الدرس في كتاب الصلاة 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
صلاة الكسوف سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتُصلى ركعتين مع ركوعين في كل ركعة، وتكون جهرية.
تتميز صلاة الكسوف بطول الركعة الأولى مقارنة بالثانية، وتُقرأ الفاتحة جهراً مع سورة طويلة، ويُشرع ركوعين في كل ركعة.
اختلف العلماء في مشروعية الصلاة عند حدوث آيات كونية أخرى غير الكسوف والخسوف، حيث ذهب الحنابلة إلى مشروعيتها مستدلين بحديث أسماء.
يُعتبر الكسوف آية من آيات الله ولا يرتبط بموت أحد أو غيره من الأحداث البشرية، وقد تطرق المعلم لبعض المسائل المتعلقة بهذا الشأن.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المعلم رحمه الله: باب صلاة الكسوف، والكسوف وما يحصل في الشمس والقمر من ذهاب بعضه أو كله، وهي ظاهرة يحدثها ربنا جل وعلا تخويفا للعباد، ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾. قال: تسن جماعة وفرادى، يعني يسن أن تصلى جماعة أو فرادى، والجماعة آكد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها جماعة، لكن قال: «إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة»، فدل على أن الإنسان يفزع إلى الصلاة، إن صلى الناس جماعة صلى معهم، وإن لم يصلي أحد فليصل ولو وحده. وإذا رأى ذلك مثلا في مكان وهو وحده صلى، أو مثلا لم يستطع الناس أن يخرجوا لأجل أمر ما، فليصل كل واحد في بيته؛ فالحديث تدل على أن الصلاة تكون لأجل هذا الأمر، سواء كانت جماعة أو فرادى إذا كسف أحد النيرين. النيرين معنى النيران، هما الشمس والقمر. وسيأتي معنى ذلك. أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد جزم كثير من العلماء أنه لم يحصل في وقته خصوف قمر، لم يحصل في وقته خصوف قمر، لكن اختلفوا هل حصل كسوف الشمس مرة أو أكثر. ويقال: خصوف وكسوف، كل واحد، لكن استعمل الكسوف في الشمس والخصوف في القمر. وأيضا شرعت صلاة الكسوف ركعتين، هذا قول أكثر العلماء، وجاء عند الحنفية أنه لا بأس أن يصلي أكثر، أقصد في الركوعات. لكن في ركعتين معنى؛ كلهم يقولون ركعتين، اختلفوا فقط في زيادة الركوعات. فالجمهور على أنه لكل ركعة ركوعان، كما سيأتي. قال: يقرأ في الأولى جهرا بعد الفاتحة سورة طويلة، ثم يركع طويلا، ثم يرفع ويسمع ويحمد. يقرأ في الأولى جهرا بعد الفاتحة، وهذا قول جمهور العلماء على أنه يقرأ جهرا، وبعضهم يقول: يقرأ سرا. والدليل على هذا ما ثبت من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث عائشة أنه جهر بها؛ جهر النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة. وأيضا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ طويلا، كما جاء في حديث ابن عباس أنه قرأ نحو سورة البقرة. وهنا اختلف العلماء لماذا لم يقل ابن عباس ما هي السورة التي قرأ بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أحد من الصحابة السورة التي قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا مما جعل بعض العلماء يقول: إن القراءة في الكسوف سرا. لكن حديث ابن عباس فيه أنه جهر بالقراءة. ولهذا تفصيل الذي فصله الشافعي رحمه الله؛ الشافعي يقول: إنه في الليل يجهر، وفي النهار يسر. أنا مثلا في كسوف الشمس يسر، وفي خسوف القمر يجهر؛ هذا التفريق الذي ذكره الإمام الشافعي. وهذا بناء على أنه لم يحدد القراءة في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام. لكن القول بالجهر هو القول الصحيح؛ لماذا؟ لأن عائشة قد صرحت بأن النبي عليه الصلاة والسلام جهر؛ فالصحيح الجهر بالقراءة، سواء كان في خسوف أو في كسوف. وأما أنهم لم يأتوا ولم يحددوا السورة، لا يلزم أنه لم يقرأ بسورة معينة؛ فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بشيء كثير، ولم يقرأ من سورة واحدة. قال: يقرأ في الأولى جهرا بعد الفاتحة سورة طويلة، ثم يركع طويلا. أيضا هذا ثابت في السنة، وحديث الكسوف جاء عن عدة من الصحابة، منهم عائشة وأسماء، وكذلك أبو بكرة وأبو موسى وأنس وابن عباس، وجماعة من الصحابة، وكلهم ذكروا هذه الكيفية، إلا ما جاء عن علي في صحيح مسلم أنه صلى بثلاث ركوعات؛ صلى في كل ركعة ثلاث ركوعات. وأيضا جاء من حديث جابر بن سمرة أيضا مثله. فلهذا اختلف كما قلنا العلماء في مسألة الركوعات، والذي مشى عليه جمهور العلماء أنه في كل ركعة ركوعان؛ في كل ركعة ركوعان. قال: ثم يرفع ويسمع ويحمد، «ربنا ولك الحمد». قال: ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل. ومسألة القراءة الفاتحة في الثانية، هو قول جمهور كذلك أنه يقرأ في الركعة الثانية قراءة الفاتحة؛ أنه يقرأها في ركعة قبل الركوع الثاني، أو بعد ركوع الأول يقوم ويقرأ الفاتحة. وهذا الذي عليه جمهور العلماء؛ لأنه استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». والركعة تسمى صلاة، والقراءة والركوع يسمى صلاة. وجاء عن بعض العلماء أنه يقول: لا يقرأ الفاتحة، وإنما يكمل في السورة. لكن هذا القول، قول الجمهور أحوط. قال: ثم يركع، ثم يقرأ الفاتحة سورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل، وهو دون الأول، ثم يرفع، ثم يسجد سجدتين طويلتين. قال: ثم يصلي الثانية كالأولى، لكنها دونها في كل ما يفعل. فهنا هذه السنة أنه يجعل الركعة الأولى طويلة، والركعة الثانية خفيفة. فإذا انتهى منها قال: ثم يتشهد ويسلم. فهذه كيفية صلاة الكسوف؛ يقرأ جهرا الفاتحة، ثم يقرأ سورة، ثم يركع، ثم يقوم، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة، ثم يركع ويقوم، ثم يسجد سجدتين. تكون الركعة بركوعين وسجودين؛ فهذه السنة في صلاة الكسوف. قال: فإن تجل الكسوف فيها أتمها خفيفة؛ على الأصل أن الصلاة تكون لهذا الكسوف، فإذا تجل الكسوف فإنه إن كان في صلاة يخففها، وإن لم يصل فلا يصلي. إذا مثلا أحيانا يكون هناك غيم، لا يرى الكسوف إلا بعد ذهاب الغيم، فيأتي الغيم وقد تجل؛ فهنا لا يصلى إذا تجل، لا يصلى إذا انتهى الكسوف. وأما إذا لم ينته فإنهم يصلون. ومسألة الصلاة هل تأخذ بهذه المعنى بكلام أهل الهيئة من الذين يتابعون القمر وغيره؟ أنا الآن إذا نشر أنه ستخسف الشمس أو سيخسف القمر يوم كذا في ساعة كذا، فهل نحن نصلي على كلامهم؟ أم لا بد أن يرى؟ لا يصلي على كلامهم. بعض الناس الآن تجد ما يرى الخسوف إلا وهو يصلي؛ لماذا يعتمد على كلام أولئك الذين هم أصحاب الهيئة ومتابعون للقمر. هذا خطأ؛ لابد لا يصلي إلا إذا رآه. وأيضا هذه الرؤية تكون رؤية مجردة، معنى ما تكون رؤية بآلات؛ فإذا رآه رؤية مجردة فإنه يصلي، وإلا لا يصلي. قالوا: إن غابت الشمس كاسفة أو طلعت والقمر خاسف أو كانت آية عدا الزلزلة لم يصل. إن غابت الشمس كاسفة، قالوا: معنى أنها كسفت وغابت، مثلا كسفت في آخر وقتها عند الغروب؛ فهنا لا يصلى ما دام أنه لم يدرك شيء وقت في الصلاة، لا يصلى. أو قال: طلعت والقمر خاسف؛ طلعت الشمس والقمر خاسف، ما سيرى ما سيرى القمر، وهنا لا يصلى؛ أن القمر لم يراه الناس. قالوا: كانت آية عدا الزلزلة لم يصل؛ أن هل يصلى بآيات أخرى؟ مثلا الريح الشديدة، الرعد القوي، مثلا غير ذلك من هذه الآيات التي تحصل بالكون. فقال: لا يصلي إلا الزلزلة عند الحنابلة؛ أن الزلزلة يصلى لها؛ لأنهم استدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾، قالوا: هذه آية. وجاء في حديث أسماء أنها قالت: «أتيت إلى الناس وهم يصلون، فدخلت على عائشة وهي تصلي، فقلت: ما هذا؟ فأشارت إلى السماء، قالت: فقلت: آية؟ أشارت برأسها». فهذا يدل على أن هذا آية حصلت. فهل إذا حصلت الآية يصلى؟ فالظاهر أن هذا خاص بالكسوف والخسوف، ولم يأت دليل على الصلاة في الآيات الأخرى. وأما الاستدلال بمثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر هرع إلى الصلاة، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من هاتين آيتين من آيات الله عز وجل لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة». فقالوا: آية؛ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهما آيتان من آيات الله. لكن قد حصلت أمور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم إلا في الكسوف أو في الكسوف لما كسفت الشمس. وأكثر العلماء على أن الكسوف إنما حصل مرة واحدة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتكرر. وأما الزلزلة كما قلنا أيضا لا دليل على أنه يصلى لها، إلا الأدلة العامة. قد جاء في عهد عمر أن حصلت زلزلة في المدينة، ولم يأت عنه أنه صلى؛ لم يدبت أنه صلى، مع أنه حصلت زلزلة قوية في المدينة. وجاء ذلك عن صفية بنت حيي زوجة عبد الله، وقال عمر رضي الله عنه: «والله إن زلزلت مرة أخرى لا أساكنكم فيها أبدا»، ولم يأت أنه صلى؛ فدل على أن الصلاة خاصة بالكسوف والخسوف. قال: وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز. وهذا معنى يراه الحنابلة أن الأمر جائز، وإن كان الأفضل أن يصلي في كل ركعة ركوعين، أو في كل ركعة ركوعان. لكن له أن يزيد من باب الجائز أن يصلي بها ثلاث ركوعات أو أربع، كما قلنا: جاء في حديث علي أنها ثلاث ركوعات، وجاء في حديث جابر أيضا مثله؛ فدل على جواز هذا الفعل. لكن كما قلنا الذي أشكل أن الكسوف لم يحدث إلا مرة واحدة؛ قال كثير من العلماء أنه لم يحدث إلا مرة. فكيف ينقل عن نبي صلى الله عليه وسلم أنه يصلي ثلاث وينقل عنه أنه يصلي ركعتين أو ركوعين وثلاث ركوعات؟ فالظاهر والله أعلم؛ قال جمهور العلماء أن ما كان أكثر من اثنين فهو الشاذ. لكن الحكم بالشذوذ كأنه ليس صحيحا؛ لأنه جاء عن علي وجاء عن جابر ومسمرة وجماعة؛ فلهذا دل على أن الثلاث معمول به أو أنها ثابتة؛ فلا بأس أنه يزيد؛ إنما تدل على الزيادة. أما مثلا الجزم بأنه لم يحصل إلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، ليس هناك ما يؤكد هذا؛ معنى أنه يجعل يجذب. وإلا هناك في قرائن تدل على هذا، وهو أن الخسوف حصل في موت إبراهيم؛ لما مات إبراهيم حصل الخسوف حتى ظن بعضهم أنه لموته حصل هذا. فقال: إنه أن القمر والشمس آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. فهذه بعض المسائل التي ذكرها المعلم رحمه الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.