف حكمه باختلاف المقاصد، فقد يكون مكروها أو حراما إذا كان يهدف لإخفاء حال الراوي غير الثقة.

أنواع التدليس وتطبيقاته

القسم الثاني من التدليس يسمى تدليس الشيوخ، وهو أن يسمي الشيخ أو يكنيه على خلاف المشهور به. وتدليس البلدان يدخل ضمنه، حيث يذكر الراوي أنه سمع من شخص في بلد معين ليوهِم أنه رحل إليه.

أسباب وتطبيقات تغيير أسماء الرواة

بعض العلماء كانوا يغيرون أسماء الرواة أو يكنون عنهم لعدة أسباب، منها تفادي الخطأ أو التمييز بين المشايخ المتعددين، أو لتفنن في الرواية. وأورد أمثلة على ذلك من كتب الخطيب البغدادي والبيهقي وغيرهم.

أسلوب المتقدمين في الأسانيد وتأثيره

بعض العلماء المتقدمين مثل الحافظ ابن الجوزي والبيهقي كانوا يتفننون في ذكر أسماء شيوخهم في الأسانيد، وتابعهم في ذلك كثير من المتأخرين. هذا التفنن يظهر في تعدد الصيغ التي يستخدمونها في الإشارة إلى شيوخهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: النوع الثالث عشر الشاذ. قال: هذا طيب. قال: وأما القسم الثاني من التدليس، فهو الإتيان باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به، تعمية لأمره وتوعيرا للوقوف على حاله. ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره كما إذا كان أصغر سنا منه أو نازل الرواية ونحو ذلك، وتارة يحرم كما إذا كان غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله. طيب، الآن القسم الثاني من التدليس يسمى تدليس الشيوخ، وهو أن يسمي الشيخ أو يكنيه على خلاف المشهور به. يكني الشيخ أو يسميه على خلاف المشهور به تعمية لأمره. فهذا تدليس الشيوخ. معنى ذلك مثلاً أن يكون الإنسان مشهورا باسمه، فيأتي له بكنية حتى لا يعرف. مثلاً أحيانا ينسبه إلى قبيلة بعيدة. مثل عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر العمري هو من بني عدي، أنا معروف أنه من بني عدي. فبقي بن الوليد نسبه إلى بني أسد؛ لأن أيضا من قبائل بني عدي بني أسد. فما أدري لماذا نسبه إلى بني أسد. قال: حدثنا أبو وهب العسدي، أنه أصلاً روى عن رجل، وهذا الرجل معروف أنه يروي. الظاهر بعض المدنيين يروي عن عبيد الله بن عمر العمري. فلأجل لا يعرف عبيد الله، قام كناه بمن؟ بأبي وهب الأسدي حتى لا يعرف. لا يعرف الشخص أنه عبيد الله. فلهذا ذكر له اسم آخر. وكان بقية بن الوليد من أكثر الناس عملا بهذا التدليس، حتى كان الإمام ابن المبارك يقول: كنا نأتي إلى بقية بن الوليد، فيحدثنا عن أبي سعيد الوحاض. أنا ما ندري من هذا أبو سعيد الوحاض. قال: فإذا هو عبد القدوس. أبو سعيد الوحاض هو عبد القدوس. عبد القدوس هذا الرجل كذاب، لكن بقية ما أراد أن يعرفوه، فكناه بهذا التكنية ونسبه إلى الحناق. فكانوا يفعلون هذا لأجل التعمية. سموه تدليس الشيوخ، يأتي بكنية لا يعرف بها أو اسم لا يعرف به، يعني إما لا يعرف أو أنه لم يشتهر به. ويدخل في هذا أيضا في تدليس الشيوخ تدليس البلدان. تدليس البلدان يعتبر أيضا من تدليس الشيوخ. مثلا تدليس البلدان أن يكون الرجل مثلا وجد بعض المشايخ في نفس البلاد، مثلا في اليمن، كان في صنعاء، مثلا في شارع بغداد هناك. فيقول: حدثني فلان ببغداد. معناه يوهم الناس أنه رحل إلى بغداد وسمع منه، وإنما هو وجده في صنعاء. أو مثلا كانوا يقولون: حدثنا فلان بما وراء النهر. حدثنا فلان بما وراء النهر. معناه قد يكون هذا الرجل هو من وراء النهر. وراء النهر سيبيريا وغيرها. فالناس يظنون أنه من تلك الأماكن أو أنه رحل إلى تلك الأماكن، وإنما لقاه في العراق. فيقصد بالنهر دجلة أو الفرات. فيقول مثلا: حدثني فلان بما وراء النهر، أي نهر دجلة أو نهر الفرات. أو مثلا مصري يقول: ما وراء النهر، ويريد نهر النيل. فكانوا يستخدمون هذا ليوهموا الناس أنهم أهل رحلة، أنه رحل في أماكن بعيدة. وهذا كما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعط كلابسته». ولكن بعضهم العلم يفعله ليس لأجل الفخر ولا لأجل كذا، وإنما أحيانا يكون الشخص مثلا يأتي بهذا الرجل وأنه لقيه كذا في مكان كذا، حتى لا يعرف أنه موجود مثلا في بغداد. ما أحيانا يكون مثلا مطالب من بعض الأمراء لو أنه صرح مثلا حدثه فلان ولم يذكر كذا، سيطالبونه أنه أين لقيت هذا الشخص؟ لكن يذكر بلاد بعيدة كأنه لقاه في تلك البلاد، وهو لقيه مثلا في بغداد نفسها مثلا أو في صنعاء أو عندنا هنا مثلا، لكن يذكر بلاد بعيدة لأجل معنى، باب التورية، ليس من باب الكذب، باب التورية لأجل أن لا يتفطن له. قال: ثم قال: كان ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، أنه يختلف التدليس هذا باختلاف المقاصد. فتارة يكره كما إذا كان أصغر سنا منه، أنا يخفيه لأنه أصغر سنا منه، فلهذا لا يذكره. ومعنى لأنه نازل الرواية. وتارة يحرم كما إذا كان غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله. أنا متعمد أنه دلسه حتى لا يعرف حاله. فهذا مثل ما ذكرنا عن ابن مبارك لأجل لا يعرف أنه عبد القدوس، فجعل له اسما آخر أو كنية أخرى. فهذا لا يجوز. قال: أو أوهما أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته. معنى يوهم أنه فلان. مثل ما يفعله عطاء عطية العوفي. عطية العوفي يقول: حدثنا أبو سعيد، ويوهم الناس أنه أبو سعيد الخدري؛ لأنه قد سمع من أبي سعيد الخدري، لكن هو أراد محمد بن سعيد الكلبي. والله أعلم بهذه القصة؛ لأن الذي حكاها هو الكلبي نفسه، لكن شاهدها موجود في رواية عطية. معنى قال محمد بن سعيد الكلبي: جاءني عطية بن سعيد العوفي وقال لي: حدثني في التفسير. قال: فحدثته بالتفسير. قال: فسمعته يقول: حدثنا أبو سعيد. وإنما أنا الذي حدثته. فكان يقول: حدثني أبو سعيد، ويريد محمد بن سعيد الكلبي. جعل له كنيا؛ لأن من أولاده من يسمى سعيدا. وإلا فأبو سعيد أو أقصد الكلبي محمد بن سعيد، وأبوه هشام، ولده الكبير هشام، ويكنى به. والكلبي عرف عند الناس أنه كذاب. معنى كثرة الأخبار وشهوته بالأخبار حتى حصل منه الكذب. فلهذا تجد أن العلماء يعمدون إسمه، حتى أن حماد بن أسامة - وهو حافظ الكوفة - كان يروي عن محمد بن سعيد الكلبي، ويدلسه أحيانا يقول: حدثني أبو سعيد. أحيانا يقول: حدثني حماد بن سعيد، وسمى له عشر أسماء. معنى ما بين كنيا واسم، كل ذلك حتى لا يعرف؛ لأنه لو عرف أنه يروي عن الكلبي لرد حديثه. أقصد لا يرد هذا الحديث إذا كان الكلبي هو الذي رواه. فالمهم أن مثل هذا كما ذكر هنا: الشيخ أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه وكنيته. مثاله كما قلنا ما فعله عطية، كان يقول: حدثني أبو سعيد، والناس يحسبونه أبو سعيد الخدري؛ لأنه قد سمع منه، وهو إنما يريد الكلبي. قال: وقد روى أبو بكر بن مجاهد المقرئ - وهذا أبو بكر بن أبي داود - قال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله - يعني أبو بكر بن أبي داود عبد الله - ولم يقل عبد الله بن سليمان الأشعث أو عبد الله بن أبي داود أو أبو بكر بن أبي داود، وإنما قال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، حتى لا يعرف؛ لأن أحيانا كما قلنا بعض العلماء يفعل ذلك ليس تعمية، وإنما لغرض ما. مثلا مثل هذا المثال، أبو بكر بن مجاهد المقرئ كان من المقرئين من أهل البصرة، وكذلك كان ثقة. لكن يعرف أن هناك ناس يتكلمون على أبي بكر بن أبي داود. وأبو بكر بن أبي داود حافظ كبير، وهو ابن صاحب السنة، لكن تكلم فيه كثير من العلماء كابن جرير ومطين ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وكلهم أهل سنة، وكلهم أيضا من المحدثين، تكلموا في عبد الله بن أبي داود. وقال ابن جرير: قد كفانا أو قال مطين: قد كفانا أباه القول فيه؛ لأن أباه كان يقول - وهو لازال صغيرا أو شابا - يقول: لا ترو عن ابني عبد الله؛ لأنه يكذب. والظاهر أنه أراد أن يصرف المحدثين عنه؛ لأنه كان حافظا، يعني يبهر الناس بحفظه، فحتى المحدثين كانوا يأتون إليه عندما يسمعون هذا الحفظ، يرون عنه. وظهر أن أبا داود خاف على ابنه - وهو ولد صغير لازال شابا - كيف يحدث الناس؟ فكان يصرفهم عنه بهذا: يكذب. معنى يخطئ، ما يريد الكذب الذي هو الكذب المتعمد، وإنما يكذب أن يخطئ. وكان كما قلنا أبو بكر بن أبي داود كان آية في الحفظ، حفظه كان جيدا جدا. ولهذا حصل له ناس من الحساد، الله أعلم. معنى قد يكون حسد، وقد يكون لأشياء هو يتسرع كان فيها لحدة شبابه. حتى أن أبا زرعة - الإمام أبيض الله بن عبد الكريم - شكى عند أبي داود من عبد الله. معنى من كثرة فعاله التي معنى ما يحترم هؤلاء الأئمة. فكان يغرب على أبي زرعة. وأبو زرعة حافظ كبير. فقال له أبو زرعة: إن لم تنته عن هذا لشكوتك عند أبيك. ثم شكاه عند أبيه. فأحيانا معنى تجد الشاب تجده مثلا حافظ كبير، لكن الطيش يغلب عليه. فهذا الطيش يولد له أعداء. ولهذا تجد أبا بكر بن أبي داود مع أنه ابن صاحب السنن ومن أهل السنة، وهو صاحب الحائية، تمسك بحبل الله. إلا أن تجد الذين تكلموا فيه كلهم من أهل السنة. الذين تكلموا فيه محمد بن عبد الله بن سليمان مطين، وهو إمام من أئمة السنة. وكذلك محمد بن عثمان بن أبي شيبة، صاحب كتاب العرش. وكذلك محمد بن جرير طبري المفسر. وهؤلاء كلهم من أئمة أهل السنة، لكن تكلموا فيه لشيء حصل بينهم. فالمهم أن أحيانا يحصل مثل هذا بين الأئمة. فتجد أنه يريد أن يحدث عن هذا الشخص، ويعلم أنه حافظ وإمام وثقة، لكن لأن سمعته مثلا في نفس البلاد هذه ليست بجيدة. فيقوم ويكني عنه باسم آخر. فلهذا الظاهر جعل أبو بكر بن مجاهد المقرئ يقول: حدثني أو حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله. قالوا عن أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد نقاش مفسر. فقال: حدثنا محمد بن سند، نسبه إلى جد له. والله أعلم. قال: وقال الشيخ أبو عمر بن الصلاح: وقد كان الخطيب لهجا بهذا القسم في مصنفاته. لهجا معنى يكثر. والخطيب معنى لا يظن فيه أنه يريد التعمي على الناس. لا، الخطيب هو أعرف الناس باتباع هذا العلم. وأيضا كذلك من أدخل ناس في هذا الباب، لكن من باب التفنن فقط. من باب يفعل هذا من باب التفنن. وأيضا حتى البيهقي، البيهقي أيضا يفعل هذا. والمراد أنهم يأتون بمشايخهم مثلا أحيانا يأتي باسمه، وأحيانا يأتي بكنيته. هنا ذكر قال ابن الصلاح: الخطيب الحافظ يروي في كتبه عن ابن القاسم الأزهري، وعن عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه. وعنى يقول أحيانا: حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي. وحيانا يقول: عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي. معنى كنية أبيه أبو الفتح، وهو فارسي، وهو صيرفي أيضا. فيكنيه لأجل من باب التفنن فقط. ويقول أحيانا: أبو القاسم الأزهري. قال: وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع حبارة عن واحد. ويروي أيضا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن التنوخي، وعن القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد. وله من ذلك الكثير. والله أعلم. وذكر هنا الشيخ أحمد شاكر قال: وكذلك الحافظ ابن الجوزي يفعل هذا في مؤلفاته، ويكثر منه. وتبعهم كثير من المتأخرين. بل هو أيضا فعل البيهقي. بيهقي أيضا حتى في معنى الحاكم. يقول: أبو عبد الله بن البيهقي يقول: حدثنا شيخنا أبو عبد الله الحاكم. أحيانا: محمد بن عبد الله بن البيهقي. وهكذا. وهذا باب التفنن في أبي عبد الله بن البيهقي ترجمة.