الدرس في كتاب الصلاة 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
صلاة الاستسقاء هي صلاة مستحبة عند الحاجة إلى المطر، تصلى جماعة أو فرادى، وتشبه في أحكامها صلاة العيد. يستحب أن يخطب الإمام فيها أو بعدها، ويأمر الناس بالتوبة وترك المعاصي.
يستحب الصيام قبل صلاة الاستسقاء وتجنب التشاحن، والخروج إليها بتواضع وتخشع. الخطبة تكون قبل أو بعد الصلاة وتتضمن الدعاء والاستغفار، مع رفع اليدين في الدعاء.
صلاة الاستسقاء ليس لها وقت معين، لكن الأفضل أداؤها في وقت العيد. يستحب كشف الثياب عند نزول المطر والدعاء عند الخوف من كثرة المياه، مع الابتداء بالتكبير في الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة السلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صلاة الاستسقاء. والاستسقاء هو طلب السقيا، طلب المطر والغيث. هذا الاستسقاء، قال: إذا جدبت الأرض وقحط المطر، هنا جعل القحط على المطر، وقحط المطر، والذي يقحط هو الأرض، لكن السبب هو عدم المطر. قال: صلوها جماعة وفرادى، إنه يستحب إذا جدبت الأرض وعدم الماء أو قلت الأمطار أن يصلي الناس صلاة الاستسقاء. قد جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم بن أنصاري رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قحط أو قحطت الأرض صلى ركعتين وجهر فيهما بالقراءة إلى آخر الحديث، فدل على استحباب الصلاة إذا قحط المطر. وهذا قال جمهور العلماء: إنها مستحبة، الصلاة مستحبة. أبو حنيفة عنده أن الصلاة لا تشرع، وإنما يدعى عند الدعاء فقط، أما الصلاة يقول إنها غير مشروعة، وهذا غير صحيح، فقد جاء أكثر من حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي صلاة الاستسقاء. ذلك حديث ابن عباس، حديث عائشة، حديث عبد الله بن زيد وغيرهم، الحديث التي جاءت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي، لكن ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، لم يقل أحد بوجوبها لعدم الأمر بها، وإنما جاءت من فعله عليه الصلاة والسلام. قالوا: صفتها في موضعها، وأحكامها كالعيد، إن صفة صلاة الاستسقاء، سواء كان في الموضع الذي تصلى فيه، وهو المصلى، يستحب أن تصلى في المصلى، مكان الذي تصلى فيه العيد في الصحراء أو المكان الخالي. وأحكامها كالعيد، إن أحكامها من ناحية الوقت، الأفضل تصلي في وقت العيد. من ناحية الصفة أو الهيئة، استحب الحنابلة أن تصلى أيضا الصلاة كصلاة العيد، بتكبيرات الزوائد، أن يكبر ستا أو سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية، واستدلوا بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج لما أراد يصلي الاستسقاء، خرج متخشعا متبذلا، وصلى كصلاة العيد. وفي الحديث: وصلى كصلاة العيد. وهل قصد أن عباس في هذا الحديث صلى كصلاة العيد، أي نفس صلاة العيد وهيئتها، أو أنه صلى ركعتين مثل ما يصلي صلاة العيد؟ والحديث مختلف في صحته، والحديث مختلف في صحته. وإن صح، فهو أيضا دلالته ليست واضحة، دلالته على أنه كصلاة العيد ليست واضحة. لكن الأمر سهل، من أخذ بهذا وصلى، ومعنى الذي يفترق هو تكبيرات الزوائد فقط، الفرق هو تكبيرات الزوائد، فإن كان يصلي كصلاة العيد، أي يكبر تكبيرات الزوائد، وإلا صلى مثل أي صلاة يصليها. وسيأتي أيضا الخطبة ليخطب قبل الصلاة وبعدها. قالوا: إذا أراد الإمام الخروج لها، وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، وترك التشاحن، والصيام والصدقة، وبعدها يوما يخرجون، ويعدهم يوما يخرجون فيه. هذه الأمور لم يثبت فيها ما يدل عليها صريحا، لكن العمومات، الأدلة لأن هذه الصلاة صلاة طلب من الله عز وجل ودعاء، ومن الأسباب التي