الدرس في شرح كتاب التوحيد 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث حسين بن عبد الرحمن عن الرقية من العين والحمة ودليل تطبيقه من السلف الصالح. الرقية تكون نافعة في إزالة أثر الحسد وعلاج لدغات الحشرات.
النبي صلى الله عليه وسلم عرضت عليه الأمم يوم القيامة وتفاوتت أعدادهم، حيث بعض الأنبياء معهم قلة من الأتباع بينما آخرون معهم أعداد كبيرة. أمته ستكون كثيرة ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب.
الدرس يختتم بالتأكيد على أهمية ما جاء في الحديث من مسائل مختلفة، مع وعد بمواصلة الشرح في الدرس القادم حول مناقب وفضائل الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله في هذا الباب، والذي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الدالة على أنه من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ثم عرج المؤلف رحمه الله تعالى على أحاديث السنة التي تدل على ما تطرق إليه، وذكر رحمه الله تعالى حديثا طويلا نذكره ونذكر ما تمر لنا من مسائله وفوائده. قال: وعن حسين بن عبد الرحمن، وحسين بن عبد الرحمن تابع تابعي وهو ثقة، قال: كنت عند سعيد بن جبير، وسعيد بن جبير تابعي جليل فقيه مفسر، وقد قتله الحجاج وهو لم يبلغ الخمسين من عمره رحمه الله. وفي قول حسين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فيه فضيلة ملازمة الأخيار وملازمة العلماء. فقال سعيد: أيكم رأى الكوكب الذي قضى البارحة؟ الكوكب هنا بمعنى الشهاب، أي من منكم رأى الشهاب الذي قضى البارحة؟ يسأل قلابه، وهذا السؤال على ماذا سأل؟ قال العلماء: إما أنه سأل هذا السؤال لكي يبين فضيلة هذه الآيات التي يحدثها الله جل وعلا في كونه، ففيه التطلع وفيه التفكر بمخلوقات السماء والأرض، هذا قول. أو ما ذكروا جماعة من العلماء أن هذا السؤال لم يرد منه سعيد بن جبير نفس السؤال، وإنما أراد أمرا آخر، ما الذي أراد؟ كأنه يريد أن يعرف هل من هم في المجلس يصلون قيام الليل أم لا؟ فمن قال: نعم، أنا صليت، أنا رأيت، أنا رأيت، إذن يعلم أن هؤلاء صلوا، فكأنه ما أحب أن يطرق السؤال هكذا: من منكم يقوم الليل؟ من منكم لا يقوم الليل؟ فبذل أن يواجههم بهذا السؤال، أتى بهذا السؤال الذي له مرمى بعيد. فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقضى البارحة؟ فقلت: أنا، أي حسين، قل: أنا، أنا رأيت الشهاب الذي القض، فقلت: أنا. قلت: أما إني لم أكن في صلاة، وتأمل إلى حال السلف، يقول لسعيد: نعم، أنا رأيت الكوكب، لكن نبأ على أمر، وهو أني لم أكن في صلاة، كل ذلك في سبيل أن يدفع التوهم، لأن بعض الناس قلت: نعم، ما شاء الله، شاف الكوكب، أكيد قائم الليل، فأخبرهم بصدق الحال: لم أكن قائما الليل. ففيه أن الإنسان، إخواني في الله، إذا كان الناس يظنون فيه أمرا وهو لم يقم به، فليعترف، يقول: يا أخي، لا تظنون فيه هذا الظن، هذا الذي تظنون فيه هذا غلو، أنا ما وقع مني هذا أبدا، أنا حسبي أن أكون كذا، وأن أكون كذا، حتى لا يرفع عن قدره، ولا يعطى ما ليس فيه. قال: لم أكن في صلاة، ولكن لدغت. واللدغ هو ماذا؟ هو اللسع، لكن لدغت. ودل هذا على أن اللدغ هو الذي أدى إلى عدم نومه، فهو رأى الكوكب، أي الشهاب الذي القضى البارحة، وما كان، وما كان سبب رؤيته لهذا الكوكب؟ لم يكن في صلاة، لكنه كان في حالة مرضية، وهو أنه لدغ. قال: ولكني لدغت. قال سعيد: فما صنعت؟ قال: ارتقيت. وفي لفظ لمسلم: قال: استرقيت، بمعنى طلبت من يأتي ويرقيني، يرقيني من هذه اللدغة. قال: فما صنعت؟ قال: ارتقيت. وفي لفظ مسلم: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ انظر لهذا الحوار مليء بالفوائد. طيب سعيد بن جبير شيخ، ويقول: طب لماذا فعلت ذلك؟ لماذا ذهبت هنا وهنا تبحث عن من يرقيك؟ فيها السؤال عن الحجة، السؤال عن الحجة. قال: ما حملك على ذلك؟ فقال رحمه الله تعالى: قال حديث حدثناه الشعبي، وفيه ملازمة الآثار، ملازمة الآثار، وأن الإنسان يحرص في كل فعل يعمله أن يأتي بدليل من الكتاب والسنة، وما كان من أثر السلف الصالح، هذا يكون حال المسلم، لا يبتكر، لا يشتهد، لا يبتدع، وإنما يتبع. فذكر حسين أن فعلي وأني عندما لدغت بحثت عن راقي يرقى لي، إنما كان ذلك لدليل، لدليل استدل به. قال: قال: وما قال؟ فما حملك على ذلك؟ قال: حديث حدثناه الشعبي. قال سعيد: وما حدثكم؟ قال: حدثنا عامر، قال: حدثنا عن بريدة ابن الحصيب، أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. نبقى قليلا مع هذا الأثر، حسين بن عبد الرحمن لما لدغ بحث عن راقي يرقي، والرقية هي قراءة من أذكار وأوراد، والسبب أنه فعل هذا الفعل لأنه عنده دليل عن السلف الصالح، وهو أثر عن بريدة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. طبعا هذا الأثر جاء مرفوعا وجاء موقوفا، جاء موقوفا عن بريدة في صحيح المسلم، وجاء مرفوعا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عند ابن ماجة، لكن فيه ضعف، فيه ضعف لأنه من طريق ابن لهيعة، لكن أو فيها بجعفر الرازي عيسى بن ماهان، فهذا الأثر صحيح عن بريدة. ماذا قال بريدة؟ قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. طبعا ما معنى لا رقية إلا من عين؟ لا رقية من عين، أي من عين حاسد، وفيه أنه من ابتلي بحسد، بعين، فيه أو في أهله أو في عياله، من شر حاسد إذا حسد، إذا أردت أن تنجو يا عبد الله من عين الحساد، إذا ابتليت بأعينهم، فعليك بالرقية، ترقي نفسك بنفسك، أو تجعل أحد يرقيك، فإن الرقية نافعة جدا في إزالة أثر الحسد. لا رقية إلا من عين أو حمة، حمة هي ما كانت من ذوات السموم، ما كان من ذوات السموم، وهي الحشرات والهوام، والهوام فبعض الكائنات جعل الله لها من وسيلة الدفاع عندها أن جعل لها لسعة ولدغة، وهذه اللسعة واللدغة تحمل سما، بحيث إذا جاءها الخصم أو العدو تدافع عن نفسه بلدغته، فتهرب ويبتل هذا الخصم بالأذى والألم. طيب هذه الكائنات لربما تتطاول على الإنسان فتلدغه، مثل العقرب، مثل الدبور، وغيرها من الكائنات والحشرات، ما هو علاجها؟ من أعظم علاجاتها الرقية، من أعظم علاجاتها الرقية، وكان هذا مجرب عندهم، هذا مجرب عندهم، إذا لدغ يأتي بيده وسرعان ما يقرأ عليها، يقرأ يقرأ يقرأ، تهدأ تهدأ تهدأ، ما كان عندهم أطباء، ما كان عندهم علاجات، ما كان عندهم إبر ولا عقاقير ولا حبوب ولا شيء من هذه الأمور، وإنما كانت عندهم الرقية، وكانت تنفع. فقال بريدة: لا رقية إلا من عين أو حمة. طيب نبقى لازلنا في هذا الأثر، هل معنى هذا أن الرقية غير مسموحة إلا في هذين الأمرين؟ الجواب: لا، الأصل أن الرقية في كل مرض، حتى في الحمى، عندك أحد مصاب بحمى، اقرأ عليه، فإنها نافعة، اقرأ. لكن معنى هذا الحديث أن أنفع ما تكون الرقية، أنفع ما تكون الرقية تنفع في هذين الموطنين، عند العين، الإصابة بالعين، وعند الإصابة بذوات السموم، فالحاصل من هذا كله أن حسين عبد الرحمن عنده هذا الأثر، فلما لدغ طبقه، طبقه، فذهب يبحث عن راقي يرقيه من أثر هذه اللدغة. قال رحمه الله تعالى: قلت حدثنا عن بريدة بن الحصيب، أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. فقال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: قال: قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع. سعيد بن جبير لما سمع هذا الكلام من بريدة من حصين، طبعا سعيد بن جبير وهو شيخه يرى أن هناك شيء أفضل من هذا، عنده شيء في باله أفضل من هذا، سيأتي به، لكن ما الذي قال؟ قال: قد أحسن، أنت قد أحسنت. وجه إحسانك أنك فعلت بالذي تعلم، فعلت بالذي تعلم، وهذا هو الصحيح، الإنسان إخواني في الناس يتفاوتون في العلم، فلربما أنت تعمل بعمل، مثلا تعمل بحديث، لكن هذا الحديث هو صحيح عندك، لكنه ضعيف عند أهل العلم، لكن أنت لا تلام على ذلك، لأنك تعمل عملت بالحديث على أنه صحيح. أو أخذت بقول، وهذا القول ينسب لبعض العلماء، مع أن أكثر العلماء على خلاف هذا القول، أنت لا تلام، لأنك عملت بما ترى أنه من دين الله، فكل من عمل بعمل على حديث أو على أثر فقد أحسن، هذا قد أحسن، لا لوم عليه. لكن الإساءة في حق من؟ في حق صنفين اثنين، في حق من يعمل بجهل، أو من يعلم فلا يعمل بالذي علمه، هذا كذلك يؤثم، هؤلاء قد أساءوا، فإن من الناس من عنده علم، عنده علم، لكن ما يعمل بعلمه، هذا يؤثم، وعلمه ما يغنيه، وليس له عذر عند ربه جل وعلا، في أنها معلومات في ذهنه، العلم يحتاج إلى عمل، فهذا موسيء. أو أنت تعمل، لكن بجهل، عملت مثلا طاعة وعبادة بشكل ما، بهيئة ما، يا عبد الله، ما هي حجتك؟ والله أخي، أنا أرى هكذا، من أنت حتى ترى هكذا؟ فلهذا هذا موسيء، وذاك موسيء، والذي يحسن في هذا المقام الذي يعمل بما علم، كما فعل حصين، ولهذا سعيد بن جبير عنده أمر آخر، لكن لما رأى تلميذه قد عمل بأمر يعلمه، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع. وفي ذلك فائدة على أن في المسائل الاجتهادية ينبغي أن يسع فيها الخلاف، سعيد بن جبير عنده أمر كما أشرنا إليه، وهو يرى أنها طريقة أفضل مما فعله حصين عند اللدغة، ورأى أن تلميذه خالف في هذا المسألة، هل أنكر عليه؟ لا، ما أنكر عليه، وما وبخه، وما ضل له، لماذا؟ لأن هذا أمر يسع فيه خلاف، نعم، من أهل العلم من يقول بهذا القول، ومن أهل العلم من يرى بهذا القول. وأنت يا عبد الله في المسائل الخلافية، وهي كثيرة جدا، وخاصة إذا كانت تدور بين أقوال العلماء، فلا تشدد على المخالف، فهذا له قوله، وله أدلته، وأنت كان لك قولك، وكل يدور على البحث عن الحق، وهذا كثير جدا في المسائل الفقهية، في باب المعاملات، في مسائل الزينة والتجمل، تجد هذا يرى الجواز، وهذا يرى المنع، هل في هذا المسألة نكير؟ لا، ليس فيها نكير. لماذا تعمل بهذا؟ والله أنا سمعت فتوى عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وأنت ماذا عندك؟ والله أنا أذا بهذا، قال به الشيخ ابن عثيمين، يسع الخلاف، لا تنكر عليه، لا تضلل، فهذا إخواني في الله من فقه السلف. فسعيد بن جبير لما رأى أن حسين خالفه في هذه المسألة، كما سيأتي ذكر الحديث، ما أنكر عليه، وإنما ارتضاه، قال: قد أحسن إلى من انتهى إلى ما قد سمع. ثم قال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: قال: ولكن اسمع مني، أنا سمعت حجتك يا حسين، لما لدغت ذهبت وبحثت عن راقي يرقيك من اللدغة، وأنت محسن في هذا، لأن هذا مبلغ علمك، لكن اسمع مني الآن. قال: ولكن حدثني ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الآن يأتي سعيد بحجته، وفيها الفائدة المرادة من سرده بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمِ، قول نبينا عليه الصلاة والسلام: بأن الأمم، أي جميع الأمم، عُرِضَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، عُرِضَتْ أَمَامَ نَاظِرَيْهِ، لكن أين أين هذا العرض؟ قيل: أنه في منامه، ورؤية الأنبياء حق، ورؤية الأنبياء وحي. وقيل: أن هذا العرض كان في ليلة الإسراء والمعراج، وأن الله عرض على نبينا الأمم كافة. قال عليه الصلاة والسلام: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْط، ورأيت النبي ومعه الرَّهْط، والرَّهْط هم الجماعة، هم الجماعة من الناس، ويحددها العلماء كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى وغيره: أنهم ما بين الثلاثة إلى التسعة، ما بين الثلاثة إلى التسعة يقال عنهم رَهْط. قال: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْط، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلْ وَالرَّجُلَانِ، وَمَعْهُ الرَّجُلَانِ، هنا ومعه الرَّجُلْ، وَقَالْ العلماء: وَهُنَ بِمَعْنَى أَوْمَ، أي النبي معه رجل، أو معه ماذا؟ معه رجلين، ثلاثة، رجلين، هذا وذاك. وفي ذلك فائدة أخرى على أن الأمم يوم القيامة تُبعث مع أنبيائها، تتميز الأمم، كل أم مع نبيها، كل أم مع نبيها، طبعا هناك في أرض المحشر يجتمعون، ثم يتمايزون، يتفاضلون، كل يبحث عن راية نبيه، فيونس عند أمته، ويعقوب، وإسماعيل، وإدريس، وسليمان عليه السلام، وسائر الأنبياء، كل قومه عنده، وهم يتفاضلون في العدد، حتى أن النبي في هذا الحديث قال: ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلين. قال: والنبي وليس معه أحد، لهذه الدرجة، وفي ذلك إخواني في الله تسلية للدعاة إلى الله جل وعلا، تسلية للدعاة إلى الله جل وعلا، ربما داعية ذهب إلى بلدة، ذهب إلى قرية، يدعو ويدعو ويدعو، خلال السنين الطوال، وما وجد من الأتباع إلا القلال، إلا القلة، فهل هذا عار؟ لا، هذا ليس فيه شيء. فانظر يا عبد الله إلى من هو أفضل منك، وهو النبي، من أنبياء الله، اصطفاه الله، واشتباه الله، وأيده بالآيات والمعجزات والكرامات، ومع ذلك يبعث عند ربه وليس معه أحد، أو ذاك يأتي معه الرجل والرجلان، فتتسلى يا عبد الله بهذا الحديث، فتمضي في دعوة الله. وفي كذلك في هذا الحديث بيان على أن الكثرة ليست معيار على النجاح، الكثرة ليست معيار على النجاح، وللأسف أن نجد هذا الميزان قد اختل عند بعض الجماعات، فيتجد أن من الجماعات الإسلامية من يرى أن نجاح دعوتها تكمن في العدد، لابد أن يأتي بالأعداد الغفيرة، والحشود الكثيرة. حتى وجدنا أن من الجماعات من ربما تتنازل عن دين الله، بل تتنازل عن أصول دينها، عن مسائل من عقائدها، في سبيل أن تأتي بهذا المبتدع، وهذا الضليل، وهذا الخبيث، وهذا المخبث، وهذا حتى يجمع الحشود كثيرة تحت لوائه، ويقال: انظروا لجماعتي بلغت المليون. قد سمعنا بهذا، سمعنا بهذا أن من من يتفاخر على غيره: أتباعنا، أعضاؤنا في حزبنا، نحن مليون، قد كم عندكم؟ طب مليون على ماذا؟ انظر لهؤلاء الملايين، الملايين، تجدها كما يقال: بين الكسير والردي، ليس له عقيدة صحيحة، وليس له عمل صالح، لو ربما بعض فاسق، ما جن فاجر، ما الفائدة من الكثرة؟ العبرة يا عبد الله باتباع الحق، لا باتباع الكثرة. ولهذا هؤلاء الأنبياء كان بإمكانهم أن يتنازلوا عن دين الله في سبيل أن يأتوا بالكثرة من أقوامهم، لكن لا، وإنما بلغوا ما أمرهم الله بتبليغه، فحي فعاش من عاش عن بينا، وهلك من هلك عن بينا. ولهذا يأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي ومعه الرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد، ما يضره هذا؟ ماذا؟ ما أنه ثابت على دين الله جل في علا. قال عليه الصلاة والسلام: قال: إذ رفع لي سواد عظيم، نبينا لا زال يتحدث عن عرض الأمم، تعرض الأمة بعد أمة على نبينا، ومن خلال عرض الأمة، وهم متفاوتون في الأعداد. قال: رفع لي سواد عظيم، والسواد كما يقول العلماء: هي الأشخاص التي يرى ظلها، ولا يعرف منهم، سواد، سواد، رفع سواد عظيم، دلالة على أن هذه أمة كثيرة. قال عليه الصلاة والسلام: قال: فظننت أنهم أمتي، من بعد لم عرضت هذه الأمة، وهي كثيرة في عددها. قال رسول الله: فظننت أنهم أمتي، وفي ذلك جواز العمل بالظن إذا حفته القرائن. فقيل لي: إن هذا موسى، هذا موسى وقومه. قال رسول الله: فقيل لي: هذا موسى وقومه، أي هؤلاء ليسوا من أمتك، بل هذه أمة موسى، وفي ذلك إشارة إلى أن أتباع موسى كثر، إلى أن أتباع موسى كثر، بدليل هذا، لأنهم متكاثر، حتى أن النبي ظن أنهم أمته. قال عليه الصلاة والسلام: قال: فنظرت، فإذا سواد عظيم، وفي رواية: سد الأفق، أي هذا السواد الآخر أشد كثرة، لدرجة أنه سواد عظيم، وفي رواية: سد الأفق، أي الأفق كله غطى بكثرته. فقيل لي: قال: هذه أمتك، هذه أمتك، وفيه فضيلة لهذه الأمة المحمدية. قال: ومعهم سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. نقف إلى هذا الحد الآن، الحديث فيه بيان لصفة هؤلاء، ونأتي إلى موطن الشاهد، لكن ذكرنا ما يتعلق بمقدمة هذا الحديث، لما احتوى على مسائل شتى، كان الجدير بالتنبيه عليها، فنقف إلى هذا الحد، ونواصل إن شاء الله في درس غد حول ما يتعلق بمناقب وفضائل هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.