السؤال: اللقاء المفتوح 8، اللقاء الشهري المفتوح 24 شعبان 1431هـ بدار الحديث بالشحر . أجاب عنه الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع أحكام الصيام والصلاة في شهر رمضان، مثل حكم قراءة آيات الصيام في الصلوات الجهرية، وحكم الكدرة قبل الحيض. يشمل أيضًا مناقشة حكم الصيام مع اختلاف رؤية الهلال في بلاد الكفر.
يتناول المقطع مسائل فقهية متعددة، منها كيفية زكاة الديون، ونية الصيام في رمضان، والتعاون في الأعمال الخيرية، وتوزيع العبادات في رمضان، وحكم القراءة المجودة للقرآن.
يتناول المقطع إجابة على أسئلة حول أحكام الصلاة والزكاة والصيام، مثل حكم القراءة على منازل الأغاني، وزكاة الذهب والأوراق النقدية، والتطويل في صلاة سنة الفجر، وحكم الفطر للحامل والمرضع.
يُناقش المقطع التسامح في بعض الأخطاء التي لا تصل إلى حد البدعة، ويُوضح الأحكام الشرعية المتعلقة بقراءة القرآن والصلاة والصيام والزكاة.
يتناول المقطع حكم الدم الخارج بعد الطهر، حيث يوضح أنه إذا خرج الدم عن عادة المرأة، فعليها أن تأخذ بعادتها السابقة، وإذا كان دم حيض أو نفاس، فعليها ترك الصلاة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على ما أنعم علينا من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. في هذا اليوم، يوم الرابع وعشرين من شعبان، في هذه الليلة، ليلة الجمعة، وفي هذا المسجد المبارك، مسجد دار الحديث، مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر، نجتمع في هذا اللقاء المفتوح الذي ناسب قدوم شهر كريم وموسم من مواسم الطاعات عظيم، ألا وهو شهر رمضان المبارك. أسأل الله عز وجل أن يبلغنا إياه، وأن يجعله لنا ولسائر المسلمين شهر رحمة ومغفرة ورضوان، وأن يعيننا جميعًا على طاعته وحسن عبادته سبحانه وتعالى فيه. ولهذا، في هذا اليوم، سنقدم من الأسئلة ما لها تعلق بهذه المناسبة، مما يحتاج الناس إلى التنبيه عليه من مسائل وأحكام ونحوها، مما تمر في هذه الأسئلة. فإذا أخرت بعض الأسئلة أو كذلك لم يأت الوقت لها، فليعلم أنه هذا السبب، وجزاكم الله خيرًا. هذه سائلة تسأل تقول: إمام مسجد في هذه الأيام القريبة من رمضان يكثر من قراءة آيات الصيام في الصلوات الجهرية، فما حكم ذلك؟ والعمل يعني كأن ذلك العمل، وكذلك بالعشر الأواخر من رمضان يكثر من قراءة سورة القدر. لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص استقبال شهر رمضان بآيات الصيام، بل نص بعض أهل العلم أن تخصيص بعض الآيات والسور في استقبال بعض الأيام والشهور والمناسبات ليس من السنة. بل إذا صار فيه تعبد لله عز وجل، فربما صار من البدع، ولذلك لا يستحب تخصيص مثل هذه الأيام بقراءة مثل هذه الآيات. ولو قرأ أحيانًا من ضمن قراءته، فإن شاء الله الأمر على الإباحة والجواز، فكله قرآن. أما أن يتعود في كل سنة، كما هو ظاهر السؤال، أن يخص هذه الأيام بمثل هذه السور والآيات، سواء في استقبال الشهر أو توديعه، فهذا لم يكن من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا كذلك من سنة صحابته الكرام رضي الله عنهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها». وهذه سائلة تسأل تقول: امرأة ينزل منها كدرة قبل الحيض بثلاثة وأربع أيام، ثم يأتي دم الحيض، هل تعتبر هذه الكدرة من الحيض؟ إذا كانت الكدرة قبل الحيض، معناه أنه بعد الطهر، فهو من الطهر، فالكدرة والصفرة تبع لما قبلها. فما كان بعد الطهر فهو من الطهر، وما كان بعد الحيض فهو من الحيض. ودليل ذلك ما ثبت من حديث أم عطية أنها كانت تقول: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا». هكذا جاء في الصحيح، في الصحيح البخاري وغيره. وجاء خارج الصحيح بزيادة: «كنا لا نرى الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا». وهذه الزيادة معناها صحيح، ولو كان في إسنادها شيء من الكلام عند بعض أهل العلم، لكن معناها صحيح يؤيده رواية البخاري. وهكذا كذلك ما جاء في حديث عائشة: «وأما بعد الحيض فهو من الحيض». لقول عائشة رضي الله عنها: «وكان يسألنها بعض نساء المسلمين، فتقول لهن: لا تستعجلن حتى ترين القصة البيضاء». ففي هذا دليل أن الكدرة بعد الحيض من الحيض، فلا تستعجل المرأة إذا رأت الكدرة بعد الحيض حتى ترى طهرتها. فإن كان طهرها قصة بيضاء، فتنتظر القصة البيضاء، وإن كان طهرها الجفاف، فتنتظر الجفاف على حسب عادتها في طهرها. فهذا هو التفصيل في حكم الكدرة والصفرة. هذا سائل يقول: في بعض بلاد الكفر نجد بعض المسلمين لا يصومون إلا إذا رأوا الهلال بأنفسهم، والبعض يصومون لأنهم وبعضهم يصومون مع المملكة العربية السعودية، فيحصل في آخر رمضان أعياد في أيام مختلفة، ما هو حكم هذا؟ وهل الكل مصيب؟ الذي ينبغي في مثل هذا المقام أن يجتمع المسلمون تحت من له المرجعية، إن كان هناك جهة تمثل المسلمين في تلك البلاد. فإن كان لهذه الجهة أناس موكلون بالرؤية، فاعتمدوا على رؤيتهم، أو كان كذلك هناك أهل فتوى وهم أهل لهذه الفتوى، كذلك اعتمدوا على فتوى هؤلاء في دخول الشهر وخروجه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «والصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون». وهذا هو الأصل والواجب أن المسلم يمسك ويفطر مع عموم المسلمين في إمساكهم وإفطارهم. فإن لم يكن كذلك، وكان المسلمون متفرقون طوائف وأفراد، وليس لهم مرجعية، فالذي ينبغي في مثل هذا المقام أن يعتمد رؤية الهلال لمن رأاه. فإذا رأى الإنسان الهلال صام وأفطر بما رأى، وإن لم ير الهلال فبلغه ممن يغلب على ظنه أنه محل أمانة وديانة ومعرفة في هذا الباب، تبعه في ذلك. فخبر الثقة يقبل في هذا الباب، على أنه ينتبه أن دخول الشهر يكتفى فيه برؤية شاهد واحد، كما في حديث ابن عمر، وخروج الشهر يكون برؤية شاهدين اثنين. ولا شك أنه إذا كان الحال هكذا قد يحصل بعض الاختلاف، فإذا حصل الاختلاف، فالواجب في أهل المدينة الواحدة أن لا يتفرقوا وأن يجتمعوا. فالاجتماع رحمة، والفرق عذاب، ومن صفة أهل الإسلام الاجتماع، ومن صفة أهل الكفر والفجور الافتراق. فينظروا إلى أسباب الاجتماع فيحرصوا عليها. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين أرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن: «تطاوعا ولا تختلفا». فلا يجوز ظهور التفرق للمسلمين، خصوصًا بين الكاثرين، فينظرون إلى أسباب الاجتماع فيجتمعون، ويقدمون ما يظن أنه الأقرب إلى الصواب. فمثلًا لو كان في مدينة ما في بلاد الكفر ثلاثة أو أربعة مساجد، فحصل أن كل مسجد اختلف عن الآخر، فينبغي للعقلاء في هذه المساجد الأربعة، مهما اختلفت وجهات النظر، وكذلك اختلفت حتى المنهج الدعوي، لا ينبغي عليهم أن يكون ذلك سببًا لتفرقهم في صيامهم وإفطارهم. فينبغي للعقلاء أن يجتمعوا ويدعوا بعضهم بعضًا في أن يكون هناك اجتماع على ما يظن أنه الأقرب للصواب، فيجتمعون جميعًا في صومهم وفي إفطارهم. ولا شك أنهم إذا بدلوا مثل هذه الجهود، حصل لهم من الاجتماع ما يكون به الخير. هذا سائل يسأل يقول: عندنا محل، ونريد أن نخرج زكاة عروض التجارة، ولدينا ديون على الزبائن، طالبناهم بها وهم يماطلون، فهل تحسب هذه الديون من جميع المال وتخرج من الزكاة أو تفصل؟ الصحيح في زكاة الديون التفصيل، فما كان من الديون يغلب على الظن أنها ترجع، وأن غيابها مثل وجودها، فهي تحتسب من المال ويزكى عليها. وما كان من الديون لا يدرى ما حالها، أو يغلب على الظن أنها قد لا ترجع أو تتأخر، كأن تكون عند مماطل أو تكون عند فقير يعرف أنه لا يستطيع السداد الآن، فإنه لا يزكى عليه حتى يقبض. فإذا قبض زكي عنه مرة واحدة، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وخلاصة ما يذكر فيها من كلام أهل العلم. هذا سائل يسأل يقول: هل ننوي الصيام في كل ليلة، أم تكفي نية واحدة خلال الشهر؟ الصحيح أنه تكفي نية الواحدة خلال الشهر، واستحضار النية كل ليلة لا حاجة له. بل من دخل عليه شهر رمضان، فهو في قلبه صيام الشهر كاملًا، بخلاف من حصل له سفر في ثنايا الشهر، فقطعت أسفاره هذا الصيام، فهنا يحتاج إلى تجديد النية. وحديث «من لم يبيت النية فلا صيام له» هذا يحمل لو صح على معنى أصل النية، وليس معنى أن يستحضر الصائم كل ليلة بعينها نية خاصة. وأعظم من ذلك ذاك الخطأ الذي يفعله بعض الناس من التلفظ بالنية، أو كذلك تلقين الناس إياها بعد صلاة التراويح أو بعد صلاة العشاء أو بعد صلاة المغرب في بعض المساجد، فهذا ليس من السنة، ولم يكن عليه هدي سلف الأمة. هذا سائل أو سائلة يقول أو تقول: يصلي امرأة فتحت حلقة لمحو الأمية، ثم طلبت الحكومة شهادة هذه المرأة، فخافت المرأة أن تغلق الحلقة وهي ليس معها شهادة، فعطتهم شهادة أختها، ثم صرفت لها الحكومة راتبًا شهريًا. فسألت المرأة، فقيل لها: إن هذا المال فيه شبهة، ولكن لتجعل من أختها أن تعد التمارين وتصحح الدفاتر، وكذلك الامتحانات، وإن أعطتها أختها من هذا المال دون شرط، فليس في ذلك شيء، فما الحكم في هذه المسألة؟ لو حصلت تعاون مع أختها وتقاسم هذا المال، فهو حسن وأحوط وأضرأ للذمة، خصوصًا إذا أعطتها أختها يعني كما ذكرت. على أنه ينبغي إذا استطاعوا أن يعلموا لوجه الله ويتركوا هذا المال، هذا خير لهم، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه. خصوصًا وأنه أحيانًا يحصل في ثنايا ذلك شيء من المحاذير الشرعية، فإنه ربما تنزل لجنة وتراقب التدريس، ويحصل فيه شيء من الاختلاط، ودخول الرجال أو مفاسد أخرى. فإن أمكن أن يحتسب ذلك لله، فهذا أفضل. هذا سائل يسأل يقول: ما هو الأفضل في شهر رمضان، كثرة تلاوة القرآن أو قلة التلاوة مع التدبر؟ وجزاكم الله خيرًا. وأنت جزاك الله خيرًا، الأفضل في هذا تنويع العبادات والطاعات لمن استطاع ذلك، فهو معين أولًا لتنوع الأجور، وثانيًا حصول المقاصد في هذه العبادات المتنوعة. وثالثًا إبعاد السآمة والملل عن النفس، فإن الإنسان إذا استمر في عمل واحد، ربما دخل عليه شيء من الملل والمشقة. لكن إذا نوع العبادات، حصل له شيء من النشاط وزيادة في الاجتهاد في الخير. فينوع العبادات في هذا الشهر بين الصيام والقيام، وقراءة القرآن، والصدقة، وحضور مجالس العلم، وفي قراءة القرآن، وغير ذلك. وفي قراءة القرآن بين التلاوة والقراءة والحفظ، وكذلك المراجعة والتدبر، وأحيانًا قراءة شيء