كتاب التفسير من صحيح البخاري 228

كتاب التفسير من صحيح البخاري 228

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 228، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صلاة العيد وخطبة النبي للنساء في عيد الفطر

صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان العيد قبل الخطبة، ثم خطب الناس وذهب إلى النساء يتلو عليهن آية المبايعة ويأخذ عليهن العهد. تبرعت النساء بإلقاء خواتيمهن وفتخهن في ثوب بلال رضي الله عنه.

فضل الصدقة وأثرها في البركة وتهذيب النفس

الصدقة لا تنقص المال بل تبارك فيه، والنفس تبخل بالصدقة والعفو والتواضع، وأجرها عظيم عند الله. قدم الله الجهاد بالمال على جهاد النفس، وذكر مبايعة النبي للنساء في العيد.

بيعة النساء في العيد وشروطها وأحكام خطبة العيد

بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء في العيد على التوحيد وترك المحرمات، وفسر آية البهتان بنسب الولد لغير أبيه. بيعة الرجال مماثلة، واختلف العلماء في عدد خطبتي العيد والجلوس بينهما.

حكم خطبة الجمعة للنساء وسماعهن لصوت الخطيب

الأفضل أن يخطب الخطيب خطبة للرجال ثم خطبة للنساء، أو خطبة واحدة متضمنة لخطبتين لحسم الخلاف. تناول المقطع مسألة سماع النساء لخطبة الجمعة وآراء العلماء فيها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ومحمد بن عبد الرحيم لقبه بصاعقة، لقب بصاعقة لشدة حفظه، وهو يعتبر من زملاء البخاري، لكن روى عنه لشدة حفظه فكان يسمى صاعقة، رحمه الله، كان من الأئمة. قال: حدثنا هارون المعروف وهو أبو موسى الحمال، أبو الحافظ الكبير موسى بن هارون الحمال. قال: حدثنا عبد الله بن وهب، وهو المصري الذي يلقب بديوان العلم، نشر علم مالك في مصر، وانتشر بعد ذلك مذهب مالك في مصر بعد عبد الله بن وهب؛ لأن أكثر الفقهاء والمحدثين أخذوا منه، فسد مذهب الحديث وكذلك الفقه في مصر، وخاصة فقه مالك، مع أن الليث كان إمام أهل مصر، لكن الليث كما قال الشافعي: لم يقم به أصحابه، لم يقم به أصحابه. وكذلك الشافعي جلس في مصر وأكثر أصحاب الشافعي مصريون، لكن انتشار مذهب مالك كان أكثر. قال: وأخبرني ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، إمام الحرم، كان من أحسن الناس صلاة. قال: أن الحسن بن مسلم، أي ابن يناق، قال: أخبره أن طاوس، الحسن المسلم مكي، أخبره عن طاوس، وهو أبو عبد الله اليماني طاوس بن كيسان، قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، أي أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفطر، عيد الفطر، وكذلك مع أبي بكر، ومع عمر، ومع عثمان. قال: فكلهم يصليها قبل الخطبة، أي صلاة العيد قبل أن يخطب، ثم يخطب بعده. فنزل نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۖ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. قال: حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟ فكان يبايعهن النبي صلى الله عليه وسلم في عيد الفطر. قال: أنتن على ذلك؟ وقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله. قيل أنها أسماء بنت يزيد، وقيل غيرها. قال: فقالت: نعم يا رسول الله. لا يدري الحسن من هي. قال: فتصدقن، وبسط بلال ثوبه، فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. والفتخ هي الخواتيم الكبار، تسمى فتخ، فيسمونها الفتخ، وهي الخواتيم الكبار. وأيضا جاء في حديث أبي سعيد: يلقين أقراطهن، أقراطهن: معنى الذهب الذي يلبس على الأذن، سُمِّي قَرْط، وعندنا هنا يسمونه بزق، وفي لغة العرب قَرْط. فالنساء تصدقن عندما حثهن النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، وفيه جواز الحث على الصدقة للمسلمين، وأن الصدقة لها أثر في صلاح أهل الإسلام، في صلاحهم، وفي صلاح طريقتهم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث الناس على الصدقة، فالصدقة من خير الأعمال التي تطهر القلوب، فالعبد إذا بذل من ماله لا شك أنه لا يبذل من ماله إلا لأن نفسه طيبة، ولأن نفسه أيضا أرادت الخير، لأن المال غالبا ما يبخل به، غالبا ما يبخل بالمال. ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشياء مما تبذلها النفس وغالبا تبخل بها، فجعل أجرها عند الله عز وجل عظيما، وأن أجرها كبير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة»، عن أن المال لا ينقص من الصدقة، بل يبارك الله عز وجل فيه، وهذا أعظم ما يريده الشخص، أنه يبارك في ماله ويكثر في ماله. فلهذا الصدقة لا تنقص المال بل تزيده، أي الله عز وجل يزيد ماله، سواء كان زيادة حسية أو زيادة معنوية، المراد بالزيادة المعنوية أي البركة التي تكون في هذا المال. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا»، أو إلا عزة، عن العفو عند المقدرة خاصة، وعندما يظلم العبد فهذا النفس غالبا تأباه، لكن إذا بذلت النفس هذا في الله عز وجل كان أجرها عند الله عظيما، فمن عفى وأصلح فأجره على الله، تكفل الله عز وجل بأجر الذي يعفو عن الناس إذا ظلموه، قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾. والأمر الثالث الذي ذكره هو التواضع: «وما تواضع عبد لله إلا رفعه»، لأن النفس غالبا ما تحب الكبرياء والعزة والأنفة، فإذا تواضع العبد بنفسه وجعله متواضعا، فقد ملك نفسه، فقد ملك نفسه. فهذه الأمور التي يكون فيها النفس تبخل، غالبا تجد أن خيرها عظيم، وأن أجرها عند الله عز وجل عظيم. ولهذا الله عز وجل دائما يقدم جهاد الأموال على جهاد النفس، مع أن جهاد النفس عظيم، لكن غالبا إذا بخل العبد بماله فلا شك أنه سيبخل بنفسه، فدائما تجد في الآيات: ﴿ يُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾، يقدم الله عز وجل المال ثم يأتي بالنفس، لأن الرجل إذا بذل ماله فإنه سيبذل أيضا كذلك نفسه، وإذا بخل بماله فسيبخل بنفسه. فلهذا فمسألة البذل والعطاء من أعظم الخيرات التي ينبغي المسلم أن يحرص عليها. وفي هذا الحديث مبايعة النبي عليه الصلاة والسلام للنساء، وبايعهن في يوم العيد، وقرأ عليهن هذه الآية. وقد جاء وتقدم معنا عن عدة من الصحابة أنهم نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان منهم من ذلك حديث عائشة، أنه كان عليه الصلاة والسلام يقرأ على النساء الآية ثم يبايعهن بدون أن يصافحهن، يقرأ عليهن الآية، فهي مبايعة على هذه الأمور، وهي أمور الدين وأمور الإسلام، وهي التوحيد لله جل وعلا، أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن. وقلنا أن هذه الآية فسرت: ﴿ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾، فسرت بالمرأة تأتي بولد ليس من زوجها، تأتي بولد ليس من زوجها وتفتريه على أنه من زوجها، أو تجعله أنه من زوجها، أو من سيدها إذا كانت أمة، فهذا الذي تفتريه بين يديها ورجليها. هكذا فسر ابن عباس وغيره، وقيل غير ذلك من الافتراء أو الكذب على الناس، لكن الظاهر هذا أنها تفتري، أي تجعل أو تدعي ولدا ليس من أبيها، أو ليس من زوجها، أو من سيدها، ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ﴾. ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾، بل يطعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أمرهن عليه الصلاة والسلام، وكذلك أولياء الأمور. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم في حديث عبادة بايع الرجال نفس هذه البيعة، بيعة النساء، لأنه لا فرق بين الرجال والنساء في هذا، فلهذا بايع الرجال على هذا: أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا. فمن وفى بذلك فأجره على الله، كما تقدم: ﴿ فَمَنْ وَفَىٰ مِنكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقبه فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ففي هذا الحديث كما قلنا مبايعة النبي عليه الصلاة والسلام للنساء في يوم العيد، وأمرهن أيضا بالصدقة والحث على الخير، كما جاء في حديث أبي سعيد: ذكرهن النار، وأن أكثر أهل النار النساء، لأجل أن يتنبهن من هذا. وفيه أن خطيب العيد يخطب النساء مثل ما يخطب الرجال، ولهذا فالخلاف الذي حصل بين أهل العلم: هل خطبة واحدة أو خطبتان؟ وإن كان أكثر أهل العلم يقولون بخطبتين، لكن الخلاف إنما في مسألة الجلوس بين الخطبتين، هل يجلس بين الخطبتين؟ فالشافعي، ورواية عن أحمد، ومالك يقولون: يجلس، أي بين خطبتي العيد. وقال: وهناك رواية عن أحمد أنه لا يجلس، وهذا هو الصحيح. ويُوجَّه مثل الآن مثلا: النساء يسمعن صوت الخطيب، فإن كان يسمعنا صوت الخطيب، فبعد أن ينتهي من خطبته للرجال يوجه خطبة للنساء، فتكون خطبتان، خطبة للرجال وخطبة للنساء، وهذا أولى في معنى الحكم، أو فصل النزاع في هذه المسألة، عن الحكم في هذه أو فصل النزاع بين من يقول بخطبتين أو خطبة، أنه يخطب خطبة للرجال وخطبة للنساء، وتكون خطبة واحدة لكن متضمنة لخطبتين، متضمنة لخطبتين. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.