دلت الشريعة فيها استجابة الدعاء، ترك المعاصي والتقرب إلى الله جل وعلا، فلهذا يأمر الناس بالتوبة. بل بعضهم كان يصوم، يعني يستحب للناس الصيام، لأن الصائم دعوتهم مستجابة، وكل ما كان فيه تقرب إلى الله، وفيها أيضا أرجى للدعاء، فإنه يقدم حتى يستجاب له، وهذا من هذا الباب، يأمرهم الإمام بالتوبة، ويعظ الناس، أو يجعل من يعظهم يجعل من يعظهم بذلك، وترك التشاحن، إن التشاحن سبب من الأسباب التي تحرم الخير، وسبب أيضا من الأسباب التي تحرم الناس نزول الخير من عند الله. مثل ما حصل في معرفة ليلة القدر، إن النبي صلى الله عليه وسلم علمها ثم تشاح رجلان، قال: فأنسيتها. قال: الصيام والصدقة وبعدها، وقال: ويعيدهم يوما يخرجون فيه، وينظفوا. ولا يتطيب أو يتنظفوا، ولا يتطيب. مسألة التنظف هنا ممكن يحمل على لبس الثياب النظيفة، وأما الاغتسال فلم يثبت فيه شيء، أنه يغتسل. إن كان أراد بالتنظف الاغتسال ولبس الثياب الحسن، فهذا لم يثبت. بل الذي ثبت أو الذي جاء في حديث ابن عباس أنه يخرج متخشعا متبذلا، والتبذل يعتبر نوع من أنواع ترك الزينة، التبذل هو ترك الزينة، فدل على أنه لا يستحب الاغتسال، وإن اغتسل فحسن، لعلة الروائح الكريهة إذا كانت هناك وقت حرب، واجتماع الناس قد تكون رائحة تؤذي بعض المؤمنين، فهذا يغتسل حتى تذهب هذه الرائحة. وأما أنه يستحب لكل أحد أن يتنظف ويغتسل، لا. قالوا: لا يتطيب، لماذا؟ لأنه يخرج متبذلا، والتطيب لا يكون فيه تبدل. قالوا: يخرج متواضعا متخشعا متذللا متضرعا، ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان المميزون. معنى يخرج خاشع متواضع لله عز وجل، لا يخرج متكبر، فإنه أرجى للدعاء، كذلك متذللا لله عز وجل، يدل نفسه لله سبحانه وتعالى، ومن ذلك ترك الزينة وترك الرفاهية، التذلل فيه أنه يترك الرفاهية، ولو كان إماما، يعني لا يخرج بثيابه الذهب أو ثياب فيها من الثياب التي تظهر فيها الزينة، هذا خطأ. قال: متضرعا، ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ، أن يخرج أناس من أهل الصلاح، مثل ما قال عمر: كنا نستسقي بنبي الله صلى الله عليه وسلم، وإنا نستسقي بعم نبيه. وجاء في أثر الزبير بن العوام، قال: قم يا عباس وادع. ففيه أن اللسان يستصحب الصالحين والذين يعرفهم بصلاح، لعلة أنهم يدعون، أو لعلة أيضا إتيانهم له، وهمية في نظر الله عز وجل. فلهذا معاوية رضي الله عنه لما استسقى، فقال: أين يزيد بن الأسود؟ قال: هذا، قال: قم يا يزيد وادع الله. فجعل الدعاء يدعو يزيد بن الأسود الجرشي، فدعا، فجاءت السحب وأمطر بعدها. ويخرج معهم أيضا الشيوخ، الشيوخ المراد بهم كبار السن، والصبيان المميزون، أما الصغار الأطفال، فهذا لا داعي منهم. قال: وأن يخرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين، لا بيوم، لم يمنعوا أن لا يخرجون يوما آخر، لكن يخرجون مع المسلمين، وإن لم يصلوا، لكنهم يدعون، يدعون الله عز وجل، فلا بأس. قال: فيصلي بهم ثم يخطب واحدة، يفتتحها بالتكبير. يصلي بهم ثم يخطب، أن جعل الخطبة بعد الصلاة. وفي حديث عائشة، وحديث ابن عباس، أنه خطب قبل الصلاة، وهذا الأقرب أن الخطبة تكون قبل الصلاة. والخطبة ليست خطبة كخطبة الجمعة والعيد، وإنما خطبة دعاء، إنما خطبة أكثرها دعاء واستغفار، فهي أقرب إلى الدعاء من الخطبة. لكن يعظهم بشيء من التوبة إلى الله، والاستغفار واللجوء إلى الله. والأفضل أن تكون قبل الصلاة، وإن جعلها بعد الصلاة لا شيء في ذلك، لأن الإمام أحمد رأى أن تكون مثل العيد، على حديث ابن عباس. ومثل العيد معناه أن الخطبة تكون بعد الصلاة، خطبة تكون بعد الصلاة. الصحيح أن الخطبة قبل الصلاة، لأن حديث ابن عباس ليس واضحا، حتى