شرح كتاب التوحيد 17

شرح كتاب التوحيد 17

الدرس في شرح كتاب التوحيد 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير معنى "كان" في القرآن الكريم

يشرح معنى "كان" في قوله تعالى "إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله" حيث تأتي بمعنى الاستمرار وليس الانقطاع. يستعرض أمثلة من القرآن مثل "وكان الإنسان عجولا" و"وكان الشيطان للإنسان عدوا مبينا".

شرح الأسماء والصفات الإلهية في القرآن

يشرح معاني الآيات القرآنية المتعلقة بأسماء الله وصفاته مثل "كان الله" و"أمة" و"قانتا" و"حنيفا". يُفسر "كان الله" بمعنى "لم يزل" ويوضح معاني "أمة" و"قانتا" و"حنيفا".

صفات إبراهيم عليه السلام والاقتداء به

يتناول تفسير صفات إبراهيم عليه السلام مثل عدم الوقوع في الشرك والشكر لأنعمة الله. يُظهر أهمية التأسي بإبراهيم عليه السلام وتحقيق التوحيد.

ختام الدرس والصلاة على النبي

يشدد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه ويختتم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر توجيهًا دينيًا للصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان بالأمس إخواني في الله الشروع في هذا التبويب، وهو الباب الثالث من كتاب التوحيد، حيث عقده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «بابٌ من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». وأشرنا إلى ما يتعلق بهذا التبويب من مسائل وفوائد. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال وقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين﴾». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلاله بحديث الباب، أي مما يدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ذكر ما يتعلق بحال إبراهيم وما حكاه الله جل وعلا عنه. ﴿إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا ولم يكن من المشركين﴾، هذه الآية إخواني في الله من فوائدها ومن عظيم مسائلها أن نعلم أولًا أن الله جل وعلا ذكر ما يتعلق بحال إبراهيم في صدد ومعرض كلام القرآن وخطاب القرآن مع الكفار من أهل قريش، وذلك لأن كفار قريش كانوا دائمًا يدعون بأنهم على دين إبراهيم. فكان من محاجاتهم في هذا الادعاء أن ينظروا إلى أنفسهم وينظروا إلى إبراهيم وما كان من صفاته، فيقارنوا أنفسهم بنفسه حتى تصح هذه الدعوة. وهذا إخواني في الله من الحجج القوية التي بها يكون الرد على كل مدعي. قال سبحانه وتعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾، نبقى مسألة إخواني في الله، وهذا لربما سؤال قد ينقض في الأذهان في كلمة «كان»، إن إبراهيم كان، ما معنى «كان»؟ المعروف عندنا أن ما تقول «كان فلان كذا» بمعنى أنه كان في المضي ثم الآن تغير. كلمة «كان» تستخدم في لغة الناس على ما كان من الأفعال الماضية، فهل معنى ذلك أن إبراهيم عليه السلام كان فيما مضى كذلك ثم تغير؟ وهذه مسألة كذلك تتكرر معنى في آيات كثيرة، فكيف يكون المعنى؟ العلماء إخواني في الله، أعني بهم علماء اللغة، ذكروا أن كلمة «كان» في اللغة العربية تأتي على عدة معاني، منها هذا الذي سمعتموه أن «كان» تفيد الفعل الماضي ثم الانقطاع، أي انتهى. وهذا المعنى هو الأصل، بل وهو الأكثر. وتأتي أيضًا «كان» بمعنى لم يزل، هذا في لسان العرب، جاء ذلك في أشعارهم وفي أقوالهم، وعلى هذا جرى القرآن، أن «كان» تأتي في اللغة العربية بمعنى لم يزل، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾، هل تغير طبعه؟ لا، كان ولا يزال على عجل من أمره. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان عدوا مبينا﴾، «كان» هل بمعنى أنه الآن انقطع عن العداوة؟ لا، كان بالأمس عدو، ولا زال عدو، وسيبقى عدو. إذن «كان» تأتي في اللغة العربية بمعنى لم يزل. وهذا المراد في قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾، أي لم يزل على هذا الحال. وهذا إخواني في الله المعنى ينبغي أن تفهم به، خاصة ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ﴿وكان الله على كل شيء شهيدا﴾، ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ﴿وكان الله﴾... ما معنى «كان الله»؟ أي أن الله لم يزل، لم يزل «كان» ولا يزال على هذه الأوصاف. ولهذا جاء في البخاري أن رجلًا أتى إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه يستشكل هذه الآيات، وأخذ يسرد هذه الآيات: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾، ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنه: بأن الله كان كذلك ولم يزل كذلك. فدل على أن كلمة «كان» في أسماء الله وصفاته تأتي بمعنى لم يزل، هذا هو الأشهر عند العلماء. وهناك قول آخر استظهره بعض العلماء كابن عثيمين رحمه الله تعالى، بأن يقول: أن «كان» هنا مسلوبة عن الزمان، مسلوبة عن الزمان، أي لا تعلق لها في مسألة الزمنية. ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾، مر معنى في أوائل كتاب التوحيد أن «أمة» في اللغة العربية وفي القرآن تأتي على أربعة معان، تأتي بمعنى الطريقة والسلوك، وتأتي بمعنى الفترة الزمنية، وتأتي بمعنى الطائفة من الناس. والمعنى الرابع، وهذا الذي نريده عند هذه الآية، أن ﴿إن إبراهيم كان أمةً﴾، قال العلماء: أي هو المتصف بجميع صفات الخير، حتى أصبح قدوة يقتدى به. فالأمة بمعنى القدوة، هو الذي اتصف بصفات الخير حتى أصبح يقتدى به. هذا معنى «أمة». فإبراهيم عليه السلام اتصفت فيه صفات الخير، حتى أصبح يقتدى به، وكل نبي من بعده أمره الله جل وعلا بأن يتبع طريقة إبراهيم وسبيل إبراهيم عليه السلام. ﴿قانتا لله﴾، القنوت فسر بملازمة الطاعة والعبادة، هذا معنى القنوت، ملازمة الطاعة والعبادة. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «القنوت في اللغة دوام الطاعة»، هذا معنى القنوت، دوام الطاعة. وتأتي أيضًا القنوت بمعنى طول القيام، وهذا نعم من معاني لزوم الطاعة، أنك تطيل في قيامك، فهذا من معاني القنوت. «فلان قانت»، أي أنه يطيل القيام في الصلاة. ﴿حنيفا﴾، هذا الوصف الثالث من أوصاف إبراهيم، أن الله وصفهم بالحنيفية. وأصل الحنيف مأخوذ من الحنف، والحنف في لغة العرب بمعنى الميل. فالحنيف هو المائل عن ملة الشرك قصدًا إلى التوحيد. قال العلماء: معنى «حنيف» هو المائل عن ملة الشرك، مال عنها، انحرف عنها، ما دخل فيها، المائل عن ملة الشرك فقط لا قصدًا إلى التوحيد، أقبل بقلبه وقالبه ظاهرا وباطنا على توحيد الله. فكان إبراهيم عليه السلام حنيفًا، أي أنه كان مائلًا عن الشرك، قاصدًا بكليته إلى توحيد الله جل وعلا. «الحنيف هو المقبل على الله المعرض عن ما سواه»، هذا معنى الحنيف. ﴿ولم يكن من المشركين﴾، أصلها «ولم يكن»، فحذفت النون. «المشرك» اسم فاعل، والقاعدة البلاغية عند أهل البلاغة على أن «أل» إذا دخلت على اسم الفاعل أو اسم المفعول فإنها تفيد العموم. فمعنى «ولم يكن من المشركين» أي أن إبراهيم عليه السلام لم يعمل أبدًا بأعمال المشركين وبأعمال أهل الشرك، فلم يقع منه الشرك لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أحواله. ووجه التعجب إخواني في الله يعظم إذا علمت أن إبراهيم عليه السلام عاش مع قوم كفار، مع قوم مشركين. عاش وتربى وترعرع ونشأ في هذا المجتمع، فكل من حوله مشرك، وكانوا يعبدون النجوم من الصابئة، وجعلوا الهياكل من الأصنام، فكانوا يقبلون على عبادتها ليل نهار. وإبراهيم عليه السلام وهو الذي نشأ في هذه الظلمة من الكفر والشرك والإلحاد، ربنا جل وعلا اصطفاه على التوحيد، ولم يكن من المشركين أبدًا. هذه آية من آيات اصطفاء الله واشتباه الله عليها، فهذا من صفات إبراهيم عليه السلام أنه لم يقع منه ولم يصدر منه الشرك، وهذا وتمام التوحيد، وهذا وتحقيق التوحيد الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى حين أورد هذه الآية بقوله: «باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب». فكان إبراهيم عليه السلام من المحققين لتوحيد الله، فلم يكن من المشركين، أي عاملًا بأي صورة وبأي نوع من أنواع الشرك لدلالة العموم. ثم ذكر ربنا جل وعلا في الآية بعدها ذكر صفة خامسة لإبراهيم، أنه كان شاكرًا لأنعمه. وكان ذلك من صفات إبراهيم الشكر لنعم الله جل وعلا، يحمد الله ويثني على الله على نعمه. هنا استشكال أو رده بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿شاكرا لأنعمه﴾، أن «أنعم» يسميها العلماء من صيغ قلة الجموع، من جموع القلة، أي هذا الجمع وهذه الصيغة تستخدم في الجموع القليلة. قالوا: إذن إبراهيم عليه السلام يشكر ربه على نعم قليلة، مع أن الله جل وعلا أنعم على إبراهيم بالنعم الكثيرة. فكيف العمل وكيف المعنى والفهم لهذه الآية؟ قال العلماء: فهمها يكون بأن إبراهيم عليه السلام كان يشكر الله على كل نعمه، لكل نعمه ولو كانت قليلة. فما ظنك بالنعم الكثيرة؟ فهو لا يزال شاكرًا لله، أي إذا كان إبراهيم يشكر ربه على النعم القليلة، فما ظنك بالنعم الكثيرة؟ فهو كان ولا يزال عليه السلام شاكرًا لأنعم الله عليه. فالشاهد إخواني في الله، هذه الآيات من الآيات العظيمة والصفات الجليلة التي تصف بها إبراهيم عليه السلام. قد يقول قائل: وما الذي نستفيده نحن حين نتلو هذه الصفات؟ قال العلماء: مما نستفيده الإجلال والإعظام والمحبة والتقدير والتوقير لهذا النبي الكريم. إذ أن الله جل وعلا خصه بهذه المدائح وبهذه المناقب والفضائل، فيبقى له الإجلال والتعظيم في النفوس والمحبة لهذا النبي الكريم إبراهيم عليه السلام، وهو خليل الرحمن. الفائدة الثانية: الحرص على اتصافنا بهذه الصفات، هذه الصفات لم تذكر لمحصورة في إبراهيم، هي نعم هو قد تحصل عليها بجده واجتهاده، لكن هي تبقى لنا طريقة نلتمس فيها الوصول إلى الدرجات العلا بأن نتصف بما اتصف به إبراهيم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.