من التفسير. فإن كان يجد في نفسه نشاطًا لأحد هذه الأعمال الصالحة، فله أن يجتهد فيه. فمثلًا بعضهم يجتهد في قراءة القرآن مع ما يتيسر من تدبره أثناء القراءة، ويكثر من الختمات، فهذا قد فعله كثير من السلف، وهو عمل صالح ما دام يجد في نفسه نشاطًا في ذلك، فهو أمر حسن. وكل إنسان أعرف بما تصلح به نفسه، والمقصود هو إعمار الوقت بالأعمال الصالحة. فإن كان يستطيع للتنويع، نوع، أو كان لأحدها فعل بحسب ما يظن أنه أصلح، والله أعلم. هذا سائل يقول: ما حكم قراءة القرآن المجودة كبعض قراءة المصريين، مثل عبد الباسط وغيره؟ وهل هي ممنوعة؟ وهل تجوز؟ وهل تستعمل في الصلاة؟ القراءة المجودة قد يكون تطبيقها يختلف عن مسماها، وكما تعرفون بعض القراءات لها أصل ثابت، لكن التطبيق ينكره بعض أهل العلم لتضمنه لبعض ما هو خارج عن الاعتدال في القراءة، وما كان عليه هدي السلف في ذلك. فمثلًا حمزة أحد القراء من القراء الذين قراءتهم من القراءات المعتمدة، ومع ذلك كان أحمد رحمه الله يكره قراءة حمزة وينكرها. كيف يجمع بين هذا وبين كونها قراءة سبعية صحيحة؟ جمع بينها العلماء أن أحمد رحمه الله كان يكره تطبيق هذه القراءة من حمزة، لا نفس القراءة الثابتة. فرق بين القراءة الثابتة وبين تطبيق هذه القراءة، ففي قراءة حمزة من الهمزات والمدود ما كان سببًا في استنكار واستفحاش بعض أهل العلم لهذا التطبيق للقراءة. فنفرق بين أصل القراءة الثابت وتطبيق هذه القراءة. ومثله القراءة المجودة، القراءة المجودة ذكرها أهل العلم وأقروها في كتبهم، وطبقها كثير منهم، ولم ينكروها. ومع ذلك نجد بعض علمائنا أنكر ما يسمى قراءة مجودة لما فيه من التمطيط، وما فيه كذلك من المبالغة في تلك القراءة. وقد نهينا عن التكلف، فإذا نفرق بين هذا وهذا، ومع ذلك والفرق بين الممنوع والمشروع في هذا الباب قد يكون دقيقًا. وقد كذلك لا يحسنه ولا يتقنه كل طلبة العلم، فلذلك ينبغي أن يحال فيما قد يختلف فيه إلى أهل العلم الذين هم مرجعية لنا في سائر المسائل العلمية الشرعية. فكذلك في مسائل وتفاصيل هذا العلم وما يتعلق به، قد يقول قائل: ربما بعض أهل العلم ليس عنده معرفة وعلم بتفاصيل هذا العلم. فيقال: نعم، قد لا يكون عنده معرفة التفاصيل، لكن لا يعني أنه سيتقول على الله بغير علم. وأنت تعرف أنه من علمه وديانته وأمانته أنه لن يتقول على الله بغير علم، لكنه يستطيع بما معه من علم وباطلاعه على كلام غيره من أهل العلم أن يصل إلى الحكم الذي يستطيع أن يقول: هذا من الممنوع أو من المشروع. فإن كنت تحسن الظن بعلمائك، فإذن اسألهم عن هذا. وهذا شبيه بقول بعض الدعاة الثوريين السياسيين الحركيين بأن العلماء لا يفقهون الواقع، وهم يزعمون أن هؤلاء العلماء ليس عندهم دراية ومعرفة بتفاصيل ما يفعله الأعداء وما يمكر به في هذه الأمة. وكأنهم يقولون: ما دام لنا من الدعاة ومن كذلك الزعماء السياسيين الإسلاميين كما يزعمون لهم معرفة بواقع الكفار وأحوالهم أكثر، إذن هم الذين ينبغي أن يكون لهم الفتوى والحكم في هذا الباب. وهذا غير صحيح، لأن هؤلاء ولو عرفوا هذه التفاصيل، لكنهم ليس عندهم العلم الشرعي الذي يصلون به إلى الحكم بالصواب في هذه المسألة. وهؤلاء العلماء الراسخون في العلم، وإن جهلوا بعض تلك التفاصيل، وفي الغالب أن جملة المهم لا يخفى عليهم، ولا يعجزوا عن الوصول إليه، بغض النظر عن دقائق وتفاصيل ليس من المهم الاطلاع على مثل ذلك. فهؤلاء عندهم من العلم الشرعي ما يستطيعون به الوصول إلى الحكم، فكما نقول أن أولئك أخطأوا في هذا الفهم، فكذلك في هذا الباب فيما يتعلق في علم القرآن وما يتعلق به من مسائل. فالخلاصة يرجع في مثل هذا إلى كلام أهل العلم، فهم يبينون الممنوع والمشروع من هذه القراءة. ثم إلحاقًا بهذا الجواب، أن الممنوع قد يكون ممنوعًا، لكنه لا يعني أنه يبطل الصلاة. فأنت تصلي خلف العام الذي قد يخطئ ببعض قراءته، هل تقول أن قراءة هذا العام باطلة؟ لا، إلا إذا أخلى إخلالًا فاحشًا واضحًا، كما نص عليه العلماء. مثل أن يضعف حرف أو يترك تضعيف أو يغير معنى، فما كان كذلك فهو الذي لا ينبغي أن يقدم للصلاة مثله، ولا تجوز الصلاة خلفه لأن الصلاة تبطل، خصوصًا إذا كان في الفاتحة. وأما إذا كان خطأه لا يصل إلى تغيير المعنى ولا إبطال الصلاة، فالصلاة خلفه صحيحة، وإن كان الأولى أن يقدم من هو أفضل منه. فكذلك يقال بالنسبة لمثل أخطاء بعض القراء في هذا الباب، في مسألة تجاوزهم للمشروع ووقوعهم في بعض الممنوع. وبهذا نعرف الجواب على الجزء الثاني من السؤال. يقول: ما هو المعتبر في زكاة الذهب؟ هل هو سعر اليوم أو غير ذلك؟ علما أن الذهب أحيانًا تبطل بسوقه، فيزن اليوم ويخرج الزكاة بعد خمسة أيام. الفرق اليسير لا يضر، مسألة خمسة أيام أربع أيام سهل، والأفضل أنه يخرج مباشرة من حين أن يعرف يزن ويعرف السعر يخرج الزكاة. والمشقة تجلب التيسير، يقول: ما هو المعتبر في زكاة الأوراق النقدية؟ هل هو نصاب الذهب أم الفضة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، الصحيح أنه يلحق بزكاة الذهب، لأن الأصل في أموال الناس الحرمة، هذا أولًا. وثانيًا لأن أصل هذه العملة الورقية كان في أول الأمر هو الذهب، وهو ما يسمى بالغطاء البنكي للعملة الورقية. ولا يزال لبعض الناس بعض الدول إلى يومنا هذا غطاء هذه العملات الورقية الذهب. فلأجل المعنى الأول والثاني، قال أكثر أهل العلم أن العملة الورقية نصابها نصاب الذهب. يقول: هل يجوز أو هل من السنة في صلاة الوتر أن نقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين؟ يستحب ذلك، قل هو الله أحد تختم به القراءة، والمعوذتين بعض أهل العلم لا يصحح ما ورد من حديث فيها. والأمر في هذا واسع وسهل، يقول: هل في ختم القرآن دعاء كما يفعل في الحرم؟ الصحيح أنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن للقرآن في ختمه دعاء، وما يفعل إنما أخذ في ذلك ما روي عن بعض الصحابة. وهذا اجتهاد، وأهل العلم فيه بين الأجر والأجرين، والصواب ما سمعت، والله أعلم. يقول: الحامل والمرضع إن شق عليها الصيام، ماذا تفعل؟ الصحيح أنه يجوز لها الفطر، إن خافت على نفسها أو خافت على ولدها أو وجدت مشقة في الصيام، فتفطر، ثم تقضي عن كل يوم يوم مكانه في وقت صحتها. فإن شق عليها القضاء لكثرته وتتابع الصيام عليها، فأفتى بعض أهل العلم أنه يجوز لها الإطعام. والمشقة تجلب التيسير، وعلى هذا حملوا ما روي عن بعض الصحابة في إطعام الحامل والمرضع. ولم يرد شيء صحيح صريح أن الحامل والمرضع تطعم ولا تقضي. ولهذا كان الصواب أن الحامل كغيرها من أهل الأعذار الذين إذا استطاعوا القضاء وجب عليهم القضاء. فإذا لم يستطيعوا القضاء، كان الإطعام كصاحب المرض المزمن والكبير، كذلك الذي لا يستطيع الصيام. يقول: هل من السنة التطويل في صلاة سنة الفجر، كأن يقرأ مثلًا صفحة أو ورقة من القرآن أو أكثر من ذلك؟ السنة التخفيف في سنة الفجر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الأولى بقول: «يا أيها الكافرون»، والثانية بقول: «هو الله أحد». وثبت أنه أحيانًا يقرأ آيات يسيرة، حتى تقول عائشة رضي الله عنها: «لا تدري هل قرأ بشيء بعد فاتحة الكتاب أو لم يقرأ». وهذا من شدة تخفيفه لهذه الصلاة، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا أراد السنة، فليخفف في سنة الفجر، خصوصًا وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين الفجر». فعلم بهذا أن المطلوب في ركعتين الفجر التخفيف والاقتصار عليهما. وأما إذا أراد مراجعة القرآن بقراءة صفحة أو ورقة، فالأفضل يجعله في أوقات أخرى، في غير ركعتين الفجر. عنده صلاة الضحى، عنده صلاة الرواتب الأخرى في الظهر، في المغرب، في العشاء، أو يتنفل بنفل مطلق ما بين المغرب والعشاء. فهو الذي جاء في تفسير قول الله عز وجل: «كانوا قليلًا من الليل ما هجعون». فسر أنه في صلاة بعض الصحابة بين المغرب والعشاء، وفسر أنه في صلاة في الليل. يقول: نريد التثبت في فتوى نقلت عنكم في دروس سابقة في جواز القراءة على منازل الأغاني كما ذكرنا، مثل جهركة أو رست أو بياني، ثم الآن سمعنا هذه القراءة موجودة في إذاعة التقوى، هل هذا يدل على جوازها؟ لا، لا يدل على جوازها، القراءة على منازل وألحان الأغاني لا تجوز، وليست هي موجودة في إذاعة دار الحديث. وما يظنه هذا أنه من منازل الأغاني فهو خطأ، فقد تحصل الموافقة أحيانًا، لكن لا يعني حصول تلك الموافقة أن حكمها حكمها. ثم كما قلنا: العلماء يفرقون بين بعض الخطأ الذي يكون يسيرًا يعفى عنه، وبين الخطأ الذي يكون شديدًا، فينبغي أن يتجنب. فمثل هذه القراءة أليست موجودة في إذاعة قرآن الكريم في أرض الحرمين؟ الجواب: نعم، يوجد. طيب، أليس هذه الإذاعة تحت إشراف علماء من علمائنا، ومعرف ودراية منهم؟ فهل هم يقرون البدع أو هم يجهلون هذا؟ ما هو الجواب؟ فما كان جوابًا لهم فهو جواب لنا. وشيء آخر، أنا أنصح السائل وكل من يرد عليه مثل هذا المعنى أن يعرف معنى متابعة أهل العلم والاستفادة منهم. فليس معنى ذلك أن يكون شيء علمي، ثم بعد ذلك نخالفه في الواقع العملي، تكون لنا شذوذات، وتكون لنا مسابقات لأهل العلم، نسبقهم ونتقدم بين أيديهم. لكن الأولى في مثل هذا المقام إذا أشكل عليك شيء تسأل، لأنه ربما ظننت أن هذا صواب وهو خطأ، وظننت أنه محرم وهو جائز، وظننت أنه حصل تساهل وليس الأمر كذلك. فما دمت تعلم أن في علمائنا من العلم والدين والمعرفة ما يجعلهم محل مرجعية وأهلية في هذا الباب وغيره، فإذا لا تستغني عنهم، ولا تزهد في الرجوع إليهم، وابحث عن السبب، فسيزول إن شاء الله الإشكال. أما إذا صار الإنسان يفتي نفسه بنفسه، وينظر إلى غيره بنظر النقص، وكذلك الخطأ، فإنه ربما يبتلى بشيء من الغرور، فيكون سببًا لهلكة نفسه، وربما هلكت غيره. فالخلاصة كما سبقت الإشارة إلى هذا المعنى: بعض الأخطاء قد تكون أخطاء، لكنها تغتفر، ويشق التحرز منها. والمشقة تجلب التيسير، خصوصًا إذا كانت ليست بتلك الأخطاء التي تصل إلى حد البدعة، وما أكثر الخطأ في هذا الباب. وأذكر كلامًا ذكره لنا بعض مشايخنا، فقد ذكر لي مرة شيخنا أبو صالح عبد الله بن صالح الفالح، أحسن الله لنا وله الختام. وهو من كبار مشايخ الشيخ، من كبار تلامدة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، ومن كبار مشايخ أرض