شرح كتاب التوحيد 260

شرح كتاب التوحيد 260

الدرس في شرح كتاب التوحيد 260، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

النهي عن الدعاء المشروط وتحليله

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء المشروط، ويبين المقطع آراء العلماء في حكم هذا الدعاء ومحاذيره مثل فتور الرغبة وقلة المعرفة برحمة الله. يُناقش أخطاء الدعاء بقول 'اللهم اغفر لي إن شئت' ويبين أنه يدل على عدم اليقين بالإجابة.

أثر الدعاء المشروط على اليقين بالإجابة

الدعاء المشروط يدل على عدم اليقين بالإجابة ويخالف الأدب في الدعاء بأسماء الله الحسنى، وقد يصل إلى درجة التحريم لما فيه من شك في استجابة الله. يُبين أهمية اليقين في الدعاء وآثاره.

تعظيم الرغبة في الدعاء وأهميته

تعظيم الرغبة في الدعاء يكون بزيادة الطلب والتوسع فيه دون خوف من الإكثار، مستدلاً بحديث نبوي يوضح أن الله لا يتعاظمه شيء. يُظهر أهمية تعظيم الرغبة في الدعاء.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام على النبي

يختتم النص بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى. يُظهر احترام وتقدير للنبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكرها له». ولمسلم: «وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعظمه شيء أعطاه». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وقد مر معنى ما يتعلق بتبويب أمس في قول المؤلف رحمه الله تعالى: «باب قول اللهم اغفر لي إن شئت»، ومر معنى ما يتعلق بمعايب هذه المقالة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الدليل الدال على حكم المسألة، فقال: وفي الصحيح عن أبي هريرة -والحديث في الصحيحين في البخاري ومسلم- قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت». قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقل أحدكم» أي ما ينبغي لأحد أن يقول هذا. بقي هذا الحكم على ماذا يتنزل؟ اختلف العلماء على قولين اثنين: من أهل العلم من ذهب إلى الكراهة، وهذا المحكي عن إمام النووي رحمه الله تعالى وعن الحافظ بن حجر. ومن أهل العلم من ذهب إلى التحريم، وإلى أن هذا القائل يؤثم على فعله وعلى مقالته. فالشاهد أن هذا الحديث يدل على النهي، فلا يجوز أنك يا عبد الله تقحم نفسك في هذه اللفظة المنهية، فلا تدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت». ذكر العلماء رحمهم الله تعالى المحاذير التي توجد من خلال هذه العبارة. من هذه المحاذير ما أشار إليها الإمام القرطبي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم: أن هذا النهي لما في هذه المقالة من فتور الرغبة، من فتور الرغبة وعدم الاهتمام. هذا واضح؛ إذا قال الداعي: «اللهم اغفر لي إن شئت»، ويكأنه غير مهتم بهذا، فهو سائل وهو داع، لكنه غير مكترث. فهذه الهيئة ما تلق بالداعي إلى الله. ثانيًا، من محاذير هذه الكلمات وهذه اللفظة: أن ذلك يدل على قلة معرفة العبد بربه، على قلة معرفة العبد برحمة الله جل وعلا. فالله عز وجل يرحم، والله عز وجل يغفر، بل رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، حتى أن الكفار -وهم الكفار- في هذه الدنيا يسرحون يمرحون، وهم زنادقة وهم كفرة وهم عباد للأوثان والصليب، ومع ذلك يعيشون. من الذي يطعمهم الله؟ من الذي يرزقهم الله؟ من أي باب؟ من باب الرحمة. الله رحيم سبحانه وتعالى. بل انظر ما قاله جبريل، حيث قال نبينا صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: «لو رأيتني يا محمد وأنا آخذ من حال البحر -حال البحر هو الطين الأسود الراكد في قاع البحار- أدسه في فم فرعون خشية أن تدركه الرحمة». سبحان الله! فرعون الذي بلغ من الطغيان إلى أن قال: «أنا ربكم الأعلى»، طغى وبغى وقتل أولياء الله وقتل عباد الله وسفك الدم الحرام وأدى بالمجازر العظيمة في تلكم الأمة البريئة. ومع ذلك يقول جبريل: لما رأى فرعون وهو في هذا البحر المطلاطم قام وأراد أن يدس الطين في فم فرعون لماذا؟ خشية أن رحمة الله تنزل على فرعون. فرعون ومع ذلك كان جبريل يخشى ذلك. فإذا كان هذا مع فرعون، فما ظنكم بغير من عباد الله من الموحدين من المذنبين ممن هو يقرع أبواب السماء: «يا الله يا الله». فرحمة الله قريبة، وإن رحمة الله قريبة من المحسنين. ولهذا إذا قام الداعي وقال: «اللهم ارحمني إن شئت»، هذا في قلة معرفة العبد برحمة ربه سبحانه وتعالى. كذلك قال العلماء: من العيوب أن فيه استغناء العبد عن ربه، فلا يظهر ولا يتحقق من عنده الافتقار. لا يظهر من هذا العبد الذي يقول: «إن شئت غفرت لي وإن شئت رحمتني» الافتقار والإلحاح على الله سبحانه وتعالى. وقد مر معنا في مقدمة أمس على أن ما جاء من الأخبار ومن الصفات التي يحبها الله في الداعين الإلحاح على الله، كثرة الدعاء على الله، والدخول عليه في التضرع والالتجاء. فلما تقول: «إن شئت»، دل على أنك مستغن. أي: إن شئت يا رب غفرت وإن شئت لا تغفر، كأن هذا مستغن عن الله عز وجل. كذلكم في هذا الفعل ما فيه من قول الداعي: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت»، فيه ما يدل على أن هذا الدعاء يحمل عوامل الرد في نفسه. وكيف ذاك؟ من أهل العلم من يرى أن من شروط قبول العبادة من قبول الدعاء عند الله: أنك عندما تدعو الله جل وعلا تستيقن الإجابة. ولهذا يحسن جماعة من أهل العلم ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، تدعو وأنت مستيقن بأن الله يستجب لك. وهذا من حسن الظن، من حسن الرجاء بالله: أن الله ما يرد سائلا. فتدعو وأنت في قلبك بأن الله سيحقق طلبك. لكن هذه الصفة هل هذا موجود في الذي يقول: «اللهم ارحمني إن شئت»؟ لا، ما ترك مجالا لليقين، وإنما وضع مجالا للشك والتردد وعدم الاستيقان وعدم اليقين بأن الله يجيب الداعين. ولهذا يقول بعض العلماء: أن هذا الدعاء يحمل عوامل الرد في نفسه: «اللهم اغفر لي إن شئت»، هذا مردود؛ لأن الله عز وجل يريدك يا عبد الله أنك تدعوه وأنت موقن الإجابة. كذلك من أخطاء هذه العبارة: «اللهم اغفر لي إن شئت»، فيه بيان لجهل العبد بدين الله جل وعلا؛ إذ أن هذه الألفاظ من المنهيات. فلو كان عالما بأحكام دينه وشريعة ربه ما أقحم على هذه اللفظة المنهية. قال العلماء كذلك: من الأخطاء الموجودة في هذه اللفظة: فيها أن الإنسان كذلك يدل على عدم ثقته بالله وعدم استيقانه بوعد الله سبحانه وتعالى. وذكروا كذلك عدة أمور كلها ذكرها العلماء في المطولات تجدها يا عبد الله في بيان أن هذا الحديث نعم قد يصل إلى درجة التحريم، إلى أن الفعل يصل إلى درجة التحريم، وأن هذا لا يجوز في حق العباد. قالوا: أن فيه أن العبد يجهل باب الأسماء والصفات. قد مر معنا في دروس قريبة في قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقد مر معنى أن الدعاء بأسماء الله الحسنى يكون على عدة صور، ومن ذلك ما يكون عند دعائك بطلب أن تختار من اسم الله ما هو ملائم لهذا الطلب. فالدعوه. فلما تقول: «اللهم اغفر لي يا غفور، اللهم ارحمني يا رحمن»، وهكذا تأتي من الأسماء الحسنة لله ما تلائم هذا الطلب. لكن هذا الداعي: «اللهم ارحمني إن شئت، اللهم اغفر لي إن شئت»، ما تأدى بالأدب الذي ينبغي أن يتأدى به الداعي كما أمره ربه عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فكان حري بهذا الداعي بدل أن يستخدم هذه العبارة «إن شئت» يأتي بإسم الله: «اللهم ارحمني يا رحيم، اللهم اغفرني يا غفور»، وهكذا قس. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لا يقول أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ فإن الله لا مكرها له». لا مكرها له، هذا في بيان السببية، بيان العلة؛ لأن من مضان تعليق المشيئة في دعائك يا عبد الله يوحي كأن الله سبحانه وتعالى سيؤدي لك شيء وهو لا يريده. مثل كحال الداعي يقول: أنا أعرف الله لك ما تريد مغفرتي، لكن يا رب اغفر لي. فإن غفر الله لك إنما غفر لأجل دعائك، وإلا الله ما يريد أن يغفر لك. ويكأنك أكرهت الله على أمر لا يريده. «اللهم ارحمني إن شئت»، كأن الله ما يريد أن يرحمك، لكن لما دعوت الله بهذا الدعاء ويكأن الله رحمك وهو لا يريد رحمتك وهو لا يريد أن يرحمك. فهذا الحديث: «فإن الله لا مكره له»، لا تعلق الأمر بالمشيئة؛ لأن الله عز وجل سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد، يفعل ما يشاء هو سبحانه. إن غفر لك فبمشيئته، وإن لم يغفر لك فبمشيئته. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبحانه، فهو لا يحتاج إلا أنك تقيد هذا الأمر. دلال على أن الله سيفعل شيئا وهو لا يريده. لا، فإن الله لا مكره له. ولهذا كان ينبغي على سائل: أنه ماذا؟ لا يعلق الدعاء. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولمسلم: وليعظم الرغبة» -وليعظم بالتشديد الرغبة- أي أنك يا عبد الله لا تقول: «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت»، لا أقبل على الله وعظم الرغبة. ما معنى تعظيم الرغبة في دعائك؟ على قولين اثنين: من أهل العلم من قال: أن تعظيم الرغبة في الدعاء يكون في كيفية السؤال، في كيفية الطلب على الله، وهو أنك تلح على الله كما مر. قال هذا معنى تعظيم الرغبة. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن تعظيم الرغبة: وهو أنك لك يا عبد الله أن تزيد في الطلب. عظم الرغبة زد في الطلب، وسع الطلب، أكثر من الطلب، أطلب ما تمنى. وهذا القول الذي ذهب إليه أكثر العلماء في فهم هذا الحديث: «وليعظم الرغبة»، أن تعظيم الرغبة هاهنا في حقيقة الطلب، وهو أنك يا عبد الله وسع، كثر، أطلب ما شئت، لا تضيق على نفسك. لا تظن يا عبد الله أنك حين أن تدعو الله جل وعلا بالأمر الواحد والاثنين والثلاث والأربع أنك قد استكثرت. لا، فإن الله جل وعلا لا يتعظمه شيء سبحانه وتعالى. مهما كبر ادعو الله. ولهذا بعض المسلمين للأسف إذا حانت له فرصة من أوقات ساعات الإجابة لربما يحتار بما يدعو به، مثل الساعة الأخيرة من الجمعة، أو في الأسحار، أو في أوقات الأيام الفاضلة في عرفة وغير ذلك من الأزمان المباركة التي يستجاب فيها الدعاء. ما يدعو؟ بماذا يدعو؟ لربما خمس دقائق وانتهى. يقول: «الله الله دعيت يا أخي وانتهى الطلب». بايش أفعل؟ أنا عندي حاجة كررت أكثر من مرة والحمد لله. لا يا عبد الله، عظم الرغبة، ادعو الله عز وجل أكثر، ادعو الله بما شئت، بما شئت في نفسك، في أهلك، في عيالك، في معيشتك، في دينك، في دنياك، في أولاك، في أخراك، في كل شيء. فإن الله سبحانه وتعالى لا يتعظمه شيء. وانظر لهذا الحديث العظيم الذي يقول فيه نبينا: قال الله عز وجل: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني -تخيل ممن جاء السؤال- جاء السؤال من البشرية جمعا من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أمم لا يعلم بهم إلا الله، قرون هذا الذي مضى الله أعلم ما سيأتي من الأجيال، ليس هم بل والجن، والجن كذلك يأتي في كفة أخرى. هذه العوالم الإنس والجن من الأولين إلى الآخرين لو أنهم قاموا -والكل لح على الله بالدعاء- فسألوني فأعطيت كل واحد مسألة، ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر -إبرة لو غرزتها في البحر ثم أخرجتها كم عسى أن الإبرة أخرجت من البحر؟ لا شيء ما صنعت شيئا- وهكذا لله المثل الأعلى. لو أن الله أعطى البشرية كل ما تتمنى ما نقص ذلك من ملك الله شيئا. فادعوا يا عبد الله، ولح على الله بما شئت، ادعوا الله بما أردت في دينك ودنياك. فإن الله لا يتعاضمه شيء. ولهذا إخواني في الله، فإن من ضيق على نفسه الخناق إنما لجهله. «اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت»، لا. وإنما عليك أن تعزم المسألة. قل: «اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني». وأيضا زد يا عبد الله في كل ما تريد من أمر دينك ودنياك. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.