لو قلنا بصحته، فليس فيه وضوح أن الخطبة تكون بعد الصلاة. فيخطب ويدعو، ويقلب رداءه ثم يصلي. قال: يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، لم يثبت صريحا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدئها بالتكبير، جاءت بعض الأحاديث، لكنها لا تصح. وجاء عن بعض السلف أنهم كانوا يبدأون بالتكبير، أو أنهم يخطبون ويكبرون، فلا بأس أن الإنسان يكبر في خطبته، يكبر وأيضا يدعو ويستغفر. وكما قلنا أن الخطبة ليست خطبة كخطبة الجمعة والعيد، وإنما هي أكثرها ذكر واستغفار ودعاء. وأما افتتاحها بالتكبير، فلم يثبت كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم، أنه لم يثبت في خطبة من الخطب الابتداء بالتكبير، وإنما خطب النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتدي بها بالحمد. وأما ما يذكرونه من أنه يكبر تسعا في الأولى، وفي الثانية سبعا كما عند الشافعية، فهو مما لم يثبت. وأيضا مسألة الخطبة وخطبتين، هنا قال بخطبة واحدة، خلافا لمالك والشافعي، خلافا لمالك والشافعي. وأبو حنيفة هل نذكر أبو حنيفة هنا؟ لأنه ما يقول بالصلاة، معنى خلافا لمالك والشافعي، لأنهما يقولان بخطبتين مثل العيد، مثل الجمعة. والذي ثبت هو خطبة واحدة، هذا ظاهر النصوص. قالوا: يكثروا فيها الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، أي الأمر بالاستغفار. ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، ومنه: اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا، إلى آخر ما ذكرهم في حديث عائشة، وفي حديث أنس، قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال: وإن سقوا قبل خروجهم، شكروا الله وسألوا المزيد من فضله، فهذا من عمومات العدل، يعني إذا سقوا قبل خروجهم من المصلى، فهذا يدل على نعمة الله عز وجل عليه. قالوا: ينادى الصلاة جامعة، لم يثبت هذا، وإنما هذا في الكسوف، ثبت في صلاة الكسوف الصلاة جامعة. المؤلف لم يذكروا في صلاة الكسوف وذكروا هنا. قالوا: ليس من شرطها إذن الإمام، لأنها صلاة هي استغاثة بالله عز وجل، وليس فيها ضرر على أحد، فلهذا لا يستعدن الإمام، وإن يستعدن من باب الاستحباب حتى يكون على نظره. قالوا: يسنوا أن يقفوا في أول المطر، وإخراج رحالهم وثيابهم ليصيبها، وهذا لحديث أنس في مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمطرت، كشف عن ثوبه أو حسر عن ثوبه، وقال: إنها حديث عهد بربها. ففيه استحباب كشف الثياب، أما إخراج الرحل وغيره من هذه الأشياء لم يثبت شيء في هذا، لكنهم أخذوا بأصل ما ثبت، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن جسده وحسر عن بعض جسده حتى يصيبه الماء، فبعضهم عمم ذلك، أنه يخرج أشياءه حتى يصيبها الماء من باب البركة. لكن الأفضل أن يكتفى بالحديث، أنه يحسر شيء من ثوبه، كما يحسر العمامة أو يحسر مثلا يكشف صدره أو كذا، فشيء من جسده حتى يصيب الماء جسده. قال: فإذا زادت المياه وخيف منها، سن أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. هذا ثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث أنس، وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية، أن الأماكن البعيدة عن المدن، فيدعو أنها تتحول إلى تلك الأماكن، فهذا ما يقال في صلاة الاستسقاء. وأما من ناحية الوقت، وقت صلاة الاستسقاء ليس لها وقت معين، ليس لها وقت معين عند جمهور العلماء، معنى ممكن، لكن الأفضل أن يصليها في وقت العيد، لكن لو صلاها العصر، صلاها المغرب، فهو جائز، ما لم يكن هذه الصلاة في وقت النهي، لا تكون في وقت النهي، لكن في غير هذه الأوقات، لأنها لها وقت متسع، فلا تصلى في أوقات النهي.