القصيم. ذكر أنه حين أرسل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ببعض المدرسين من أهل مصر. وتعرفون المملكة ابتليت في أول أمرها بحاجة علمية شديدة لاتساع تلك البلاد وقلة المدرسين، خصوصًا وأن المطلوب هو انتقاء مدرسين على منهجية معينة. فاحتاجت المملكة إلى بعض المدرسين في علوم متنوعة، ومنها علوم القرآن، فاستدعي بعض المدرسين من بلاد مصر والشام. فيحكي لنا شيخنا الشيخ عبد الله الفالح حفظه الله تعالى وختم لنا وله بحسن الختام: بأنه لما جاء أحد أولئك المدرسين، وكان من مشايخ الإقراء في مصر إلى المدينة، فطلب مقابلة بعض المقرئين. وكان في ذاك الزمان أحد إمة الحرم، ويعتبر من أكبر القراء في المدينة، فاستمع لقراءته وهو يقرأ الفاتحة. فذكر فيما أذكر أنه قال في قراءة شيخكم بضعة عشر خطأ في سورة الفاتحة، فابتسم بعض المشايخ الحاضرين. فقالوا: نحن قد رضين به من قبل أن تأتي. فمثل هذا الشيخ لمثل هذا الشيخ الذي يعتبر من مشايخ أهل العلم، ومع ذلك يقول: أنه في قراءته بضعة عشر خطأ في سورة الفاتحة فقط. فمثل هذا، ماذا يصنع من كان تلميذًا لمثل هذا الشيخ؟ ربما يقول: خلاص ما تصح الصلاة خلف هذا الشيخ. وهل هذا صحيح؟ ليس هذا بالصحيح. ثم ندعو هذا السائل أن يستمع لقراءة بعض كبار مشايخنا، ويزنها بموازين بعض المبالغين في هذا العلم. فإنه سيجعل لها أكثر من عشرين خطأ، ليس فقط بضعة عشر خطأ. يستمع لقراءة كبار مشايخنا، قراءة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، قراءة الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله، قراءة الشيخ الألباني رحمه الله، قراءة شيخنا مقبل رحمه الله. ماذا نقول عن قراءة هؤلاء؟ ماذا سيحكم عليها؟ فهناك أخطاء يسيرة تغتفر، ويتسامح فيها. فينبغي التمعن في مثلي هذا المعنى، والنظر فيه. وما أشكل على الإنسان يرجع إلى أهل العلم. يقول: يأتي علينا في بعض الأحيان يأتي تكتب ليس على نبرة الياء الهمزة، إنما همزة الألف الممدودة التي فوقها، أي الألف الممدودة فوقها همزة. يقول: يأتي علينا في بعض الأحيان ونحن في البحر تغرب الشمس، فهل نفطر أم نفطر على تقويم المنطقة التي نحن نازلين فيها؟ علما أنه بين الغروب والتوقيت فرق. إذا رأيت الشمس تغرب بعينك، وأقبل الليل من الجهة الأخرى، جاز لك أن تفطر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا غربت الشمس منها هنا، وأقبل الليل منها هنا، أفطر الصائم». يعني جاء وقت إفطار الصائم، مع التنبه أنه قد يكون هناك فرق يسير، الدقيقة والدقيقتين، بحسب اختلاف المناطق. قد تكون مثلًا أنت تعتمد توقيت الشحر، وأنت تصطاد في المكلة، فبين الشحر والمكلة ثلاث دقائق، وهذه الثلاثة الدقائق فيها فرق في غروب الشمس، خصوصًا على البحر. ويذكر بعض أهل الاختصاص أن غياب القرص يأخذ ثلاث دقائق تقريبًا، وهذا يعطيك الفرق، خصوصًا مع اختلاف المناطق، وكذلك من اليوم إلى اليوم الآخر قد يختلف التقويم. فقد تكون أنت اعتمدت التقويم أول يوم في رمضان، وأنت في خامس أو سادس يوم في رمضان، ويختلف التقويم بين أول يوم وخامس يوم. فالمهم إذا ثبت أنك رأيت بعينك، فاعتمد ما ترى بعينك. وأما إذا كنت رأيت قبل يوم أو يومين، وأنت الآن في المسجد، فاعتمد ما تسمع في المسجد، ما دمت تثق بأهل هذا المسجد أنهم يؤذنون على الوقت الصحيح، وليس ما رأيت قبل ذلك. فإن الذي رأيت قد يتغير. هذه سائلة تسأل تقول: امرأة تزن ذهبها في جماد الآخر، وتريد أن تؤدي الزكاة في رمضان، هل تعيد الوزن في رمضان أم يكفيها الوزن الأول؟ يكفيها الوزن الأول، لكن عليها أن تسأل عن سعر الذهب في رمضان لإخراج الزكاة. مع التنبه أنه إذا كان الحول يأتي عليها في جماد، وتريد أن تحول الحول إلى رمضان، عليها أن تخرج فارق هذه الأشهر. فمثلًا الفرق بين جماد ورمضان كم أشهر؟ رجب وشعبان ورمضان ثلاثة أشهر. فإذا كانت الزكاة مثلًا ألف ومائتين، فمعناه أن كل شهر بمئة، فلأجل أن تنقل حولان الحول من جماد إلى رمضان، ويكون كل سنة تخرج في رمضان، تزيد زكاة ثلاثة أشهر في هذه السنة. فبدل من أن تخرج ألف ومائتين، تخرج ألف وخمسمائة. وبهذا ينتقل حولان حول الزكاة من جماد الآخر إلى رمضان. هذا سائل يسأل: هل يجوز إعطاء تارك الصلاة من الزكاة؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يعطى من الزكاة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، وذكره في الاختيارات الفقهية: أن الزكاة إنما شرعت إعانة على طاعة الله. ومن يُعطى وهو لا يستعين بها على طاعة الله، ولم يكن من أهل الطاعة، فلا ينبغي أن يعان، ولا أن يُعطى من الزكاة. وذكر العلماء كلامًا نحو هذا، وتارك الصلاة لو قلنا أنه عاصي، لكان غيره من الطائعين خير منه، فكيف إذا قلنا أنه قد نص الشرع على أنه كافر، سواء الكفر الأصغر أو الكفر الأكبر. والصحيح أنه كافر الكفر الأكبر، لعموم الأدلة وصريحها في الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة. وقد قال الله عز وجل: «فإن تابوا وقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين». فدل مفهوم الآية أنهم إذا لم يقيموا الصلاة، فليسوا لنا بإخوة في الدين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث جابر: «من عبد الله بين الرجل والشرك أو الكفر ترك الصلاة». وقال عبد الله بن الشقيق: «لم يكن شيء يرى أصحاب محمد أن تركه كفر إلا الصلاة». فدل أنه الكفر الأكبر. قال رجل: سهى أن يستاك قبل الصلاة، هل يجوز أن يستاك في الصلاة ما شاء الله، ما شاء الله بمعجون أو بدون معجون؟ الحركة في الصلاة تناه في الصلاة، وفعل السواك إنما هو سنة. فلو قدر أنه يريد المستحب، لقيل أنه مستحب، مستحب عارض، مكروه، وترك المحظور مقدم على فعل المأمور. كيف إذا انضاف لذلك أن الصلاة قد جاء النص بأن فيها شغلًا عن مثل ذلك؟ قال الله عز وجل: «وقوموا لله قانتين»، القنوط هو الميل إلى الله، التوجه إلى الله، والميل عن غيره مما ينافي هذه الصلاة من قول أو فعل. يقول: امرأة حاضت ثم طهرت، ثم بعد ثلاثة عشر يومًا أتاها الدم، فماذا تفعل؟ امرأة حاضت ثم طهرت، ثم بعد ثلاثة عشر يومًا أتاها الدم، إذا كان هذا الدم دم حيض ونفاس أو نفاس، وهي متأكدة من ذلك بصفاته، فتترك الصلاة. والصحيح أنه ليس هناك حد لأكثر الحيض ولأقله، ولا لأكثر الطهر ولأقله، وكل امرأة بعادتها. لكن إذا خرج الدم عن عادة المرأة، فتأخذ بعادتها. امرأة عادتها أن يأتيها الدم سبعة أيام، ثم صارت يأتيها الدم بعد ذلك شهر كامل، ما تدري ما هو السبب؟ ربما أكل الطعام، ربما حبوب، ربما أشياء أخرى، ربما سحر. فإذا حصل مثل هذا، فهنا يقال لها: خذ بعادتك التي كنت عليها. أما ما دام الأمر في إطار العادة التي اعتادها لها المرأة، وإنما الفرق شيء يسير، فإن شاء الله تبقى على ما هي عليه. وهذه سائلة تسأل تقول: إذا ظهر الدم على امرأة بعد الطهر بثلاثة عشر يومًا، وصف